أبناء الرياح العاتية
الفصل 17 — أسرار الواحة المفقودة
بقلم عمر الشريف
الفصل 17 — أسرار الواحة المفقودة
بعد ساعات بدت كأنها دهر، خفتت حدة العاصفة الرملية تدريجياً. لم يبقَ من "الرياح العاتية" سوى همسات خافتة، ورمال متناثرة على وجوه وألبسة أفراد القافلة. كانوا منهكين، متسخين، لكنهم أحياء. رفع "فراس" رأسه، لينظر إلى ما خلفته العاصفة. لقد تغير شكل الأفق، وبدت الرمال وكأنها قد تم نحتها من جديد.
"هل الجميع بخير؟" سأل "فراس" بصوت أجش، وهو يمسح الغبار عن وجهه.
بدأت الردود تتوالى، مطمئنة. "نعم، الحمد لله." "كلنا بخير." "لقد نجونا."
كانت "ليلى" تجلس بجوار والدها، تتنفس الصعداء. لقد كانت لحظة مرعبة، لكنها أثبتت لها مدى قوة الترابط بين أفراد القافلة. نظرت إلى "سامي" بامتنان، فقد كان هو من أنقذها من أن تبتلعها الرياح.
"شكراً لك يا سامي،" قالت "ليلى" بصدق، وقد امتلأت عيناها بدموع الشكر.
ابتسم "سامي" ابتسامة متعبة، لكنها صادقة. "لا شكر على واجب يا آنسة ليلى. كلنا هنا لبعضنا البعض."
كان "جابر" يتفقد الإبل، ويطمئن على حالتها. كانت بعضها قد أصيبت بخدوش طفيفة، لكنها كانت قادرة على السير.
"لقد كانت تجربة قاسية،" قال "جابر" وهو يقف بجوار "فراس". "لكنها وحدت صفوفنا أكثر."
"نعم،" وافق "فراس". "إنها دروس نتعلمها من الصحراء. نتعلم منها الصبر، والقوة، وأهمية الاتحاد."
بينما كانوا يستعدون لإعادة ترتيب القافلة، لاحظ "فراس" شيئاً غريباً في الأفق. كان هناك بريق خافت، يتلألأ بين الرمال. بدا كأنه شيء معدني، أو ربما حجر كريم.
"ما هذا؟" سأل "فراس" مشيراً بيده.
اقترب "سامي" ليراقب. "يبدو وكأنه قطعة معدنية غريبة."
قرر "فراس" أن يذهب لاستكشاف الأمر. أخذ "سامي" معه، تاركين "ليلى" و"جابر" لإدارة الأمور. سار الاثنان بحذر، مستخدمين العصي لدفع الرمال المتراكمة.
بعد مسيرة قصيرة، وصلا إلى ما بدا وكأنه حطام سفينة قديمة، مدفونة جزئياً في الرمال. كانت مصنوعة من مادة داكنة، لامعة، لم يروا مثلها من قبل. كانت تبدو متينة جداً، رغم مرور الزمن.
"ما هذا المكان؟" سأل "سامي" بتعجب.
"لا أعرف،" أجاب "فراس" وهو يتفحص الحطام. "لكنها تبدو قديمة جداً. ربما كانت جزءاً من حضارة اندثرت."
بدأ "فراس" و"سامي" في التنقيب حول الحطام. وجدوا بعض الأدوات الغريبة، وقطعاً من الفخار المزخرف برسوم لم يفهموها. لكن أكثر ما لفت انتباههم كان صندوق صغير، مصنوع من نفس المادة الداكنة للحطام. كان مغلقاً بإحكام، ويبدو أنه يحمل سرّاً.
"يبدو أن هذا هو الجزء الأهم،" قال "فراس" وهو يحاول فتح الصندوق.
بعد جهد، تمكن "فراس" من فتح الصندوق. بداخله، وجدوا لفافة من جلد قديم، عليها كتابات غريبة، وقطعة معدنية تبدو كأنها مفتاح.
"ما هذه الكتابات؟" سأل "سامي".
"لا أعرف،" أجاب "فراس". "لكنها قد تكون دليلاً. ودليلنا هو هذه القطعة المعدنية."
عاد "فراس" و"سامي" إلى القافلة، يحملون الصندوق والأدوات. كان "جابر" و"ليلى" ينتظرانهم بقلق.
"ماذا وجدت يا فراس؟" سألت "ليلى".
"شيئاً مهماً،" أجاب "فراس" وهو يضع الصندوق على الأرض. "لقد وجدنا بقايا سفينة قديمة، وفيها هذا الصندوق."
فتح "فراس" الصندوق أمام الجميع. أظهر لهم اللفافة والمفتاح.
"هذه الكتابات غريبة،" قال "جابر" وهو يحاول قراءتها. "لم أرَ مثلها من قبل."
"لكن المفتاح قد يكون شيئاً مهماً،" قالت "ليلى" وهي تتأمل القطعة المعدنية. "ربما يفتح لنا باباً إلى الواحة التي نبحث عنها."
في تلك اللحظة، شعر "فراس" بأنهم على وشك اكتشاف شيء كبير. لقد قادتهم "الرياح العاتية" إلى هذا المكان، وليس من قبيل الصدفة.
"علينا أن نحاول فك رموز هذه الكتابات،" قال "فراس". "وأن نجد المكان الذي يناسب هذا المفتاح."
بدأت "ليلى" تبحث في الكتب التي أحضرتها معها، مقارنة الرموز بالكتابات القديمة التي تعرفها. كانت "ليلى" تملك معرفة واسعة باللغات القديمة، وكانت تحلم دائماً باكتشاف أثر من أسرار الماضي.
"هذه الرموز تشبه بعض الكتابات القديمة التي قرأتها في مخطوطات جدي،" قالت "ليلى" بحماس. "ولكنها تبدو أقدم وأكثر تعقيداً."
بينما كانوا منهمكين في البحث، استيقظ "الشيخ سالم"، الرجل الحكيم الذي كان معهم في القافلة، وقد كان نائماً منذ بداية العاصفة. كان يبدو متعباً، لكن عينيه كانتا تلمعان بذكاء.
"ماذا يحدث هنا؟" سأل.
أخبره "فراس" بما وجدوه. استمع "الشيخ سالم" بانتباه، ثم أخذ اللفافة والمفتاح.
"هذا ليس مجرد مفتاح،" قال "الشيخ سالم" وهو يتفحص القطعة المعدنية. "إنها قطعة أثرية قوية. وهذه الكتابات... إنها لغة قديمة جداً، تتحدث عن 'بوابة النجوم'."
"بوابة النجوم؟" سأل "سامي" بدهشة.
"نعم،" أجاب "الشيخ سالم". "إنها تصف مكاناً سرياً، لا يمكن الوصول إليه إلا باستخدام هذا المفتاح، وفي وقت محدد."
شعر الجميع بأنهم على وشك اكتشاف شيء يفوق توقعاتهم. كانت الواحة الأسطورية تبدو أقرب من أي وقت مضى، لكنها كانت تحمل أسراراً أعمق وأكثر غموضاً.
"متى يمكننا الوصول إليها؟" سأل "فراس".
"عندما تشرق الشمس وتكون في أعلى نقطة لها، ثم تغرب، ثم تشرق مرة أخرى. هذه هي الدورة التي تتحدث عنها الكتابات،" قال "الشيخ سالم". "وعلينا أن نكون في المكان الصحيح في ذلك الوقت."
نظر "فراس" إلى "ليلى"، ثم إلى "جابر" و"سامي". لقد كانوا على وشك خوض مغامرة حقيقية، مغامرة قد تغير مجرى حياتهم. لقد قادتهم "الرياح العاتية" إلى طريق لم يتوقعوه، طريق نحو اكتشاف ماضيهم المفقود، ومستقبلهم المجهول.