المواقف الحلوة الجزء الثاني
حكمة الريحان
بقلم سعيد الضحكة
استقبلت قرية "الوادي الأخضر" "عالية" بترحيب هادئ، كما لو كانت تنتظر قدومها. كانت البيوت متلاصقة، والشوارع ضيقة، تتخللها مساحات صغيرة من الحدائق المزهرة. الوجوه التي مرت بها كانت تعكس طيبة وبساطة، وابتسامات خجولة كانت تُقابل نظراتها المتفحصة.
بدأت "عالية" في سؤال أهل القرية عن "جمال الدين". كان الاسم مألوفاً لدى البعض، لكن لا أحد كان يعرف مكانه الحالي. قيل لها إنه كان يزور القرية من حين لآخر، قبل سنوات، وكان يقضي وقتاً في التأمل بين حقول الريحان، لكنه لم يعد يظهر منذ فترة طويلة.
"كان رجلاً صابراً، يحب الهدوء." قالت لها سيدة عجوز، تجلس أمام منزلها، تُصلح شبكة صيد. "كان يأتي في أوقات معينة، يتحدث مع الأرض، ويتحدث مع الريحان. لم يكن يحب الضجيج."
"وهل تعرفين أين قد يكون الآن؟" سألت "عالية" بلهفة.
"من يدري؟" أجابت السيدة، وهي تبتسم بحكمة. "الحكماء كالعطور، يظهرون حينما يريدون، ويختفون حينما يريدون. لكنهم يتركون أثراً طيباً خلفهم."
شعرت "عالية" بالإحباط يتسلل إلى قلبها، لكنها لم تفقد الأمل. تذكرت ما قاله جدها في رسالته: "الحكماء كالعطور، يظهرون حينما يريدون". ربما عليها أن تنتظر، وأن تبحث عن "جمال الدين" بطريقة مختلفة.
قررت أن تمضي بعض الوقت في القرية، لتتعرف على طبيعتها، ولترى ما إذا كانت ستجد أي دليل آخر. استأجرت غرفة صغيرة في بيت ضيافة بسيط، وبدأت تستكشف المكان.
أكثر ما لفت انتباهها في "الوادي الأخضر" هو انتشار نبات الريحان في كل مكان. كان ينمو في الحدائق، وعلى أسطح المنازل، وحول حواف الحقول. كانت رائحته المنعشة تملأ الهواء، وتُبعث على الهدوء.
في أحد الأيام، بينما كانت تتجول في أطراف القرية، وصلت إلى حقل واسع من الريحان، يمتد إلى ما لا نهاية. كانت الشمس بدأت تميل نحو الغروب، وترسل أشعتها المائلة لتُلقي بظلال طويلة على النباتات. شعرت "عالية" بانجذاب غامض نحو هذا الحقل.
دخلت الحقل، وسارت بين صفوف الريحان، تتنسم عبيره. شعرت بأنها في مكان مقدس، مكان يحمل فيه التاريخ سراً. وفي وسط الحقل، رأت شيئاً لفت انتباهها. كان هناك حجر كبير، منحوت عليه بعض الرموز القديمة، وبجانبه بئر قديمة.
اقتربت "عالية" من الحجر، وحاولت فك رموز النقوش. كانت تبدو كرموز فلكية، ورموز لأعشاب. ثم نظرت إلى البئر. كانت مغطاة جزئياً، لكنها رأت في قاعها بعض القوارير الزجاجية.
فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً خلفها. استدارت بسرعة، لتجد رجلاً يقف هناك، يرتدي ملابس بسيطة، ووجهه يحمل آثار الزمن، لكن عينيه كانتا تلمعان بالحيوية. كان نحيلاً، وشعره أبيض بالكامل، وكان يحمل في يده باقة من الريحان.
"هل تبحثين عن شيء يا ابنتي؟" سأل الرجل بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة من المعرفة.
شعرت "عالية" بأن قلبها يخفق بقوة. هذا الوجه... هذه النظرة... هل يمكن أن يكون هو؟
"هل أنت... هل أنت الحاج جمال الدين؟" سألت بصوت مرتجف.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وأومأ برأسه. "نعم، أنا جمال الدين. ومن أنتِ؟ وما الذي جاء بكِ إلى هذا المكان؟"
"أنا عالية. حفيدة الحاج جمال الدين، معلم العطارة." قالت "عالية"، وهي تشعر بسعادة لا توصف.
ارتسمت على وجه "جمال الدين" ابتسامة واسعة، مليئة بالدهشة والتقدير. "عالية؟ يا لها من مفاجأة! لم أتوقع أبداً أن ألتقي بكِ هنا. لقد سمعت عنكِ من جدّك، قبل أن يرحل. كان يتحدث عنكِ بفخر."
"لقد ترك لي رسالة... وعن عطر الأمل." قالت "عالية"، وأخرجت القارورة الزجاجية التي وجدتها. "وهذا كان بداخله."
نظر "جمال الدين" إلى القارورة، ثم إلى "عالية"، وابتسم بحزن. "آه... هذه القارورة. لقد ظننت أنها ضاعت. لقد كانت محاولة لـ 'عطر الأمل' قبل سنوات، لكن شيئاً ما كان ينقصها."
"جدّي قال إننا سنعمل معاً لإعادة هذا العطر." قالت "عالية" بتصميم.
"وهل أنتِ مستعدة؟" سأل "جمال الدين"، وهو يتأمل عينيها. "فن العطارة ليس مجرد مزج للروائح. إنه رحلة إلى أعماق الروح. وهو يتطلب قلباً نقياً، وصبراً لا ينفد."
"أنا مستعدة." أجابت "عالية" بثبات.
"حسناً." قال "جمال الدين". "لقد وجد جدّكِ في الريحان سراً من أسرار العطارة، وقد تركتُ هنا بئراً قديمة، تحمل في جوفها ماءً نقياً، ورموزاً تدل على طرق استخلاص الروائح. هذه القرية، وهذا الحقل، هما بداية رحلتنا."
بدأ "جمال الدين" في شرح أسرار الريحان، وكيفية استخلاصه، وكيفية مزجه مع روائح أخرى. كانت كلماته تحمل حكمة عميقة، وطريقة شرحه كانت أشبه بقصيدة.
"الريحان يا ابنتي، ليس مجرد نبات عطري. إنه يحمل في أوراقه عبق الطهارة، وفي أغصانه قوة الحياة. حينما نمزجه مع روائح أخرى، فإننا نُضفي عليه معنى جديداً، ونُحوله إلى قصيدة تُروى بالأنفاس."
قضت "عالية" أياماً في حقل الريحان، تتعلم من "جمال الدين". كان يعلمها كل شيء: كيف تختار أفضل أوراق الريحان، وكيف تستخرج زيت الريحان النقي، وكيف تُضيف إليه لمسات من روائح أخرى.
"تذكري يا ابنتي،" كان يقول لها. "العطر الجميل ليس هو العطر القوي. إنه هو العطر الذي يحكي قصة، ويُشعل شعوراً، ويُعيد الذكريات. 'عطر الأمل' يجب أن يكون هكذا. يجب أن يحمل في كل قطرة منه، وعداً بالخير، وبداية جديدة."
شاهدت "عالية" كيف أن "جمال الدين" كان يعامل كل نبات ككائن حي، يحمل روحه الخاصة. كان يتحدث مع الريحان، وكأنه صديق قديم.
في إحدى الأمسيات، جلست "عالية" مع "جمال الدين" بجوار البئر القديمة. كان القمر بدراً، يلقي بنوره الفضي على الحقل.
"هل تعرفين لماذا كان جدّكِ مُعجباً جداً بالريحان؟" سأل "جمال الدين".
"لأنه نبات طيب، ورائحته جميلة." أجابت "عالية".
"نعم، لكنه أيضاً رمز للتجدد، وللبركة." قال "جمال الدين". "كان جدّكِ يؤمن بأن الحياة، مثل الريحان، يمكن أن تتجدد باستمرار، وأن تحمل في كل مرحلة منها، أملاً جديداً."
شعر "عالية" بفهم أعمق لجدها، وللفن الذي ورثته. لم يكن الأمر مجرد مزج للروائح، بل كان طريقة للحياة.
"أعتقد أنني أفهم الآن." قالت "عالية". "عطر الأمل، يجب أن يكون فيه شيء من الريحان، شيء من الطهارة، وشيء من الروح."
"بالضبط." قال "جمال الدين"، وعيناه تلمعان بالفرح. "والآن، فلنبدأ العمل على هذا العطر. معاً."