المواقف الحلوة الجزء الثاني
متاهة الوعد الزائف
بقلم سعيد الضحكة
لم يكن الرد على رسالة لمياء بالسرعة المتوقعة. مرت ساعاتٌ بدت كأنها دهر، قبل أن تصلها رسالةٌ مختصرةٌ من يوسف: "أنا مشغولٌ اليوم. غدًا إن شاء الله."
تنهدت لمياء. "غدًا إن شاء الله." كم سمعت هذه العبارة من قبل. كم وعد بها، وكم خاب أملها. لكن هذه المرة، كان الأمر أشد وطأة. كانت نور، صديقتها الوفية، شريكة أحلامها، على وشك أن ترتبط برجلٍ قد يكون أسيرًا لمرضٍ قديم.
في تلك الأثناء، كان يوسف يجلس في مقهىٍ منعزلٍ في أحد أحياء المدينة القديمة. رائحة القهوة الغامقة تتصاعد، ممزوجةً بضجيج الأحاديث المتفرقة. كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتين، تحملان إرهاقًا يفوق سنين عمره. أمامه، كان رجلٌ ذو شاربٍ كث، ونظرةٍ حادة، يرتدي ملابس أنيقة لكنها قديمة بعض الشيء. كان ذاك الرجل، المدعو "أبو فواز"، هو من كان يوسف يدين له بمبلغٍ كبير.
"تأخرت يا يوسف،" قال أبو فواز بنبرةٍ فيها استعلاءٌ خفيف. "الدين دين، ولا ينتظر."
"أعرف يا أبو فواز. لكن الأمور... الأمور لم تسر كما كنت أتمنى. لدي صفقةٌ قادمة، ستجلب لي الكثير من المال. أعدك، سأسدد كل شيء."
ضحك أبو فواز ضحكةً قصيرةً وجافة. "الصفقات دائمًا، والوعود دائمًا. أين هو المال يا يوسف؟ نحن لم نعد في بداية الطريق. لقد أعطيتك فرصةً، وفرصتين، وثلاث. لكن في كل مرة، تعود لنفس الدائرة."
شعر يوسف بالخجل، وبغضبٍ مكتوم. كان يعلم أنه أخطأ، وأن إدمانه قد عاد ليخنق حياته. لكنه كان يائسًا. كان يائسًا من إيجاد طريقةٍ لسداد هذا الدين، والخروج من هذه الورطة.
"أتفهم يا أبو فواز،" قال يوسف وهو يشد على قبضتيه. "ولكني أعدك هذه المرة. أحتاج فقط ليومين. يومين وسأكون قد حللت لك الأمر."
"يومين؟" سأل أبو فواز وهو يرفع حاجبيه. "وهل تظن أنني غافلٌ عن أحوالك؟ سمعت عن خطبتك المرتقبة. هل تظن أنك ستستطيع الهرب مني بعد أن ترتبط؟"
شعر يوسف بالبرد يسري في عروقه. كيف عرف أبو فواز؟ هل يتتبع أخباره؟
"لا أعرف عما تتحدث."
"لا تكذب عليّ يا يوسف. لقد سمعت عن هذه الفتاة، نور. فتاةٌ جميلة، من عائلةٍ محترمة. فرصةٌ لا تعوض. هل تظن أنني سأدعك تفلت وتفرح؟"
تغيرت ملامح يوسف. لقد أدرك أن هذا الرجل لا يهمه سداد الدين فقط، بل يريد أن يمنعه من السعادة.
"ماذا تريد؟" سأل يوسف بصوتٍ متجمد.
"بسيط جدًا،" قال أبو فواز وهو يبتسم ابتسامةً خبيثة. "أما أن تسدد لي المبلغ كاملًا، فورًا، وأما... وأما أن أفسد عليك هذه الخطبة."
"كيف؟"
"لدي معلوماتٌ عن ماضيك. عن ديونك السابقة، عن رحلاتك المشبوهة. معلوماتٌ قد لا تكون نور، أو عائلتها، راضيةً عن معرفتها. تخيل كم سيكون الأمر محرجًا، أليس كذلك؟"
كان يوسف يشعر بالاختناق. لقد وجد نفسه محاصرًا. إما أن يدفع ثمن أخطائه الماضية، أو أن يدمر مستقبل نور، وعلاقتها به.
"أنا... لا أملك كل هذا المال الآن."
"إذًا،" قال أبو فواز وهو يهز رأسه. "سنلتزم بالخيار الثاني. لكنني سأمنحك فرصةً أخيرة. أريد أن أرى جديةً منك. أحضر لي نصف المبلغ غدًا. والنصف الآخر في اليوم الذي يليه. وإن فعلت، سأتراجع عن كلامي. وإن لم تفعل... فسترى ما سيحدث."
نهض يوسف من مقعده، وشعر بأن قوته قد استنزفت. خرج من المقهى، تاركًا وراءه رائحة القهوة، ورائحة اليأس. كان يفكر في لمياء. في وعده لها بأن يتغير، بأن يكون سندًا للعائلة. لكنه لم يستطع. لقد عاد إدمانه، ليصبح سجنًا لا يخرج منه.
عاد إلى منزله، ووجد لمياء تنتظره. كان وجهها يحمل القلق، لكنه كان مصممًا على عدم إخبرها بالحقيقة كاملة.
"يوسف، ما الأمر؟" سألت لمياء وهي تقترب منه. "أرى أنك متعب."
"لا شيء يا لمياء. مجرد بعض المشاكل في العمل."
"ولماذا اتصلت بي لطلب المساعدة؟"
هنا، شعر يوسف بالتردد. كيف يقول لها؟ هل يقول لها أن أبو فواز يبتزّه؟ وهل تصدق؟
"لقد... لقد احتجت إلى رأيك في بعض الأمور المالية. بعض الديون تراكمت، ولم أعرف كيف أتصرف."
نظرت لمياء إليه بتشكك. "ديون؟ أي ديون؟ لم نسمع عن ديونٍ كهذه من قبل."
"ديونٌ قديمة، من أيامٍ مضت. أردت فقط أن أطمئن أن الأمور تحت السيطرة."
"وأنها لن تؤثر على خطبتك من نور؟" سألت لمياء مباشرةً، لم تستطع تحمل المزيد من اللف والدوران.
توقف يوسف. كيف عرفت؟ هل أخبرتها والدتها؟
"كيف... كيف علمتِ؟"
"والدتي،" قالت لمياء بصوتٍ هادئ. "لقد كانت قلقةً عليك. وقالت إنها تشعر بشيءٍ ما."
شعر يوسف بأن أسراره تتكشف أمامه. لقد كان يأمل أن يخفي الأمر عن لمياء، وعن نور. لكن يبدو أن الأقدار تلعب لعبتها.
"لمياء، أنا..." بدأ يوسف، لكنه لم يجد الكلمات المناسبة.
"يوسف،" قاطعته لمياء بحزم. "يجب أن تخبرني بالحقيقة. كل الحقيقة. قبل أن يتضرر أحدٌ آخر. قبل أن تدمر علاقتك بنور، وقبل أن تدمر حياتك."
نظر يوسف إلى أخته، وإلى تلك العيون التي تحمل الحب والقلق. شعر بخجلٍ شديد. لقد خذلها، وخذلك الجميع. لكن هل يمكن لخطوةٍ واحدةٍ صادقة، أن تبدأ في إصلاح كل شيء؟
"غدًا،" قال يوسف بصوتٍ خافت. "غدًا سأخبركِ كل شيء. أعدك."
نظرت لمياء إليه، تتمنى لو تصدق وعده هذه المرة. لكن ظلال الماضي كانت ثقيلة، والوعد الزائف كان يلقي بظلاله القاتمة على مستقبلهم. هل سيتمكن يوسف من العثور على مخرجٍ من هذه المتاهة؟ أم أنه سيسقط فيها، ويجر معه كل من يحب؟