المواقف الحلوة الجزء الثاني

الظلام والاعتراف

بقلم سعيد الضحكة

تحركت أمينة وليلى بخطى متسارعة، في ظلمة الليل، تخترق مسارات القرية الوعرة. كانت النجوم المتلألئة في السماء هي النور الوحيد الذي يرشدهما، وبقيت حكايات الجن والعفاريت التي كانت تُروى لهما في الصغر، تتردد في أذهانهما، مضيفة إلى خوفهما الطبيعي خوفًا آخر، خوفًا من عالم خفي لا يمكن فهمه.

"هل أنتِ متأكدة أنكِ رأيتِ كل شيء؟" سألت أمينة، وهي تلهث، محاولة التقاط أنفاسها.

"نعم،" أجابت ليلى بصوت متقطع. "رأيت الرجل جيدًا. كان طويل القامة، يرتدي معطفًا داكنًا، وقبعته تغطي معظم وجهه. كان لديه حركات سريعة، كمن يحاول إخفاء ما يفعل."

"وهل تعتقدين أنه كان يلقي شيئًا في البئر؟"

"نعم، كان يحمل شيئًا ثقيلًا في يده، ودفعه بقوة نحو فوهة البئر. سمعت صوت ارتطام، ثم صوت انزلاق."

كانت كلماتها هذه كالسهم الذي يخترق قلب أمينة. ارتطام. انزلاق. كانت تلك الأصوات كافية لترسم في مخيلتها أسوأ الاحتمالات.

وصلتا أخيرًا إلى مشارف البئر المهجور. كان المكان موحشًا، محاطًا بأشجار عتيقة، وأعشاب برية نمت حتى أصبحت تصل إلى الركب. كان البئر نفسه عبارة عن حفرة سوداء عميقة، تنبعث منها رائحة رطوبة عفنة، وصوت قطرات ماء تتساقط ببطء، كأنها دموع حزينة.

"علينا أن نكون حذرين جدًا،" قالت ليلى، وعيناها تتجولان في الظلام. "لا نعلم إن كان الرجل ما زال قريبًا."

"سنكون كذلك،" أجابت أمينة، وهي تبحث بعينيها عن أي أثر للكيس الأسود.

بدأت أمينة وليلى في البحث حول فوهة البئر. بعد لحظات من البحث، لمحته أمينة. كيس أسود، ملقى على حافة البئر، مغلق بإحكام بحبل سميك. كان الكيس يبدو ثقيلًا، ويبدو أن هناك شيئًا يتحرك بداخله.

"ها هو!" صرخت أمينة، وهي تشير إلى الكيس.

اقتربت ليلى ببطء، وعيناها مثبتتان على الكيس. "هل تعتقدين أن هذا هو الكيس الذي رأيته؟"

"أظن ذلك،" قالت أمينة. "علينا أن نفتحه."

شعرت ليلى بالتردد. "ولكن، إذا كان ما في داخله هو ما أخشاه...؟"

"علينا أن نعرف، يا ليلى،" قالت أمينة بحزم. "إذا كان هناك أي أمل في إنقاذ يوسف، أو على الأقل معرفة مصيره، فعلينا أن نكتشف ما في هذا الكيس."

بدأت أمينة في فك الحبل السميك الذي كان يغلق الكيس. كانت يداها ترتجفان، وقلبها يخفق بعنف، كأنه يريد أن يقفز من صدرها. رفعت الغطاء ببطء، لتكشف عن محتويات الكيس.

لم تكن هناك سوى كومة من الملابس، وملابس يوسف تحديدًا. قميصه الذي كان يرتديه يوم اختفائه، وسرواله، وستراته. كانت هناك أيضًا حقيبة يوسف الجلدية، التي كان يحتفظ فيها ببعض أوراقه الشخصية، ودفتره الذي كان يكتب فيه خواطره.

"ملابس يوسف!" صرخت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع. "إذن، كل ما كنا نخشاه قد حدث. لقد قتلوه، وألقوا بجثته في البئر!"

شعرت أمينة بأن العالم من حولها ينهار. لم تستطع أن تصدق أن يوسف، حبيبها، شريك أحلامها، قد لقي هذا المصير المروع. انخرطت في بكاء مرير، وحضنت ملابس يوسف، وكأنها تحاول أن تعيد إليه دفء الحياة.

"لا... لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا،" قالت أمينة وهي تتشبث بقميصه. "يوسف لم يمت. هو بالتأكيد ليس ميتًا. ربما... ربما تعرض لشيء ما، ولكنه ما زال على قيد الحياة."

"ولكن، ماذا عن الكيس؟ ولماذا كل هذه الملابس؟" سألت ليلى، وهي تشعر ببرد شديد يتسلل إلى عظامها.

"ربما... ربما حاولوا إيهامنا بأنه قد مات،" قالت أمينة، وعيناها تبحثان عن أي دليل يمكن أن يدعم نظريتها. "ربما تم اختطافه، وتم إجباره على ترك هذه الملابس هنا، ليظن الجميع أنه قد هلك."

"ولكن، من فعل ذلك؟ ولماذا؟" سألت ليلى.

بدأت أمينة تبحث في حقيبة يوسف. فتحت دفتر خواطره، وقرأت بعض الأبيات التي كتبها. كانت كلها تعبر عن حبه لها، وعن شوقه للقائها. ولكن، بين السطور، لاحظت شيئًا غريبًا. كانت هناك بعض الملاحظات المكتوبة بخط صغير، بالكاد يمكن رؤيته.

"ما هذا؟" تمتمت أمينة.

بدأت تقرأ تلك الملاحظات. كانت عبارة عن أرقام، وتواريخ، وأسماء غريبة. بدا وكأنها رموز.

"ماذا تقرئين؟" سألت ليلى، وهي تقف بجانبها.

"لا أعرف،" قالت أمينة. "تبدو وكأنها رموز. ولكن، انظري هنا... هذا الاسم... الحاج عبد الله."

اتسعت عينا ليلى بصدمة. "الحاج عبد الله؟ هل هذا يعني أن الحاج عبد الله متورط في هذا الأمر؟"

"لا أعرف،" قالت أمينة. "ولكن، بما أن اسمه مكتوب هنا، فربما تكون هناك علاقة."

وفي هذه اللحظة، سمعت أمينة صوتًا خافتًا قادمًا من عمق البئر. صوت أنين.

"هل سمعتِ ذلك؟" قالت أمينة، وهي ترفع رأسها.

"ماذا؟" سألت ليلى.

"صوت... صوت أنين،" قالت أمينة. "يبدو أنه قادم من داخل البئر."

قفز قلب أمينة من صدرها. إذا كان هناك أنين، فهذا يعني أن يوسف ما زال على قيد الحياة.

"يوسف؟" صاحت أمينة. "يوسف، هل أنت هناك؟"

رد الصوت مرة أخرى، أقوى قليلًا. "أمينة...؟"

"نعم، إنها أنا! يا إلهي، يوسف، إنها أنت!" بكت أمينة فرحًا.

"أنا هنا... عالق... ساعديني..." قال يوسف بصوت ضعيف.

"لا تقلق، يوسف، سنخرجك،" قالت أمينة. "سننقذك. فقط تمسك بالأمل."

بدأت أمينة وليلى بالبحث عن طريقة لإنقاذ يوسف. لكن، كان البئر عميقًا جدًا، ولا توجد أي أدوات بالقرب منهم.

"كيف سنخرجه؟" سألت ليلى بقلق. "لا يمكننا فعل ذلك بمفردنا."

"يجب أن نعود إلى القرية، ونخبر الجميع،" قالت أمينة. "ولكن، علينا أن نكون حذرين. لا نعلم من هو الرجل الذي رأيته، ولا نعرف ما إذا كان سيعود."

"ولكن، ما قصة الحاج عبد الله؟ وما هذه الرموز؟" سألت ليلى.

"لا وقت لدينا الآن،" قالت أمينة. "علينا أن نركز على إنقاذ يوسف أولاً. بعد ذلك، سنكشف كل شيء."

وبينما كانت أمينة وليلى تستعدان للعودة، سمعتا صوت إطارات سيارة تقترب. صوت سيارة لم تعتاد عليه أذن أهل القرية.

"من هذا؟" قالت ليلى بخوف. "هل عاد الرجل؟"

"لا أعرف،" قالت أمينة. "علينا أن نختبئ."

اختبأت أمينة وليلى خلف الأشجار الكثيفة، وقلوبهما تخفق بشدة. رأتا سيارة سوداء فاخرة تتوقف بالقرب من البئر. خرج منها رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا داكنًا وقبعة، بنفس الرجل الذي وصفته ليلى.

"إنه هو!" همست ليلى. "إنه الرجل نفسه!"

"ولكن، ماذا يفعل هنا؟" تساءلت أمينة. "هل جاء ليخفي يوسف؟"

بدأ الرجل يقترب من البئر، يحمل في يده حبلًا سميكًا. كان يتحدث في هاتفه بصوت منخفض.

"لقد انتهيت من المهمة،" قال الرجل. "الملابس في الكيس، والبئر يحفظ الأسرار. لا أحد سيشك في أي شيء."

"ولكن، هل أنت متأكد أن يوسف لن يستطيع الخروج؟" سألت أمينة في نفسها.

"نعم، إنه في قاع البئر، ولن يستطيع أحد سماع أنينه،" قال الرجل. "الآن، عليّ أن أذهب قبل أن يلاحظ أحد. الحاج عبد الله لن يسامح أي خطأ."

"الحاج عبد الله!" تكررت الكلمة في رأس أمينة. أخيرًا، بدأت الصورة تتضح. الحاج عبد الله هو من يقف وراء كل هذا.

"إذن، الحاج عبد الله هو من اختطف يوسف،" قالت أمينة بصوت متهدج. "وهو من ألقى بملابسه في الكيس ليظن الجميع أنه قد مات. إنه يريد التخلص منه."

"ولكن، لماذا؟" سألت ليلى.

"لا أعرف،" قالت أمينة. "ولكن، يبدو أن يوسف كان يعرف شيئًا عن خططه. ربما كان على علم بأسراره، أو بصفقاته المشبوهة. ولهذا، أراد الحاج عبد الله أن يصمت يوسف إلى الأبد."

شعرتا أمينة وليلى بالخوف الشديد، ولكنهما عرفتا أنه لا يمكن البقاء في الظل. كان عليهما التحرك بسرعة.

"علينا أن نخبر الجميع،" قالت أمينة. "يجب أن نعود إلى القرية الآن، ونخبر الحاج علي. يجب أن ننقذ يوسف قبل فوات الأوان."

بدأت أمينة وليلى بالانسحاب ببطء، تاركتين خلفهما الرجل الغامض، والبئر الذي يحمل بين طياته سرًا مؤلمًا. كانتا تحملان معهما خبرًا سيئًا، ولكنهما كانتا تحملان أيضًا بصيص أمل. أمل بأن يوسف ما زال على قيد الحياة، وأمل بأن الحقيقة ستظهر، مهما كانت مريرة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%