صائدو الكنوز في قفار العرب
الفصل 14 — وحي من الرمال
بقلم عمر الشريف
الفصل 14 — وحي من الرمال
تسللت خيوط الشمس الأولى لتنعش الصحراء بوهجٍ لطيف، بعد ليلةٍ باردةٍ قضوها تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم. كانت خيمة يوسف وزينب قد طُويت، وكانت أدواتهم قد أُعدت للانطلاق. كان الهواء لا يزال يحمل بقايا الصقيع، لكن دفء الأمل كان يغمر قلبيهما. لقد وجدوا دليلاً جديداً، قطعةً معدنيةً صغيرةً تحمل نقشاً، ونجمةً في السماء تشير إلى اتجاه.
"اليوم، سنتجه نحو النجمة." قال يوسف، وهو يربط حبلاً حول حقيبته. "سنحاول أن نجد شيئاً يتوافق مع رمز "النقطة" في القطعة المعدنية. ربما صخرةٌ مميزة، أو تكوينٌ غريب."
بدأت رحلتهم، بخطواتٍ متأنيةٍ على الرمال الذهبية. كانت الصحراء تمتد أمامهم، كلوحةٍ واسعةٍ رسمتها يد الخالق. كانت الرياح تحمل معها همساتٍ قديمة، تحكي قصصاً عن حضاراتٍ اندثرت، وعن أسرارٍ دفنتها الرمال.
"أتذكر أن الرجل العجوز في عين السدرة قال إن الصحراء تختبر كل من يطأ أرضها." قالت زينب، وعيناها تتجولان في الأفق. "أشعر بأننا نخوض هذا الاختبار الآن."
"وهذا جيد." أجاب يوسف. "الاختبار يجعلنا أقوى، ويزيد من إصرارنا. لم يكن الطريق إلى هنا سهلاً، ولن يكون ما بقي أسهل."
واصلوا السير، وكل منهم يراقب الأرض أمامه بعنايةٍ فائقة. كانوا يبحثون عن أي شيءٍ غير عادي، أي شيءٍ قد يشير إلى وجودٍ بشريٍ قديم، أو إلى علامةٍ تركها أحدهم.
بعد ساعاتٍ من السير، ومع اشتداد حرارة الشمس، بدأت آثار التعب تظهر. توقفوا للشرب، واستغلوا الفرصة لدراسة القطعة المعدنية مرةً أخرى.
"هذه النقطة..." تمتم يوسف، وهو يتأمل النقش. "ربما هي ليست مجرد نقطة، بل هي رمزٌ لمكانٍ ما. مكانٌ يتجمع فيه شيءٌ ما."
"أو ربما هي مركزٌ لشيءٍ ما." قالت زينب. "ربما هي بدايةٌ، أو نهايةٌ."
فجأة، لفت انتباه يوسف شيءٌ في الأفق البعيد. كان هناك شكلٌ غريب، يبدو وكأنه صخرةٌ كبيرةٌ بارزة، ولكنها لم تكن تبدو طبيعية.
"هل ترين ذلك؟" سأل زينب، مشيراً بإصبعه.
نظرت زينب، وارتسمت على وجهها علامات الحيرة. "نعم... يبدو الأمر غريباً. كأنها صخرةٌ مقلوبة."
بدأوا بالتوجه نحو هذا الشكل الغريب. كل خطوةٍ كانت تزيد من فضولهم. كلما اقتربوا، كلما أدركوا أن الأمر ليس مجرد صخرةٍ طبيعية. كانت تبدو وكأنها منحوتةٌ بعناية، وكأنها جزءٌ من بناءٍ قديمٍ اندثر.
عندما وصلوا، وجدوا أنفسهم أمام بناءٍ حجريٍ قديم، بالكاد بدا ظاهراً تحت طبقات الرمال. كان عبارةً عن قمةٍ حجريةٍ بارزة، تشبه رأساً مقلوباً.
"هذه هي!" صاحت زينب، وعيناها تلمعان بالإثارة. "هذا هو "المكان" الذي تشير إليه "النقطة" في القطعة المعدنية!"
كانت الصخرة الحجرية، برأسها المقلوب، تتوافق تماماً مع ما كانوا يبحثون عنه. كانت علامةً واضحةً، تركها الأقدمون. بدأوا يتفحصون المنطقة المحيطة بالبناء الحجري، يبحثون عن أي مدخلٍ، أو أي علامةٍ أخرى.
"يبدو أن هذا البناء قديمٌ جداً." قال يوسف، وهو يتفحص الحجارة. "لقد تحمل الكثير من عوامل التعرية."
"ولكن أين المدخل؟" سألت زينب. "لا أرى أي فتحةٍ واضحة."
أمضوا بعض الوقت في البحث، يمررون أيديهم على الحجارة، ويبحثون عن أي شيءٍ غير طبيعي. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، والظلال بدأت تطول.
"ربما المدخل مخفي." قال يوسف. "ربما نحتاج إلى ضوءٍ معين، أو إلى معرفةٍ معينة لفتحه."
تذكروا مرةً أخرى كلمات الرجل العجوز: "ليست كل الرموز تقرأ بالعين المجردة."
"ربما يجب أن ننظر إلى هذا البناء بطريقةٍ مختلفة." قالت زينب. "ربما يتعلق الأمر بالظلال، أو بزاويةٍ معينة."
قرروا أن ينتظروا حتى تغرب الشمس، علّ الظلال تكشف لهم عن المدخل. وبينما كانوا ينتظرون، استغلوا الفرصة لدراسة النقوش التي كانت لا تزال ظاهرةً على بعض الحجارة. كانت هذه النقوش تشبه الرموز التي رأوها على شجرة السدرة، ولكنها كانت أكثر وضوحاً.
"هذه تشبه خرائط سماوية." قال يوسف، وهو يتأمل أحد النقوش. "يبدو أنها تشير إلى مواقع نجومٍ معينة."
"وهذه تشبه رموزاً للوقت." قالت زينب، وهي تشير إلى نقشٍ آخر. "ربما تشير إلى أوقاتٍ محددةٍ من العام."
عندما بدأت الشمس تغرب، بدأت الظلال تتشكل. كان ظل رأس البناء الحجري يسقط على جزءٍ معينٍ من الأرض.
"انظري!" صاحت زينب. "الظل! إنه يشير إلى مكانٍ معين!"
كان ظل البناء الحجري يقع على قطعةٍ مستويةٍ من الأرض، تبدو وكأنها أرضيةٌ قديمة. وعندما تعمق الظل، بدا وكأنه يحدد حدوداً معينة.
"هذا هو المدخل!" قال يوسف، وشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. "علينا أن نحفر هنا!"
بدأ الاثنان بالحفر بأيديهما، ثم استخدما أدواتهما. كانت الرمال تتراكم، ولكنهم لم يتوقفوا. بعد بعض الجهد، اصطدمت أدواتهما بشيءٍ صلب.
"حجر!" قال يوسف، وهو يزيل الرمال. "إنه بابٌ حجريٌ كبير!"
كان باباً حجرياً ثقيلاً، يبدو أنه قد بقي مغلقاً لآلاف السنين. حاولوا دفعه، ولكن لم يتحرك.
"إنه ثقيلٌ جداً." قال يوسف، وهو يلهث. "لا يمكننا فتحه بالقوة."
"ربما هناك آليةٌ لفتحه." قالت زينب. "ربما يتعلق الأمر بالنقوش التي رأيناها."
بدأوا يدرسون النقوش مرةً أخرى، يحاولون ربطها بالرموز الموجودة على القطعة المعدنية. كانت هناك رموزٌ تشبه الدوائر، ورموزٌ تشبه النجوم.
"إذا كانت النجمة تشير إلى اتجاه،" قالت زينب، "فربما الدوائر تشير إلى ترتيبٍ معين. ربما علينا أن نضغط على بعض الحجارة بترتيبٍ معين."
بدأوا بتجربة فرضياتهم. ضغطوا على بعض الحجارة، ولكن لم يحدث شيء. كان الإحباط يبدأ بالظهور.
"مهلاً." قال يوسف، وهو يتأمل القطعة المعدنية. "هناك شيءٌ ناقص. "النقطة" في القطعة المعدنية، "الرأس المقلوب" للبناء، والنجمة في السماء. كل هذه الأمور يجب أن تتوافق."
"ربما نحتاج إلى شيءٍ ما لربط هذه الأمور ببعضها البعض." قالت زينب. "ربما هذا البناء ليس مجرد مدخل، بل هو جهازٌ فلكيٌ قديم."
في تلك اللحظة، نظر يوسف إلى السماء، حيث بدأت النجوم تظهر بوضوح. نظر إلى النجمة التي كانوا قد حددوها.
"ربما نحتاج إلى زاويةٍ معينة." قال. "ربما يجب أن يتطابق شيءٌ ما مع النجمة في هذا الوقت تحديداً."
بدأوا بتجربة زوايا مختلفة، يحاولون أن يجدوا تطابقاً بين ما يرونه في السماء، وبين النقوش الموجودة. كانت السماء صافيةً تماماً، والنجوم تتلألأ.
فجأة، لاحظ يوسف شيئاً. كان هناك نقشٌ صغيرٌ على جانب الباب الحجري، لا يمكن رؤيته إلا من زاويةٍ معينة. كان يشبه رمز النجمة، ولكنه كان صغيراً جداً.
"هنا!" صاح. "هذا هو المفتاح!"
اكتشفوا أن هناك حجراً صغيراً في الباب، يمكن دفعه إلى الداخل. وعندما دفعوه، سمعوا صوتاً خافتاً، صوت احتكاكٍ معدني.
"لقد تحرك!" قالت زينب، بسعادةٍ بالغة.
بدأ الاثنان بدفع الباب الحجري معاً. كان ثقيلاً، ولكنه بدأ يتحرك ببطء. انفتح الباب، ليكشف عن ممرٍ مظلمٍ ينزل إلى الأسفل.
"لقد فعلناها!" قال يوسف، وقد علت وجهه ابتسامةٌ عريضة. "لقد وجدنا المدخل."
نظروا إلى بعضهم البعض، عيونهم تلمع بالإنجاز. لقد كشفوا عن سرٍ آخر، وكانوا على وشك الغوص في أعماق المجهول. كان الظلام يلف الممر، ولكنه لم يكن يخيفهم. كان يحمل وعداً بالاكتشاف، والحكمة، وربما الكنز الذي طالما بحثوا عنه.