وصية الملك الضائع
الفصل 22 — همسات الأشباح في مدينة الأطلال
بقلم زيد العبدالله
الفصل 22 — همسات الأشباح في مدينة الأطلال
بعد أيام من السير، متبعين الخريطة الضوئية التي ظهرت في الكهف، وصل "سالم" و"ليلى" إلى مشارف مدينة قديمة، كانت أطلالها تلوح في الأفق كشبح من الماضي. كانت المدينة مهجورة، وقد ابتلعتها الطبيعة ببطء، تاركةً فقط بقايا حجارة متناثرة وشواهد صامتة على حضارة زائلة.
"هذه هي المدينة التي تشير إليها الخريطة،" قال "سالم"، وصوته يعكس رهبة المكان.
كانت الأجواء في المدينة ثقيلة، كأن الزمن قد توقف فيها. الرياح كانت تعوي بين الأنقاض، حاملةً معها همسات خافتة، أشبه بضجيج أشباح الماضي. تسللت قشعريرة إلى جسد "ليلى" رغم دفء الشمس.
"تبدو مخيفة جداً يا سالم،" همست، وهي تتمسك بذراعه. "كأنها تحتفظ بأسرار لا تريد أن تكشفها."
"كل المدن القديمة تحمل أسراراً،" أجاب "سالم". "لكن يجب أن نبحث عن المكان الذي أشارت إليه الخريطة. ربما يكون في وسط المدينة، أو في أحد معابدها المتبقية."
بدأوا بالتجول بين الأطلال. كانت المباني متهدمة، والشوارع مرصوفة بالحجارة المتصدعة. رأوا بقايا تماثيل مهشمة، ونقوشاً باهتة على الجدران، تحكي قصصاً قديمة بكلمات صامتة. الهواء كان مليئاً بالغبار، ورائحة العفن والحجر القديم.
"انظر إلى هذا!" نادت "ليلى"، مشيرةً إلى بقايا نافورة كبيرة في وسط ساحة مهجورة. كانت النقوش المحفورة حولها تصور مشاهد من حياة الناس في الماضي، احتفالات، وعمل، وحياة يومية.
"كانت هذه مدينة مزدهرة يوماً ما،" قال "سالم" بحزن. "لم أتخيل أبداً أن مملكتنا كانت بهذا الاتساع والعظمة."
كانت رحلتهم في المدينة أشبه بالسير في متاهة. كل زاوية كانوا يصلون إليها كانت تبدو كأنها النهاية، لكنها لم تكن كذلك. بدأت الهمسات تزداد قوة، وكأنها تحاول أن تحذرهم أو ربما تغريهم.
"هل تسمع هذا؟" سأل "سالم"، متوقفاً فجأة.
"نعم،" أجابت "ليلى". "إنها تبدو كأنها أصوات... لكن لا يوجد أحد هنا."
"ربما هي أصداء الماضي،" قال "سالم". "أو ربما شيء آخر."
تذكر "سالم" نصيحة الشيخ الحكيم مرة أخرى: "ابحث عن قلب المدينة، حيث يلتقي النور بالحجر، وتتحدث الأصوات الصامتة."
"قلب المدينة..." تمتم "سالم" لنفسه. "ماذا يعني ذلك؟"
بدأوا بالبحث عن مركز المدينة، أو أي بناء يبدو أنه كان ذا أهمية خاصة. لفت انتباههم مبنى ضخم، ما زالت جدرانه قائمة إلى حد كبير، على الرغم من تعرضه للتدمير. كان يعلوه قوس كبير، يبدو أنه كان المدخل الرئيسي.
"هذا هو المكان،" قال "سالم" بثقة. "أشعر بذلك."
وصلوا إلى المبنى. كان المدخل واسعاً، يؤدي إلى قاعة كبيرة. في وسط القاعة، كان هناك عمود حجري دائري، يبدو أنه كان يحمل شيئاً ما في الماضي. وعلى هذا العمود، كانت هناك حفرة مربعة صغيرة.
"لا يوجد شيء هنا،" قالت "ليلى" بخيبة أمل، بينما كانت تنظر حولها.
"اصبري يا ليلى،" قال "سالم". "تذكري الوصية. كل شيء له مكانه."
بدأ "سالم" يبحث في المكان عن أي شيء قد يكون متعلقاً بهذا العمود. وبين الأنقاض المتناثرة، وجد قطعة حجرية صغيرة، مربعة الشكل، عليها نفس الرمز الذي وجدوه على القلادة.
"ها هي!" هتف "سالم" بسعادة. "هذا هو المفتاح."
وضع "سالم" الحجر المربع في الحفرة الموجودة على العمود. في اللحظة التي استقر فيها الحجر، انبعث ضوء من داخل العمود، وانفتحت فتحة صغيرة في جانبه. من هذه الفتحة، سقطت قطعة جلدية قديمة، كانت مطوية بعناية.
"رسالة أخرى!" قالت "ليلى" بفرح. "لقد أتى عملنا بثمره."
فتح "سالم" القطعة الجلدية. كانت مكتوبة بلغة قديمة، ولكن لحسن الحظ، كانت هناك ترجمة جزئية في أسفلها.
"تقول..." قرأ "سالم" ببطء، "من وصل إلى هنا، قد تجاوز أبواب الزمن. قلب المملكة ليس في مكان، بل في زمان. ابحث عن الشعاع الأزرق عند اكتمال القمر، وسيرشدك إلى الطريق. ولكن احذر، فالظلال القديمة لا تنام، ولن تسمح لضوء الحقيقة بالانتصار بسهولة."
"الشعاع الأزرق؟" تساءلت "ليلى". "متى يكتمل القمر؟"
"غداً ليلاً،" أجاب "سالم" بعد أن نظر إلى السماء. "يجب أن نجد مكاناً آمناً هنا لننتظر."
وبينما كانا يتحدثان، بدأت الهمسات تزداد قوة، وشعروا بوجود شيء يتحرك في الظلال. كانت الأشباح التي تحدث عنها الشيخ الحكيم قد بدأت تظهر.
"يبدو أننا لسنا وحدنا هنا،" قال "سالم" وهو يمسك بـ"ليلى" بالقرب منه. "علينا أن نكون مستعدين."
كان الظلام يتسلل إلى المدينة، والظلال أصبحت أطول وأكثر تهديداً. شعر "سالم" و"ليلى" بأنهما محاصران في هذا المكان الذي يحمل في طياته مجد الماضي وأشباحه. كانت مهمتهم تتجاوز مجرد البحث عن كنز، بل أصبحت معركة ضد قوى لا يفهمونها، معركة من أجل استعادة ما ضاع.