همس الرمال القديمة

أصداء الماضي الخفي

بقلم زيد العبدالله

أشعل بدر نارًا صغيرة، بدأت ألسنتها تتراقص ببهجة على خلفية الظلام الدامس. جلس كلاهما بالقرب منها، يستدفئان بحرارتها، ويتشاركان في صمت مريح بعد طول فراق. كانت شرارات اللهب المتطايرة تبدو وكأنها تعكس الشعلة التي اشتعلت مجددًا بين قلبيهما. لم يكن الكلام ضروريًا في تلك اللحظة، فكل نظرة، وكل لمسة عابرة، كانت تحمل معاني أعمق من أي عبارات. كان بدر يراقب ليلى، وهي تنظر إلى النيران، ويبدو أن عينها كانت ترى فيها صورًا بعيدة، قصصًا لم تروَ بعد.

"كنت أظن أنكِ قد نسيتِ كل شيء،" قال بدر بصوت هادئ، كسر به الصمت. "نسيتِ تلك الأيام التي قضيناها معًا، ونسيتِ الوعد الذي قطعناه."

ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة، ثم نظرت إليه. "كيف لي أن أنسى؟ لقد كانت تلك الأيام هي الأيام الوحيدة التي شعرت فيها بأنني على قيد الحياة حقًا. أما الوعد، فهو راسخ في قلبي كأنه البارحة."

"لكنني غادرت،" قال بدر، ونبرة الأسف تعود لتخيم على صوته. "لقد تركتكِ وحدكِ في مواجهة عالم قاسٍ، عالم لم أكن أرغب في أن تريه."

"لقد رأيتُ ما يكفي،" أجابت ليلى، وعيناها تلمعان بجدية. "وربما كان عليّ أن أرى. ربما كان هذا هو الطريق الذي كان يجب أن أسلكه لأفهم. لفهم كل شيء."

"كل شيء؟" تساءل بدر، وارتسمت على وجهه علامات الاستغراب. "هل تقصدين...؟"

"نعم،" قاطعته ليلى. "ما يتعلق بكنز الأجداد، والرموز الغامضة، والحقيقة التي حاول الكثيرون إخفاءها. لقد بدأت أفهم الآن. كل شيء له علاقة ببعضه البعض."

"كنت أعلم أنكِ ذكية،" قال بدر، ونظرته تحمل مزيجًا من الإعجاب والتقدير. "لكنني لم أكن أتوقع أن تصلِ إلى هذه الدرجة من الفهم بمفردك."

"لم أكن بمفردي تمامًا،" قالت ليلى، وشعرت ببعض التردد. "لقد ساعدني البعض. وقادني القدر إلى بعض الكتابات القديمة، التي كشفت لي الكثير."

"كتابات؟" كرّر بدر. "ما نوع هذه الكتابات؟"

"إنها... إنها سجلات،" قالت ليلى. "سجلات لأشخاص عاشوا هنا منذ زمن بعيد. كانوا يحمون شيئًا ما، شيئًا ذا قيمة عظيمة. ويبدو أن هذا الشيء هو ما يبحث عنه الجميع الآن."

"كنز الأجداد،" قال بدر، وكان صوته أعمق. "لقد عرفت دائمًا أن له قصة أكبر مما يقولون. قصة لم تُروَ كاملة."

"وهي قصة تتعلق بدمنا، يا بدر،" قالت ليلى، ورفعت رأسها لتلتقي بنظرته. "بدمنا نحن. يبدو أننا لسنا مجرد أفراد عاديين، بل حراس لشيء قديم جدًا."

"حراس؟" تردد بدر الكلمة، وهو ينظر إلى يديه، وكأنه يرى فيهما قوة خفية. "لم أدرك أبدًا أن الأمر بهذا العمق."

"ولا أنا،" اعترفت ليلى. "لقد كنت أبحث عن إجابات تخص ماضي عائلتي، عن سبب الشعور الدائم بأن هناك شيئًا ناقصًا. والآن، يبدو أنني وجدت تلك الإجابات، بل ووجدت مسؤولية أكبر بكثير."

"مسؤولية تقع على عاتقنا معًا،" قال بدر، ومد يده ليلامس يدها. "لقد عدت لأشارككِ هذه المسؤولية. ولنسمح لدمنا، دم الحراس، أن يقودنا."

"لكنك لم تخبرني عن الخطر،" قالت ليلى، متذكرة حديثهما السابق. "لقد غادرت دون أن تشرح لي لماذا."

"لم يكن لدي وقت للشرح،" قال بدر، ونظرته أصبحت أكثر جدية. "لقد رأيتهم. الأشخاص الذين يسعون وراء الكنز. رأيت مدى خطورتهم، ومدى جرأتهم. لم أكن أستطيع أن أبقى لأشاهدكِ تتعرضين للأذى. كان عليّ أن أبتعد، لأكسب بعض الوقت، لأجد طريقة لحمايتكِ من بعيد. لكنني أدركت أن هذا لم يكن كافيًا."

"من هم هؤلاء الأشخاص؟" سألت ليلى، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

"إنهم لا يرحمون،" قال بدر. "ولهم أساليبهم الخاصة في الحصول على ما يريدون. لقد تورطوا في هذا الأمر منذ زمن طويل، وبعضهم لديه تاريخ مع عائلاتنا."

"عائلاتنا؟" كررت ليلى، وارتسمت الدهشة على وجهها. "هل تقصد أن هذا الصراع قديم؟"

"قديم جدًا،" أجاب بدر. "لقد تناقلت الأجيال هذه المطاردة، وهذا الصراع. أجدادنا كانوا حماة، وأجدادهم كانوا كذلك. ويبدو أننا الورثة الوحيدون المتبقين."

"لكن لماذا لم يخبرنا أحد؟" تساءلت ليلى. "لماذا كل هذا الإخفاء؟"

"لأنهم أرادوا حمايتنا،" قال بدر. "ولأنهم ربما كانوا يخشون أن نكون ضعفاء جدًا لمواجهة هذا الثقل. أو ربما كانوا يخشون أن تتحول المعرفة إلى عبء يكسرنا. لكن الظاهر أن الأقدار تلعب لعبتها، وتقودنا إلى حيث يجب أن نكون، بغض النظر عن رغباتنا."

"ربما كان هذا هو السبب الحقيقي لغيابك،" قالت ليلى، وفهمت الآن. "لم تكن تهربًا، بل كنت تحاول أن تحميني."

"نعم،" قال بدر، ونظرته تعكس صدقًا عميقًا. "كنت أحاول أن أبعد الخطر عنكِ. لكنني أدركت أن الابتعاد ليس حماية، بل هو تخلي. والآن، بعد أن رأيت ما يحدث، وبعد أن رأيتكِ، أدركت أننا يجب أن نواجه هذا معًا."

"معًا،" رددت ليلى الكلمة، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. لم تعد تشعر بالوحدة، ولا بالخوف. لقد وجدت شريكًا، ورفيقًا، وحبيبًا.

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت ليلى.

"سنواصل البحث،" قال بدر. "سنجد الكنز، وسنكتشف الحقيقة الكاملة. لكن هذه المرة، سنفعل ذلك كفريق واحد. ولن نسمح لأحد بأن يفرقنا مرة أخرى."

نظر بدر إلى ليلى، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه. "والآن، دعيني أخبركِ كل شيء، كل ما عرفته، وما رأيته، وما اكتشفته خلال غيابي."

بدأ بدر يحكي، وليلى تستمع بانتباه شديد. بدأت أصداء الماضي الخفي تتردد في أذنيهما، وتتشكل في ذهنهما. كانت الصحراء تشهد على بداية فصل جديد، فصل مليء بالمغامرات، والأسرار، وبالحب الذي تحدى الزمان والمكان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%