صائدو الكنوز في قفار العرب
لُغزُ النقوشِ الصخرية
بقلم عمر الشريف
معَ بزوغِ أولِ خيوطِ الفجرِ، استيقظتْ القافلةُ على صوتِ الريحِ وهيَ تترنمُ بألحانٍ غريبةٍ تختلفُ عنْ أصواتِها المعتادة. بدتْ وكأنها تحملُ أنينًا عميقًا، أو ربما همساتٍ منْ ماضٍ سحيق. كانتْ الشمسُ ترسلُ أشعتها الأولى، لتضيءَ منطقةً صخريةً وعرةً تبرزُ منْ وسطِ الرمالِ الذهبية، كأنها أشباحٌ صامتةٌ منْ عصرٍ قديم. كانَ عمرُ يحدقُ بتلكَ الصخورِ المنحوتة، وقدْ شعرَ بقشعريرةٍ تسري في جسده. كانتْ على سطوحِها نقوشٌ غريبة، أشكالٌ هندسيةٌ متشابكةٌ معَ صورٍ لحيواناتٍ واسطوريةٍ ورموزٍ لم يرَ مثلها منْ قبل.
"هنا! أعتقدُ أنّ هنا يكمنُ جزءٌ منْ الحلّ!" صاحَ عمرُ بحماسٍ، وهوَ يشيرُ إلى النقوشِ على صخرةٍ ضخمةٍ تشبهُ رأسَ الأفعى، تمامًا كما وصفتْ ليلى. كانتْ ليلى قدْ نزلتْ عنْ ناقتها، وتوجهتْ نحو الصخرة، تلمسُ النقوشَ بأصابعها الرقيقة، وعيناها تلمعانِ بتركيزٍ عميق. كانتْ تشعرُ بطاقةٍ غريبةٍ تنبعثُ منْ هذهِ الصخور، طاقةٌ قديمةٌ تحملُ عبقَ التاريخِ وأسرارَ الحضاراتِ المندثرة.
"هذهِ النقوشُ ليستْ مجردَ رسومات، يا عمر،" قالتْ ليلى بصوتٍ خفيض، وهيَ تديرُ وجهها إليهِ، "إنها لغة. لغةُ قومٍ عاشوا هنا منذُ آلافِ السنين، قومٌ تركوا وراءهمْ حضارةً عظيمة، ثمَّ اختفوا في غياهبِ الزمن. انظرْ إلى هذهِ الرموز، إنها تشبهُ إلى حدٍ كبيرٍ ما رأيتهُ في المخطوطاتِ القديمةِ التي تحدثتْ عنْ 'حراسِ الذهب' و'أبناءِ النجوم'."
بدأَ عمرُ وليلى في فكِّ رموزِ هذهِ النقوشِ بدقةٍ متناهية. كانَ سالم، الرجلُ المسنُّ، يقفُ قريبًا، يراقبُهما بصمت، ويبدو عليهِ القلقُ والترقب. كانَ خالدٌ يتجولُ حولَ المنطقة، يتفحصُ التضاريسَ بحذر، ويستطلعُ أيَّ علاماتٍ قدْ تدلُ على وجودِ خطرٍ قريب. كانتْ القافلةُ كلها تشعرُ بأنّهمْ على وشكِ اكتشافِ شيءٍ عظيم، شيءٌ قدْ يغيرُ مجرى التاريخ.
بعدَ ساعاتٍ منَ البحثِ والتدقيق، تمكنتْ ليلى منْ فكِّ جزءٍ كبيرٍ منْ الرموز. "لقدْ وجدتُها!" صاحتْ بفرح، "هذهِ النقوشُ تتحدثُ عنْ 'بوابةِ الشمس'. إنها تشيرُ إلى مكانٍ لا يمكنُ الوصولُ إليهِ إلا في وقتٍ معينٍ منْ السنة، عندما تتطابقُ أشعةُ الشمسِ معَ نقطةٍ محددةٍ في هذهِ المنطقة. يبدو أنّ هذا المكانَ هوَ المدخلُ إلى وادٍ سري، الوادي الذي نبحثُ عنهُ."
أشارتْ ليلى إلى نقشٍ معينٍ على الصخرة، كانَ يمثلُ دائرةً كبيرةً يتوسطها شكلٌ يشبهُ الشمس، وتخرجُ منها خطوطٌ رفيعةٌ تتجهُ نحو نقطةٍ معينةٍ في الوادي. "هذهِ النقطة،" قالتْ وهيَ تشيرُ بإصبعها، "هيَ المكانُ الذي يجبُ أنْ نكونَ فيهِ عندَ الظهيرة."
كانَ عمرُ يشعرُ بأنّ الأدرينالينَ يتدفقُ في عروقه. كانتْ كلماتُ ليلى كأنها مفاتيحُ تفتحُ أبوابًا مغلقة. لقدْ اقتربوا كثيرًا، لكنّ الطريقَ لم يكنْ سهلًا. كانتْ المنطقةُ مليئةً بالأحجارِ المتناثرةِ والكهوفِ الصغيرة، وكانتْ هناكَ أصواتٌ غريبةٌ تأتي منْ عمقِ الأرض، أصواتٌ تشبهُ هديرَ مياهٍ جوفيةٍ عميقة.
"علينا أنْ نكونَ حذرين. هذهِ المنطقةُ قدْ تكونُ غيرُ مستقرة،" قالَ عمرُ، وهوَ يمسكُ بيدهِ سيفًا قديمًا ورثهُ عنْ جدّه. "سالم، خالد، ابقيا في الخلفِ وقوما بحمايتنا. ليلى، تعالي معي."
بدأَ عمرُ وليلى في السيرِ نحو النقطةِ التي أشارتْ إليها ليلى، بينما كانَ بقيةُ أفرادِ القافلةِ يراقبونهمْ بقلقٍ وترقب. كانتْ أشعةُ الشمسِ تشتدُّ، وكلُّ ثانيةٍ تمرُّ كانتْ تزيدُ منْ حدةِ الترقب. لقدْ كانوا على وشكِ مواجهةِ تحدٍ جديد، تحدٍ قدْ يكشفُ لهمْ المزيدَ منْ أسرارِ الصحراءِ العريقة. كانتْ رمالُ الصحراءِ تحتَ أقدامهمْ تئنُّ تحتَ وطأةِ الشمسِ الحارقة، وكأنها تشهدُ على لحظةٍ تاريخية.