حراس الواحة الأسطوريون
الفصل 2 — لغز الرمال المتوهجة
بقلم عمر الشريف
الفصل 2 — لغز الرمال المتوهجة
اشتدَّ هبوبُ الرياحِ مع بزوغِ أولِ خيوطِ الفجر، حاملةً معها غبارًا كثيفًا يحجبُ رؤيةَ الأفق. لم يكنْ هذا الغبارُ عاديًا، بل كان يحملُ في ثناياه شيئًا غريبًا، بريقًا خافتًا يُشبهُ ذراتِ الذهبِ المتناهيةِ في الصغر. اجتمعَ رجالُ الواحةِ، بقيادةِ الشيخِ سليمان، عندَ بوابتها الشرقية، حيثُ شاهدوا الظاهرةَ الغريبةَ لأولِ مرة. كانتْ الرمالُ تتوهجُ ببطء، وكأنها تنبضُ بحياةٍ داخليةٍ خفية.
"ما هذا بحق السماء؟" تساءلَ "مراد"، أحدُ أعيانِ الواحة، وهو رجلٌ في منتصفِ العمر، يحملُ على كتفيهِ مسؤولياتِ حمايةِ المخازنِ والموارد. "لم أرَ مثلَ هذا من قبل."
نظرَ الشيخُ سليمان إلى الرمالِ المتوهجةِ بعينينِ تحملانِ مزيجًا من القلقِ والتفكير. "إنها علامةٌ يا مراد. علامةٌ لم تظهرْ إلا في أوقاتِ الخطرِ الشديد."
"خطر؟ وما هو الخطرُ الذي يمكنُ أن يهددَ واحتنا الوادعة؟" سألَ "فهد"، شابٌ قوي البنية، يعملُ في رعايةِ الإبل، وكان معروفًا بشجاعتهِ وحبهُ للمغامرة.
"الصحراءُ تحتفظُ بأسرارٍ كثيرة، يا فهد. وليسَ كلُّ ما يظهرُ على السطحِ هو الحقيقةُ كاملة. ربما هناكَ قوىً تسعى لابتلاعِ نورِنا. والنبوءةُ تتحدثُ عن مجيءِ الظلامِ عندما تتوهجُ الرمال."
في تلكَ الأثناء، كانَ طارقٌ وليلى يراقبانِ المشهدَ من بعيد، وقلوبُهما تخفقُ بشدة. قالَ طارقٌ بصوتٍ خفيض: "لم أكنْ أعرفُ أن الرمالَ يمكنُ أن تفعلَ هذا. تبدو كأنها تخبرنا بشيءٍ ما."
ردتْ ليلى، وعيناها مثبتتانِ على الرمالِ المتوهجة: "أبي كانَ يقولُ إن الأساطيرَ غالبًا ما تكونُ مستترةً في طياتِ الطبيعة. ربما هذه الرمالُ هي مفتاحٌ لفهمِ ما يحدث."
قررَ الشيخُ سليمان تشكيلَ فرقةٍ استكشافيةٍ صغيرةٍ للتحقيقِ في مصدرِ هذا التوهج. كانتْ الفرقةُ تتكونُ من طارق، وفهد، و"سارة"، وهي فتاةٌ ذكيةٌ وشجاعة، معروفةٌ بمهاراتها في تتبعِ الآثارِ وفهمِ لغةِ الطبيعة، وكانتْ أيضًا من الأصدقاءِ المقربينَ لليلى.
"عليكم أن تكونوا حذرينَ جدًا"، حذرهم الشيخُ سليمان. "لا تذهبوا بعيدًا عن حدودِ الواحة، وكونوا على يقظةٍ دائمًا. إن كنتم ستجدون شيئًا، فليكنْ بحكمةٍ وروية."
انطلقَ طارقٌ وفهدٌ وسارةٌ في رحلتهم. كانتْ الشمسُ قد بدأتْ ترتفعُ في السماء، لكنَّ الرمالَ المتوهجةَ استمرتْ في إعطاءِ شعورٍ غريبٍ بالدفءِ المنبعثِ من باطنِ الأرض. ساروا باتجاهِ المنطقةِ التي رصدَ فيها طارقٌ الأضواءَ الغريبةَ في الليلةِ السابقة.
"هل تعتقدونَ أن هناكَ كنزًا مدفونًا؟" سألَ فهدٌ بتفاؤلٍ ممزوجٍ بالفضول.
ابتسمتْ سارةٌ ابتسامةً خفيفة. "ربما ليسَ كنزًا ماديًا يا فهد. ربما هو كنزٌ من المعرفة، أو ربما شيءٌ أكثرُ خطورة."
"الأهمُ هو أن نكتشفَ ما الذي يسببُ هذا التوهج"، قالَ طارقٌ بجدية. "وأن نتأكدَ أن الواحةَ في أمان."
بعدَ ساعاتٍ من السير، بدأوا يلاحظونَ تغيرًا في طبيعةِ الرمال. أصبحتْ أكثرَ نعومةً، وأكثرَ لمعانًا. ثم، لمحوا شيئًا غريبًا عندَ سفحِ إحدى التلالِ الصغيرة. كانَ حجرًا كبيرًا، ذو لونٍ غريب، ينبعثُ منهُ ضوءٌ أقوى من ضوءِ الرمالِ المحيطة.
اقتربوا بحذر. كانَ الحجرُ منحوتًا بشكلٍ غريب، وعليهِ رموزٌ قديمةٌ لم يعرفوها. في وسطِ الحجر، كانتْ هناكَ فجوةٌ صغيرةٌ تبدو كأنها صُنعتْ لتوضعَ فيها شيءٌ ما.
"ما هذا؟" قالَ فهدٌ بدهشة. "لم أرَ حجرًا كهذا من قبل."
"هذه الرموز... تبدو مألوفةً بعض الشيء"، تمتمتْ سارةٌ، وكأنها تحاولُ تذكرَ شيءٍ نسيته. "لقد رأيتُ شيئًا مشابهًا في بعضِ المخطوطاتِ القديمةِ التي كانتْ في مكتبةِ الشيخِ سليمان."
"ربما هذا هو مصدرُ التوهج"، قالَ طارقٌ، مشيرًا إلى الحجر. "لكن، ما الذي يجعلهُ يتوهجُ هكذا؟"
بينما كانوا يتفحصونَ الحجر، سمعوا صوتًا خافتًا قادمًا من خلفِ التل. صوتٌ يشبهُ تكسرَ الأحجار. استعدوا، وأخذَ كلٌ منهم وضعيةً دفاعية.
ظهرَ من خلفِ التلِ مخلوقٌ غريب، جسمهُ مصنوعٌ من الرمالِ المتوهجة، وعيناهُ تلمعانِ بضوءٍ أحمرَ قوي. لم يكنْ يبدو كأيِّ حيوانٍ يعرفونه. كانَ يتحركُ ببطءٍ، وصوتُ خطواتهِ يُشبهُ صوتَ احتكاكِ الحصى.
"ما هذا الشيء؟" صرخَ فهدٌ، ممسكًا بسيفهِ.
"لا أعرف، لكنه يبدو عدائيًا"، قالَ طارقٌ، مشيرًا إلى طقمهِ المصنوعِ من جلدِ الصحراء.
اندفعَ المخلوقُ نحوهم. تصدى لهُ فهدٌ بشجاعة، لكنَّ المخلوقَ كانَ أقوى مما يبدو. كانَ بإمكانهِ التحكمُ في الرمالِ المحيطةِ به، وكانَ يرمي بها على المحاربين.
استطاعتْ سارةٌ، بفضلِ خفةِ حركتها، أن تتفادى هجماتِ المخلوق. بينما حاولَ طارقٌ إيجادَ نقطةٍ ضعفٍ فيه. رأى أن الضوءَ الأحمرَ في عينيهِ هو الأكثرُ كثافة.
"طارق! عينيهِ!" صاحتْ سارة.
أدركَ طارقٌ ما تعنيه. بينما كانَ فهدٌ يشغلُ المخلوقَ، استغلَّ طارقٌ الفرصةَ، وألقى بحجرٍ صغيرٍ نحو إحدى عيني المخلوق. أصابَ الحجرُ الهدف، وتوهجتْ عينُ المخلوقِ بلونٍ أبيضَ ساطع، ثمَّ بدأَ جسدهُ يتفككُ ببطء، عائدًا إلى مجردِ رمالٍ عادية.
تنفسَ الثلاثةُ الصعداء. "لقد نجونا"، قالَ فهدٌ، وهو يمسحُ عرقه.
"لكن، ماذا كانَ ذلكَ الشيء؟" سألَ طارقٌ، ولا يزالُ متوترًا.
"أعتقدُ أنهُ حارسٌ للمكان"، قالتْ سارةٌ، وهي تعودُ لتتفحصَ الحجرَ المنحوت. "وربما هذا المكانُ يحملُ سرًا كبيرًا."
نظروا إلى الحجرِ المنحوت، وإلى الرموزِ الغريبة. أدركوا أن لغزَ الرمالِ المتوهجةِ قد بدأَ للتو، وأن الواحةَ تواجهُ خطرًا أكبرَ مما كانوا يتخيلون. وأنهم قد يكونون هم أنفسهم مفتاحَ فهمِ هذه الأسرارِ القديمة.