وصية الملك الضائع
الفصل 5 — خيانة الظل في قصر الريحان
بقلم زيد العبدالله
الفصل 5 — خيانة الظل في قصر الريحان
عاد ليلى وزيد إلى قصر الريحان، وقلبهما مشحون بمزيج من الانتصار والقلق. لقد كشفا عن جزء كبير من سر "النجمة الساقطة" ووصية الملك سليمان، لكنهما أدركا أيضاً أن الخطر أصبح أقرب مما كانا يتخيلان. كان صوت خطوات المتسللين في المكتبة يتردد في ذهن ليلى، مما يؤكد لها أن الوزير جعفر، أو من يعمل لصالحه، أصبح على دراية بتحركاتهما.
في غرفتها، وضعت ليلى القلادة الثمينة بعناية في صندوق مخملي. كانت تشعر بثقل مسؤوليتها تجاه هذه القطعة الأثرية، التي تحمل في طياتها تاريخ وحماية مملكتها. المخطوطة الصغيرة بخط يد والدها، وكتاب الرموز الفلكية، كانت بجانبها، تضيء بضوء خافت في ظلمة الغرفة.
"يا زيد،" قالت ليلى، وعيناها تقدحان بالعزيمة. "لقد تعلمنا الكثير اليوم. لكن علينا أن نتصرف بحذر شديد. إذا كان الوزير جعفر يعلم أننا نقترب من إيجاد طريقة لحماية المملكة، فقد يحاول منعنا بأي ثمن."
"أنا معكِ، يا أميرة." قال زيد. "لقد عززتُ الحراسة حول القصر، وزدتُ من دوريات الحرس في الأرجاء. لكنني أخشى أن الخطر قد يكون من الداخل."
"من الداخل؟" كررت ليلى. "هل تقصد الوزير جعفر؟"
"الوزير جعفر هو الخطر الأكبر." قال زيد. "لكنه ربما لديه مساعدون موثوقون به داخل القصر. أشخاص لا ندرك وجودهم."
في تلك اللحظة، دخلت خادمة شابة، تحمل صينية عليها فنجانان من الشاي. كانت تدعى "سلمى"، وهي من الخادمات اللاتي يعملن في القصر منذ زمن.
"مساء الخير، يا أميرة، يا سيدي زيد." قالت سلمى بصوت هادئ. "أحضرت لكما الشاي. تبدوان متعبين."
ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. "شكراً لكِ يا سلمى."
شربت ليلى وزيد من الشاي، لكن ليلى شعرت بشيء غريب. كان طعم الشاي مختلفاً قليلاً، يحمل نكهة غير مألوفة.
"سلمى،" قالت ليلى. "هل هذا الشاي من نوع جديد؟"
"لا يا أميرة." أجابت سلمى. "إنه نفس نوع الشاي الذي نشربه دائماً."
نظرت ليلى إلى زيد. كان هو الآخر قد شعر بشيء. كانت عيناه تتفحصان وجه سلمى بعناية.
"هل أنتِ متأكدة؟" سأل زيد. "لقد شعرتُ بطعم غريب."
"لا أعرف يا سيدي." قالت سلمى، وبدأت تبدو قلقة. "ربما يكون الجو متقلباً، فيؤثر على حاسة التذوق."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بدوخة خفيفة. حاولت أن تقف، لكن قدميها لم تعد تحملانها.
"ماذا يحدث؟" تمتمت ليلى، وشعرت بالضعف يتسلل إلى جسدها.
"الأميرة!" صرخ زيد، وركض نحوها ليحملها.
نظرت ليلى إلى سلمى، التي كانت تقف متجمدة في مكانها، وعيناها مليئتان بالخوف.
"سلمى..." قالت ليلى بصوت ضعيف. "ماذا فعلتِ؟"
"لم أقصد ذلك!" قالت سلمى ببكاء. "الوزير جعفر... أمرني بوضع شيء في الشاي. قال إنه مجرد دواء لتقوية الذاكرة."
"دواء؟" قال زيد بغضب. "هذا سم!"
حاول زيد أن يمنح ليلى بعضاً من الشاي المتبقي، على أمل أن يعادل تأثير السم، لكن الوقت كان قد تأخر. بدأت ليلى تفقد وعيها.
"لقد... لقد خدعنا..." همست ليلى قبل أن تفقد الوعي تماماً.
أسرع زيد بها إلى فراشها، وطلب المساعدة فوراً. وصل طبيب القصر، وبدأ بمحاولة إنقاذ الأميرة. كان الوضع خطيراً.
في هذه الأثناء، كان الوزير جعفر يتلقى تقريراً من أحد رجاله.
"لقد تم الأمر، يا وزير." قال الرجل. "الأميرة ليلى في حالة حرجة. لقد نجحنا في وضع السم في الشاي."
ابتسم الوزير جعفر ابتسامة ماكرة. "ممتاز. والآن، حان الوقت لاستلام السلطة بشكل كامل. أبلغ الحرس أن يجهزوا قصر التتويج. أريد أن يتم تنصيبي ملكاً قبل أن تستيقظ الأميرة، أو قبل أن يكتشف أحد الحقيقة."
عاد زيد إلى غرفة ليلى، وقد غطى وجهه القلق. كان الطبيب يحاول كل ما في وسعه، لكن حالة الأميرة لم تتحسن.
"ماذا سنفعل، يا زيد؟" سألت سلمى، التي كانت تبكي بحرقة. "لقد أجبرني الوزير على فعل ذلك. لا أستطيع تحمل هذا."
"الآن، سلمى،" قال زيد بحزم. "وقت الاعتراف. يجب أن تقولي كل شيء. من فعل هذا، ولماذا. هذه فرصتك الوحيدة لتعويض ما فعلتِ."
بدأت سلمى تتحدث، تحكي كيف أن الوزير جعفر وعدها بالمال، وكيف هددها بالحبس إذا لم تتعاون. كانت قصة خيانة واضحة، مدفوعة بالجشع والتهديد.
"والآن،" قالت سلمى. "قال الوزير إن هناك ترياقاً. لكنه يحتفظ به لنفسه. قال إنه سيستخدمه إذا حاولتُ كشفه."
"هذا يعني أنه يريد أن يتخلص منكِ أيضاً." قال زيد. "لكننا سنحميكِ. الآن، أخبريني، أين يمكن أن يكون الترياق؟"
"لا أعرف بالضبط." قالت سلمى. "لكن الوزير كان يتحدث عن 'مخزن أسراره'، في قبو القصر. قال إن كل ما يحتاجه موجود هناك."
"قبو القصر..." قال زيد. "علينا الذهاب إلى هناك. ربما نجد الترياق، ونكشف خيانته."
أخذ زيد سلمى، وتوجها نحو أقبية القصر. كانت الأقبية مظلمة وباردة، مليئة بالممرات المتشعبة. كان زيد يتذكر بعض الأماكن التي كان والده، الملك سليمان، يستخدمها لإخفاء بعض الوثائق المهمة.
"أعتقد أنني أعرف المكان الذي تتحدثين عنه." قال زيد. "كان والدي يستخدم مكاناً سرياً في القبو، للوثائق الهامة."
قاد زيد سلمى عبر الممرات المظلمة، حتى وصلوا إلى باب حديدي ثقيل. كان الباب مغلقاً بإحكام، لكن زيد كان يعرف كيف يفتحه.
"هذا هو المكان." قال زيد.
فتح الباب، ودخلا إلى غرفة صغيرة، مليئة بالصناديق القديمة، والأوراق المبعثرة. في وسط الغرفة، كان هناك طاولة، وعليها صندوق صغير، مزين بنفس النقوش الغريبة التي رأتها ليلى.
"هذا هو!" قالت سلمى. "لقد رأيت هذا الصندوق من قبل. الوزير كان يفتحه دائماً."
فتح زيد الصندوق. وجد بداخله قارورة صغيرة، تحتوي على سائل شفاف.
"هل هذا هو الترياق؟" سأل زيد.
"نعم، أعتقد ذلك." قالت سلمى.
بينما كانا يحتفلان بهذا الانتصار الصغير، سمعا صوتاً خلفهما.
"أتوقع أنكم ستجدون هذا."
التفت زيد وسلمى، ليجدا الوزير جعفر يقف عند الباب، يبتسم ابتسامة شريرة. كان يقف خلفه عدد من الحراس الموالين له.
"يا وزير،" قال زيد بحزم. "لقد انتهى الأمر. لقد كشفتُ خيانتك."
"هل تعتقد ذلك؟" قال الوزير جعفر. "لقد كنتُ دائماً أخطط للأمام. أخطط لكل شيء. بما في ذلك هروبكِ، يا سلمى."
"ماذا؟" قالت سلمى، وشعرت بالخيانة.
"لقد استخدمتكِ، يا سلمى." قال الوزير جعفر. "كما استخدمتُ الأميرة. لقد لعبتُ بكم جميعاً."
"لن تسمح لك الأميرة ليلى بهذا." قال زيد، وسحب سيفه.
"الأميرة ليلى؟" ضحك الوزير جعفر. "إنها على وشك الموت. وبمجرد أن تموت، سأصبح ملكاً. وسأستخدم 'النجمة الساقطة' ليس لحماية المملكة، بل لفرض سيطرتي عليها."
"هذا لن يحدث أبداً!" صاح زيد، وانقض على الوزير جعفر.
بدأت معركة شرسة في القبو المظلم. كان زيد يقاتل ببسالة، لكن الحراس كانوا أكثر عدداً. بدأت سلمى تصرخ، وتحاول الهرب.
"ترياق الأميرة!" صاح زيد. "سلمى، خذي الترياق، واذهبي إلى طبيب القصر! أخبريه أن هذه هي طريقة إنقاذ الأميرة!"
أخذت سلمى القارورة، وركضت بأقصى سرعة. كان زيد يواصل القتال، يحاول أن يكسب الوقت.
"أيها الأوغاد!" صرخ الوزير جعفر. "لقد فشلتم! لن أحكم زفيريا أبداً!"
بينما كان زيد يحارب، شعر بشيء غريب. بدأ يشعر بالضعف. لقد وضع الوزير جعفر شيئاً آخر في طعامه، أو أن أحد الحراس قد أصابه بسم خفيف.
"السم..." تمتم زيد، وسقط على ركبتيه.
"نعم، أيها الغبي." قال الوزير جعفر. "لقد تعلمتُ درساً من فشل امرأتي. الآن، انتهى كل شيء."
اقترب الوزير جعفر من زيد، ليوجه إليه ضربة قاتلة. لكن في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات سريعة قادمة من الأعلى.
"توقف!"
كانت الأميرة ليلى، التي استيقظت بفضل الترياق، تقف عند مدخل القبو، ومعها عدد من الحراس الموالين لوالدها، الذين استدعيتهم فور استعادتها لوعيها.
"الوزير جعفر،" قالت ليلى بصوت قوي، على الرغم من ضعفها. "لقد كشفتُ كل شيء. خيانتك، ومحاولتك اغتيالي. لقد انتهى دورك."
شعر الوزير جعفر باليأس. لقد فقد كل شيء.
"هذه نهاية لعبتك، يا وزير." قالت ليلى.
وبينما كان الحراس يقتربون من الوزير جعفر، نظر زيد إلى الأميرة ليلى، وابتسم ابتسامة خفيفة. لقد استطاعت الأميرة ليلى، بقلبها الشجاع، وإرثها العظيم، أن تنقذ المملكة. لكن المعركة لم تنته بعد. فوصية الملك الضائع كانت لا تزال تحمل الكثير من الأسرار، والكثير من التحديات.