المواقف الحلوة الجزء الثاني

هواجس القلب المتباينة

بقلم سعيد الضحكة

كانت نسمات الصباح تبعث برائحة الياسمين الفواحة على أرجاء منزل آل الزاهد، إلا أن روح لمياء كانت مشوشة كسماءٍ خيّم عليها غيمٌ ثقيل. استيقظت قبل صلاة الفجر، وبدا لها الفجر يتأخر، والشمس تتوانى عن الشروق. جلست على طرف سريرها، تتأمل فراغ الغرفة الذي كان يضج بالذكريات. كانت صور والديها، وضحكات أشقائها، ورائحة قهوة جدتها، كلها تتمايل أمام عينيها كشبحٍ يعود ليطاردها. لقد مرت أيامٌ ثلاث منذ تلك المكالمة الهاتفية التي قلبت حياتها رأسًا على عقب. مكالمةٌ كان صوتُها فيه، صوتُ أخيها الأكبر، يوسف، يحمل نبرةً لم تسمعها من قبل. نبرةٌ تختلط فيها الرجفة بالرجاء، واللوعة بالاعتراف.

"لمياء... أختي... أنا... أنا في ورطةٍ كبيرة."

كلماتٌ بسيطة، لكنها انبعثت كالسموم في عروقها، فاستيقظ قلبها على وقعٍ موجع. لم تفهم في حينها، لكن يوسف، الذي طالما كان صخرةً لمن حوله، ينهار هكذا، كان أمرًا جللًا. وعدته أن تكون بجانبه، وأن تساعده، لكن قلبها كان يحمل همًّا مضاعفًا. فهو لم يعد مجرد أخ، بل أصبح الآن الرجل الذي يحمل وعد زواجٍ من أقرب صديقاتها، الفتاة الرقيقة الهادئة، نور.

نهضت بتثاقل، وتوجهت إلى المصلى الصغير الملحق بغرفتها. أدت صلاتها بخشوعٍ تعلمه، لكن عقلها كان شاردًا. كيف يمكن ليوسف، الشاب الذي طالما افتخرت به، أن يقع في "ورطة"؟ وما هي هذه الورطة؟ وهل لها علاقةٌ بمستقبله مع نور؟ بدأت تتسلل إليها هواجسٌ لم تطق احتمالها. هل كان يوسف قد لجأ إلى القمار مجددًا؟ لقد وعدها، ووعد والدهما الراحل، أن يتخلى عن هذا الداء الذي أفسد سنواتٍ من حياتهم. لكن قسوة الحياة، وضغوط العمل، وقلة الصبر، قد تدفع الإنسان إلى العودة إلى ما تركه خلفه.

بعد أن انتهت من صلاتها، فتحت نافذتها لتستنشق عبير الصباح. رأت طيورًا تزقزق على أغصان شجرة الليمون في الحديقة. كانت صورةٌ تقليديةٌ للحياة الهادئة، لكن في داخلها، كانت تعصف عواصف. تذكرت كم تعبت والدتها في تربية أبنائها بعد وفاة الأب. كم ضحت، وكم تحملت، لتمنحهم حياةً كريمةً وفرصًا أفضل. وكان يوسف، ابنها البكر، يعدها بأن يكون خير سندٍ لهم.

قررت أن تذهب لزيارة والدتها في منزلها القديم. ربما يساعدها الحديث معها على استجلاء الأمر، أو على الأقل، التخفيف من عبء القلق الذي يطبق على صدرها. ارتدت ملابسها، وتناولت قطعة جبن وبعض التمر، ثم انطلقت.

عندما وصلت إلى منزل والدتها، وجدت الحاجة أمينة، والدتها، جالسةً على الأريكة، تحتسي كوبًا من الشاي بالنعناع، وتقلب صفحات مصحفٍ قديم. استقبلتها بابتسامةٍ دافئة، لكنها لاحظت في عينيها تلك اللمعة الخافتة التي تخبر عن همٍّ كامن.

"صباح الخير يا أمي. كيف حالك؟" قالت لمياء وهي تقبل يد والدتها.

"صباح النور يا حبيبتي. بخير والحمد لله. أنتِ كيف حالك؟ تبدين قلقةً بعض الشيء."

جلست لمياء بجانبها، وحاولت أن ترسم ابتسامةً على وجهها. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض ضغوط العمل."

"عملكِ لا يجعلكِ هكذا يا ابنتي. أرأيتِ يوسف اليوم؟ يبدو أنه مشغولٌ جدًا هذه الأيام."

ارتعش جسد لمياء قليلًا. هل كانت والدتها تشعر بشيء؟ أم أنها مجرد صدفة؟

"لا يا أمي، لم أره منذ يومين. لكنه اتصل بي قبل قليل، وكان... كان صوته متعبًا."

توقفت الحاجة أمينة عن تقليب صفحات المصحف، ونظرت إلى لمياء بعينين تحملان عمق السنين. "متعبًا؟ هل حدث شيء؟"

لمياء ترددت. هل تخبر والدتها؟ هل تزيد همها همًا؟ لكن الصمت كان أثقل. "لقد... لقد قال إنه في ورطةٍ ما، وطلب مساعدتي."

تسارعت أنفاس الحاجة أمينة. "ورطة؟ ما نوع هذه الورطة؟ هل هي مالية؟"

هنا، شعرت لمياء أن قلبها قد تمزق. لقد عرفت. عرفت من نظرة والدتها، ومن قلقها المتزايد. "لا أعرف بالضبط يا أمي. لكن... هل تقصدين أنه عاد...؟"

لمياء لم تستطع إكمال جملتها. لكن الحاجة أمينة فهمت. هزت رأسها ببطء، وعيناها امتلأت بالدموع. "لقد كنت أخاف من هذا اليوم. لقد حذرته، ونصحتُه، وتوسلتُ إليه. لكنه... إنه مثل والده. هذا المرض، لا يدع أحدًا يرتاح."

شعرت لمياء بأن الأرض تدور بها. القمار. مرة أخرى. يوسف، الذي وعدهم بالعيش الكريم، بالاستقرار، بالزواج من نور، بالفرحة التي طالما افتقدتها العائلة.

"كيف؟ متى؟" سألت لمياء بصوتٍ بالكاد يُسمع.

"لا أعرف التفاصيل،" قالت والدتها وهي تمسح دموعها. "لكنني كنت أشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. تأخر في دفع بعض الفواتير، وكان متخوفًا من الاتصالات التي تأتي له."

"وهل نور تعلم شيئًا؟" سألت لمياء بقلقٍ متزايد.

"لا أعتقد. لو كانت تعلم، لكانت تحدثت إليّ. إنها فتاةٌ طيبة، وصادقة. لا أظن أنها تستحق أن تعيش هذا الألم."

عادت لمياء إلى منزلها، وعقلها يخوض معركةً شرسة. كانت تعرف أن يوسف يعاني من هذا الإدمان منذ فترةٍ طويلة. لقد تسبب لهم في الكثير من الأزمات، وأفسد ثقتهم به. لكنه كان دائمًا يعد بالتوبة، ويحاول جاهدًا، ثم يعود. الآن، كل شيء على المحك. مستقبله مع نور، سمعته، ومكانته في المجتمع.

جلست في غرفتها، وفتحت هاتفها. بحثت عن رقم نور. تريد أن تطمئن عليها، وأن ترى ما إذا كانت هناك أي علاماتٍ تدل على معرفتها بالأمر. لكنها لم تستطع الاتصال. كيف يمكن لها أن تتحدث عن أخيها بهذه الطريقة؟ كيف يمكن لها أن تضع نور في موقفٍ كهذا؟

تنهدت بعمق. عليها أن تتحدث إلى يوسف. عليها أن تواجهه. وأن تضع حدًا لهذه الدائرة المفرغة. لكن الخوف كان يتملكها. الخوف من المستقبل، والخوف من مواجهة أخيها. لكن الأهم، الخوف على نور. فالحب الحقيقي، الحب الذي وعد به يوسف، لا ينبغي أن يبدأ بهذه الهواجس والظلال.

قررت أن ترسل له رسالةً نصيةً بسيطة: "يوسف، أحتاج لرؤيتك ضروريًا. في أقرب وقت ممكن."

أغلقت هاتفها، ونظرت إلى السماء. كانت النجوم قد بدأت تظهر، كعيونٍ تراقب صراع البشر. كان قلبها يتوق إلى العدل، إلى الراحة، إلى أن ينتهي هذا الفصل المرير من حياتهم، ويبدأ فصلٌ جديدٌ مليءٌ بالبشرى والأمل. لكن هل سيسمح القدر بذلك؟ هل سيتمكن يوسف من التغلب على إدمانه؟ وهل سيبقى حب نور له نقيًا وصادقًا؟ أسئلةٌ كانت تتراقص في أرجاء الغرفة، ولا تجد إجابةً شافية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%