صائدو الكنوز في قفار العرب
سراب المدينة المفقودة
بقلم عمر الشريف
تتابعت الأيام، وكل يوم كان يحمل معه تحديات جديدة، ومعارك صامتة مع قسوة الصحراء. كانت القافلة قد وصلت إلى منطقة وعرة، تحفها جبال شاهقة بدت وكأنها حراس صامتون لسر دفين. الهواء هنا كان أثقل، محملاً بروائح غريبة، مزيج من الأعشاب البرية الجافة والمياه المتخفية في عمق الأرض. قادهم فهد، الملاح الذي لا يخطئ، نحو ممر ضيق بين الصخور، يبدو كأنه فم وحش قديم يفتح على المجهول. كان زيد يشعر بأنهم يقتربون، ذلك الشعور الغامض الذي ينتاب المغامرين حينما يشتمون رائحة الاكتشاف.
كانت خرائط ليلى القديمة، ورموزها المشفرة، هي دليلهم الوحيد. بدأت ليلى تشك في أن "واحة الغموض" ليست مجرد واحة بالمعنى المعتاد، بل قد تكون مدينة قديمة، مدفونة تحت الرمال، استطاعت الصمود عبر العصور بفضل موقعها السري وقدرة أهلها على إخفائها. كانت تشير إلى نقش وجدوه على صخرة ضخمة، نقش يمثل دائرة تتوسطها نجمة، وهو نفس الرمز الذي كان متكررًا في مخطوطاتها. "هذا هو المفتاح، زيد. جدّي كتب في مذكراته أن هذا الرمز يمثل 'قلب المدينة'، الدخول إليها يتم عبر 'بوابة النجوم'."
توقفوا عند مدخل الممر. كان الصمت مطبقًا، لا صوت سوى حفيف الرياح بين الصخور. بدأ سالم ورجاله يتفقدون المكان بحذر، مستعدين لأي كمين. بينما كان زيد وليلى يدرسان الصخور المحيطة. فجأة، صرخ أحد الحراس. "انظروا!"
كانت هناك سلسلة من الأحجار المنحوتة بدقة، تشكل درجًا قديمًا يتجه نحو الأعلى، مخفيًا جزئيًا تحت طبقة من التراب والغبار. كانت هذه الأحجار تحمل نفس الرموز، بنفس الدقة والنظام. "هذه هي البوابة،" قالت ليلى بصوت متهدج. "بوابة النجوم."
بدأوا بصعود الدرج بحذر. كل خطوة كانت تزيد من التوتر. بعد صعود دام ما يقرب من ساعة، وصلوا إلى قمة الممر. انفتحت أمامهم رؤية لا تصدق. كانت منطقة منبسطة، لكنها لم تكن صحراء جرداء. كانت هناك أشجار نخيل غريبة، أوراقها فضية اللون، تنمو بكثافة حول بحيرة مياه صافية، كأنها جوهرة ساطعة في قلب الرمال. وعلى مسافة، بدأت تلوح في الأفق أشكال معمارية غريبة، مبانٍ حجرية قديمة، متراصة بنظام، تشبه إلى حد بعيد المدينة التي وصفها جدها في المخطوطات.
"إنها حقيقية،" تمتم زيد، وعيناه تتسعان دهشة. "المدينة المفقودة."
لم تكن المدينة مهجورة تمامًا. كانت هناك علامات على وجود حياة، دخان يتصاعد من بعض المباني، وحركة خفيفة في الأرجاء. كان الأمر أشبه باكتشاف حضارة تعيش في عزلة تامة، بعيدة عن عالم البشر. شعروا بالرهبة، ممزوجة بالفضول. كيف استطاع هؤلاء الناس العيش هنا كل هذه القرون؟ وما هي طبيعة هذا المكان؟
اقتربوا بحذر، متسلحين بحذرهم المعتاد. شعر سالم بالقلق. "يا سيدي، لا أظن أنهم سيكونون ودودين. قد يكونون يروننا كغرباء، كتهديد."
"علينا أن نحاول التواصل، سالم،" أجاب زيد بهدوء. "نحن لم نأتِ لنعتدي، بل لنبحث عن المعرفة. ليلى، هل لديك أي فكرة عن لغتهم أو عاداتهم؟"
أخرجت ليلى مخطوطة أخرى، كانت تبدو أقدم من غيرها، صفحة واحدة صفراء، مكتوبة بلغة لم تفهمها تمامًا، لكنها حملت صورًا ورسومات. "هناك بعض الصور التي تشبه ما نراه. يبدو أنهم يعتمدون على الشمس والقمر في تقويمهم، ولهم طقوس خاصة تتعلق بالمياه والأشجار الفضية."
في تلك اللحظة، خرج من بين المباني عدد من الأشخاص. لم يكونوا كالناس العاديين. كانوا يرتدون ملابس فضفاضة، مصنوعة من قماش يبدو غريبًا، وعلى جباههم علامات زرقاء متوهجة. كانت وجوههم هادئة، لكن نظراتهم كانت تحمل عمقًا غريبًا، وكأنها تراقب ما وراء الزمان. تقدم منهم رجل كبير في السن، ذو لحية بيضاء طويلة، وعينين لامعتين. وقف أمامهم، رافعًا يده اليمنى.
"من أنتم؟ وماذا تبحثون عنه في أرض الأجداد؟" سأل بصوت عميق، بلغة لم تكن عربية تمامًا، لكنها كانت مفهومة بشكل غريب، كأنها لغة أصلية تغلغلت في ذاكرة زيد وليلى.
كانت لحظة الحقيقة. لقد وصلوا إلى قلب الأسطورة، ولكن السؤال الأهم كان: هل سيجدون الكنز الذي يبحثون عنه، أم سيجدون أنفسهم أسرى لأسرار هذه المدينة العتيقة؟