همس الرمال القديمة

ظلال الماضي على واحة الغد

بقلم زيد العبدالله

تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى لتلامس قمم نخيل واحة "سدرة الأمل"، ناشرةً دفئاً خجولاً على حبات الرمال التي احتفظت ببرودتها الليلية. كان الهواء لا يزال يحمل بقايا عبير الياسمين المتفتّح، ممزوجاً بمسحة من رائحة التراب الندي. في ذلك الصباح، استيقظت "ليلى" قبل أن تستيقظ الواحة كلها، وقلبها مثقلٌ بثقلٍ لم تعرفه من قبل. لم تكن مجرد ذكرياتٍ تعود إليها، بل كانت حقائق تتكشف، حقائق ترسم ملامح مصيرها بطريقة لم تكن تتخيلها قط. جلست على حافة البئر القديمة، تلك التي كانت جدتها "أمينة" تحدثها عن أسرارها، وأصابعها ترسم دوائر وهمية على الحجر الأملس. كيف يمكن لرجلٍ واحدٍ أن يكون مفتاحاً لكل هذا؟ "مالك"، الاسم الذي كان مرادفاً للقوة والهيبة في قصص جدتها، والآن أصبح مرتبطاً بخيانةٍ موجعةٍ وشكٍ قاتل. كانت صورة جده، "سالم"، تلوح في ذهنها بوضوحٍ نادر، وجهه الصبور وعيناه الحنونتان، وكيف كان يتحدث عن "مالك" كأخٍ وصديقٍ وفيّ. ولكن ما علمته بالأمس، كان يقلب تلك الصورة رأساً على عقب.

لم يكن الأمر متعلقاً بالحب فقط، بل كان يتعلق بتاريخٍ مدفون، وبأسرارٍ عائليةٍ متشعبةٍ تمتد جذورها عميقاً في أرض هذه الواحة. كانت "ليلى" تشعر بأنها تقف على حافة هاوية، وأن كل خطوةٍ تخطوها قد تقودها إلى المجهول. هل كانت "أمينة" على حقٍ حينما حاولت إخفاء تلك الرسائل؟ هل كان فعلها هذا لحمايتها، أم لحماية سمعة العائلة؟ أسئلةٌ تنهش روحها، وتجعل النوم حلماً بعيد المنال. تنهدت بعمق، مستنشقةً هواء الواحة النقي، محاولةً أن تستجمع شتات أفكارها. لقد جاءت إلى هنا بحثاً عن إجابات، ولكن يبدو أن الإجابات كانت أكثر تعقيداً وخطورةً مما توقعت.

صوت "خالد" القادم من خلفها كسر صمت الصباح. "صباح الخير يا ليلى. تبدين وكأنكِ لم تنامي الليلة." التفتت إليه، محاولةً رسم ابتسامةٍ باهتة. "صباح النور يا خالد. نعم، الأفكار كثيرة." ابتسم "خالد" ابتسامةً واسعة، وحاول أن يرفع من معنوياتها. "الأفكار تأتي وتذهب، ولكن هذه الواحة تبقى. تعالي، لقد أحضرت لكِ بعض التمر الطازج، ولابد أن تشربي بعض اللبن." جلس بجانبها، واضعاً يده على كتفها بلطف. كان "خالد" دوماً الملجأ الآمن، والصديق المخلص الذي لا يتغير.

"هل أخبركِ أحدٌ شيئاً؟" سأل "خالد" بصوتٍ هادئ، وعيناه ترصدان رد فعلها. شعرت "ليلى" ببعض الارتباك. كيف يمكن أن يعرف؟ هل كان "مالك" قد تحدث إليه؟ أم أن هناك من راقبها؟ "لم يخبرني أحدٌ بشيءٍ محدد، ولكنني اكتشفت بعض الأمور." تردد صوتها قليلاً. "أمورٌ تتعلق بجدي، وبـ... بـ مالك."

تغير تعبير وجه "خالد" قليلاً، ولكن سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "مالك؟ ماذا اكتشفتِ عنه؟" كان سؤاله يحمل نبرةً تحمل مزيجاً من الفضول والقلق. "لقد وجدتُ بعض الرسائل القديمة. رسائلٌ بين جدي وجدتكِ... ورسائلٌ أخرى لـ مالك." نظرت إلى "خالد" بعمق، محاولةً قراءة ما يدور في عينيه. "يبدو أن هناك قصةٌ أعمق مما كنا نعتقد."

تنهد "خالد" بصوتٍ مسموع. "أعرف أن هذا قد يكون صعباً، ولكنني سأقول لكِ ما أعرفه. جدتي، رحمها الله، كانت دائماً ما تتحدث عن صعوباتٍ واجهتها في بداية حياتها مع جدي. كانت هناك خلافاتٌ حول ملكية الواحة، وحول بعض الديون القديمة. ومالك... كان له دورٌ في كل هذا." صمت قليلاً، وكأنه يجمع كلماته بعناية. "حينما كان جدي صغيراً، كان مالك صديقاً مقرباً جداً لوالده. وبعد وفاة والده، أصبح مالك الوصي على أملاكه، وأيضاً... كان له دورٌ في إقراض جدي مبلغاً كبيراً من المال لمساعدته في بناء هذه الواحة."

"ولكن لماذا لم يذكر جدي ذلك أبداً؟" سألت "ليلى" بدهشة. "الكرامة، يا ليلى. الكرامة والعزة. لم يكن جدي ليقبل أن يُقال إنه مدينٌ لأحدٍ بهذا الشكل، خاصةً إذا كان هناك ثمنٌ يجب دفعه. لقد كان هناك اتفاقٌ سري بين جدي ومالك، اتفاقٌ لم يعرف به أحدٌ سوى هما. لقد وعد جدي مالكاً بشيءٍ في مقابل المال والدعم. ولكن مع مرور الزمن، ومع تزايد ثروة جدي، بدأت الأمور تتغير."

"ما هو هذا الشيء؟" سألت "ليلى" بلهفة، وقلبها يدق بعنف. "الرسائل التي وجدتها... هل تتحدث عن ذلك؟" هزت "ليلى" رأسها. "لا، الرسائل تتحدث عن مشاعر، وعن اتفاقٍ لم يتم، وعن حبٍ ممنوع. ولكنها لا تذكر تفاصيل مالية."

"هذا هو الجزء الصعب،" قال "خالد" وعيناه تتجولان في أرجاء الواحة. "الشيء الذي وعد جدي مالكاً به... كان يتعلق بـ... بعلاقةٍ ما. في البداية، ربما كان الأمر مجرد اتفاقٍ رمزي، أو حتى وعدٌ مبني على صداقةٍ قوية. ولكن مع مرور السنوات، ومع شعور مالك بأن جدي قد خان ثقته، أصبح الأمر أكثر تعقيداً. لقد أصبح مالك يسعى للانتقام، أو ربما لاستعادة ما يعتقد أنه حقه."

"ولكن كيف؟ كيف يمكن له أن يفعل ذلك؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بالدوار. "لقد استغل ضعف جدي، واختلق المشاكل. لقد كان يريد أن يدمر سمعة العائلة، وأن يجبر جدي على دفع الثمن. وحتى... وحتى عندما قرر جدي أن يتزوج جدتكِ، كان مالك يحاول التدخل، لأنه رأى في هذا الزواج تقويضاً لاتفاقهما. لقد كان يريد أن يتزوج هو جدتكِ، أو على الأقل أن يضمن لنفسه نصيباً من هذه الواحة من خلالها."

"يا إلهي!" همست "ليلى" وهي تضع يدها على فمها. "هذا يعني أن كل ما قرأته في الرسائل... عن الحب الممنوع، وعن المعاناة... كان جزءاً من هذا الصراع؟"

"نعم،" أكد "خالد". "لقد كان جدي يحب جدتكِ كثيراً، وكان مستعداً لفعل أي شيءٍ لحمايتها. ولكن مالك كان يضعف موقفه، ويهددها، ويهدد جدي. لقد كان الأمر أشبه بلعبةٍ شطرنجٍ قذرة، حيث كان البشر قطعاً فيها."

"ولماذا لم تكشف جدتي كل هذا؟" سألت "ليلى". "لماذا تركت كل هذا الظلام يتراكم؟"

"ربما لم تستطع،" أجاب "خالد" بهدوء. "ربما كان الثمن غالياً جداً. أو ربما... كانت تأمل أن يزول هذا الظلم مع مرور الوقت. ولكن يبدو أن الظلال لم تزل، وأنها عادت لتلاحقنا." نظر إليها "خالد" بعينين مليئتين بالعاطفة. "أعلم أن هذا كله صعبٌ عليكِ، يا ليلى. ولكنني هنا. وسأساعدكِ في فهم كل شيء، وفي إيجاد طريقٍ للخروج من هذا كله."

شعرت "ليلى" ببعض الراحة لوجود "خالد" إلى جانبها. لقد كان يمنحها القوة التي تحتاجها لمواجهة هذه الحقائق المرة. لكن في أعماقها، كان هناك شعورٌ بالبرد يتسلل. لقد تغيرت نظرتها للماضي، ولأشخاصٍ كانت تكن لهم الاحترام. والآن، كان عليها أن تقرر ما ستفعله بهذه المعرفة. هل ستواجه "مالك"؟ هل ستكشف كل شيء؟ أم ستترك الماضي مدفوناً، وتسمح للظلال بأن تستمر في التسلل إلى حاضرها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%