همس الرمال القديمة

لقاء تحت سماء نجمية

بقلم زيد العبدالله

كانت الصحراء في تلك الليلة تحتضن صمتًا لا يكسره سوى حفيف الرياح الهادئ، وصوت الحشرات الليلية الدقيق. جلست ليلى على كثيب رملي مرتفع، وعيناها تلاحقان خيوط القمر الفضية التي تنسج دروبًا براقة على صفحة الرمال الممتدة. كانت تنتظر. انتظرت طويلًا، وأمضت ساعات في تأمل السماء المرصعة بالنجوم، كل نجمة فيها تبدو وكأنها قصة قديمة تهمس بأسرار لا يعلمها إلا من سبر أغوار الزمن. شعرت ببرودة المساء تتسلل إلى عظامها، لكن دفء الأمل الذي استقر في قلبها كان يكفي لتدفئتها. تذكرت تلك الكلمات التي سمعتها من عتيق، شيخ القبيلة الذي كان يملك حكمة السنين، قال لها ذات يوم: "عندما تتلاقى أرواح أقسمت على الوفاء، تخلق النجوم مسارًا جديدًا للقاء". هل كان عتيق يعني هذا اللقاء؟ هل كان القدر يرسم لها دروبًا وسط هذه الرمال الموحشة، ليجمعها بمن أشعلت في قلبها نار الشوق؟

انحدرت من خلف الكثيب صرة ظل، ثم تبين أنها رجل. تسارعت دقات قلبها، وتسمرت عيناها على تلك الهيئة التي بدت مألوفة بشكل غامض. خطى الرجل بخطوات ثابتة، واقترب رويدًا رويدًا، حتى أصبح وجهه واضحًا تحت ضوء القمر. كان هو. بدر. لم يختلف كثيرًا عما تركته ذاكرتها. لا يزال نفس الشعر الأسود الداكن ينسدل على جبهته، ونفس العيون الواسعة التي تحمل بريقًا شرقيًا عميقًا. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، ابتسامة كانت تحمل في طياتها كل ما لم تستطع الكلمات البوح به.

"ليلى؟" نطق اسمها بصوت خفيض، بدا وكأنه قد تسلل من بين النجوم.

"بدر..." ردت بصوت مختنق، لم تستطع أن تقاوم ارتعاشة خفيفة سرت في جسدها.

تقدم بدر ووقف أمامها، لم يفصل بينهما سوى مسافة قليلة. كان بإمكانه أن يرى لمعان الدموع في عينيها، ولم يكن بمقدوره كبح جماح مشاعره. مد يده ببطء، وكأنه يخشى أن يتبدد هذا الحلم. وضعت ليلى يدها في يده، وشعرت بتيار كهربائي يسري بينهما. كانت يده قوية ودافئة، وكأنها اليد التي طالما بحثت عنها لتستند إليها.

"ظننت أنني لن أراكِ مرة أخرى،" قال بدر، وصوته يخالطته شيء من الأسى. "ظننت أن أقدارنا قد تباعدت إلى الأبد."

"وأنا أيضًا،" أجابت ليلى، وعيناها لا تفارقان عينيه. "لقد مرت أيام وليالٍ ثقال، لم أجد فيها سلوى إلا في ذكراك."

"ذكرياتنا هي الوحيدة التي بقيت تزين هذا الفراغ،" قال بدر، وأصابعه تشد على يدها بلطف. "لكن رؤيتك الآن، وهيئتك الجميلة هذه، تجعلني أؤمن بأن الزمن لم يكن عدوًا لنا، بل ربما كان اختبارًا."

"اختبار؟" سألت ليلى، وارتسمت الدهشة على وجهها. "لقد كان اختبارًا قاسيًا يا بدر. اختبارًا كاد أن يكسرني."

"لم أكن أعلم مدى قسوته عليكِ،" قال بدر، ونبرة الأسف تملأ صوته. "كنت أعاني أيضًا، كل يوم كان يمر عليّ وكأنه دهر. كنت أبحث عنكِ في كل مكان، في كل وجه، في كل نسمة ريح. لكنني لم أجدكِ."

"لقد كنت بعيدة، في مكان لا يصل إليه صوتك،" قالت ليلى، ورفعت يدها الأخرى لتلامس وجهه. شعرت بصلابة لحيته الخفيفة، وبدفء بشرته. "لقد كنت أخاف، أخاف من كل شيء. من أن أكون وحدي، من أن أضيع، من أن أنسى."

"لم تسمحي بالنسيان،" قال بدر، ومد يده الأخرى ليمسك بيدها المرتفعة. "وها نحن هنا. تحت هذه السماء، تشهد علينا النجوم. لم ننسَ شيئًا."

كانت هناك لحظات من الصمت تخللت كلماتهما، لحظات لم تكن صامتة بالمعنى الحرفي، بل كانت مليئة بالكلمات التي لم تُقل، والمشاعر التي فاضت. كانت عيونهما تتبادل أحاديث لا تفهمها إلا القلوب. كان بدر يرى في عيني ليلى كل الألم الذي عانته، وكل الشوق الذي اختزنته. وكانت ليلى ترى في عينيه كل الغياب الذي عاشته، وكل الحب الذي ظل ينبض في أعماقه.

"ما الذي أتى بك إلى هنا؟" سألت ليلى، بعد أن استعادت رباطة جأشها قليلاً.

"لقد عدت،" قال بدر ببساطة. "لم أستطع البقاء بعيدًا. بعد كل ما حدث، شعرت بأن روحي معلقة في هذا المكان. في هذه الأرض. معكِ."

"لكنك تركتني،" قالت ليلى، ولامست جراحها القديمة. "رحلت دون أن تقول شيئًا."

"كان الأمر أكبر مني،" قال بدر، وارتسمت على وجهه علامات الحزن. "كانت هناك قوى تتجاذبني، وكان عليّ أن أختار. اخترت أن أحميكِ، حتى لو كان ذلك يعني أن أبتعد."

"لكنك لم تخبرني،" قالت ليلى، وشعرت بمرارة تعاود الظهور. "كنت أظن أنك تخليت عني."

"هذا كان أصعب قرار اتخذته في حياتي،" قال بدر، ونبرة صوته تعكس عمق الألم. "التخلي عنكِ كان أشبه بانتزاع جزء من روحي. لكنني كنت أرى الخطر يقترب، وكنت أعرف أن بقائي قد يعرضكِ للخطر."

"وما هو هذا الخطر؟" سألت ليلى، متطلعة إلى عينيه.

"كل شيء بدأ يكشف عن نفسه،" قال بدر، وهو يتأمل وجهها. "الأسرار التي دفنتها هذه الرمال، والكنوز التي سعت إليها الأيادي الجشعة. لم أكن أريد أن تكوني جزءًا من هذه اللعبة القذرة."

"لكنني أصبحت كذلك،" قالت ليلى، وشعرت بمسؤولية ثقيلة تلقي بظلالها على قلبها. "لقد اكتشفت بعض هذه الأسرار بنفسي. لقد تورطت."

"أعلم،" قال بدر، وشد على يدها مرة أخرى. "ولذلك عدت. عدت لأكون معكِ. لنواجه هذا معًا."

نظرت ليلى حولها، إلى الصحراء الشاسعة التي تحيط بهما. بدت الآن أقل وحشة، وأكثر سحرًا. كانت النجوم تراقب، والشمس التي ستشرق قريبًا ستشهد على بداية جديدة. لقد عادت الروح إلى جسدها، وعاد الأمل إلى قلبها. كانت هذه الليلة، تحت سماء نجمية، هي ليلة العودة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%