همس الرمال القديمة

قلب الواحة النبض

بقلم زيد العبدالله

كانت الواحة تتلألأ أمام ليلى ومالك كسراب سحري، يتجسد من العدم في صحراء قاحلة. لم تكن مجرد بقعة خضراء، بل كانت عالماً قائماً بذاته، تنبض بالحياة والألوان. أشجار نخيل باسقة، أغصانها متشابكة كأذرع تعانق السماء، تتدلى منها ثمار بلون الذهب. زهور برية بألوان لم ترها ليلى من قبل، تتفتح في كل زاوية، تفوح منها روائح عطرية ساحرة. جدول ماء صافٍ، يجري بين الصخور الملساء، يعكس ضوء النجوم المتلألئة في سماء الصحراء الصافية. كان كل شيء في هذه الواحة يبدو مثالياً، وكأنه لوحة رسمها فنان إلهي.

"إنها تفوق كل ما قرأت عنه،" همست ليلى، وعيناها تتجولان في هذا المشهد الخلاب. "إنها حقاً جنة في قلب الجحيم."

قال مالك، وهو ينظر حوله بنظرة تقييمية: "الجمال هنا يخبئ قوة. وهذه القوة، يا ليلى، لها حراس."

بينما كانا يتعمقان في الواحة، لاحظت ليلى وجود تماثيل حجرية قديمة، منتشرة في أنحاء متفرقة. كانت التماثيل تصور كائنات غريبة، مزيجاً بين الإنسان والحيوان، تحمل في أيديها أدوات لم تعرفها. كانت هذه التماثيل وكأنها تراقب كل تحركاتهما.

"من صنع هذه؟" سألت ليلى.

"الأقدمون،" أجاب مالك. "لقد استمدوا قوتهم من حجر الصحراء. إنهم يمثلون أرواح الحماة."

توقف مالك فجأة، مشيراً إلى وسط الواحة. "هناك، حيث ينبع الماء. هناك يكمن القلب."

كانت وجهتهما هي بئر عميق، محاطة بصخور سوداء لامعة. وعند حافة البئر، كان هناك مذبح حجري، عليه نقوش تشبه تلك التي رأوها على الصخور الخارجية، لكنها هنا كانت أكثر وضوحاً وتفصيلاً. في وسط المذبح، كان هناك تجويف صغير، وكأنه ينتظر شيئاً.

"هذا هو المكان،" قال مالك. "هنا، يا ليلى، تكمن جوهرة الصحراء. لكنها ليست مجرد حجر. إنها قلب الواحة النابض. إنها مصدر كل هذه الحياة."

شعرت ليلى بضيق في صدرها. كانت تشعر بأنها على وشك كشف سر عظيم، لكنها كانت تخشى أيضاً ما قد تجده. تذكرت تحذيرات مالك، وتذكرت الظلال التي لاحقتها في الصحراء.

"هل أنت مستعد؟" سأل مالك، ونظرته تخترق عينيها.

أومأت ليلى برأسها. "أنا مستعدة."

بدأت ليلى في قراءة النقوش على المذبح، وكأنها تستدعي أرواح الأقدمين. كانت الكلمات تتشكل في ذهنها، تترجم نفسها بنفسها. كانت تتحدث عن دورة الحياة، عن التضحية، وعن التوازن. ثم، وكأنها استجابة لندائها، بدأت المياه في البئر تتوهج بلون أزرق سماوي.

"إنها تستجيب،" قال مالك. "لكن انتبهي، يا ليلى. القوة هنا ليست مجانية. هناك ثمن يجب دفعه."

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بحضور قوي، وكأن الأرض نفسها تتنفس. ارتفعت سحابة من الرمال حولهما، وشكلت هيئة بشرية عملاقة، عيناها تتوهجان بضوء أحمر. كان هذا أحد حراس الرمال، الذي تحدث عنه مالك.

"من أنتم؟ وماذا تريدون؟" سأل الحارس بصوت مدوٍ، هز الأرض من تحت أقدامهما.

"نحن باحثون عن الحقيقة،" أجابت ليلى بشجاعة، رغم الخوف الذي يعتريها. "جئنا لنفهم، لا لنأخذ."

ضحك الحارس ضحكة مرعبة. "الحقيقة؟ الحقيقة هنا هي القوة. وأنتم لستم الوحيدين الذين يسعون إليها."

وفجأة، ظهرت مجموعة من الرجال من خلف الصخور. كانوا يرتدون ملابس داكنة، وعلى وجوههم قناع من الجشع. كان زعيمهم، رجل ذو لحية بيضاء طويلة وعينين باردتين، يحمل في يده خنجراً قديماً، يبدو أنه مصنوع من نفس الصخور السوداء اللامعة.

"لقد سبقتمونا، أيها المسافرون،" قال زعيمهم بابتسامة ماكرة. "لكن الحجر الكريم سيكون لنا."

اشتبك مالك مع الحارس، بينما حاولت ليلى حماية المذبح من الرجال الآخرين. كان القتال عنيفاً، والرمال تتطاير كأنها بحر هائج. شعرت ليلى بأنها غير قادرة على مواجهة هؤلاء الرجال المسلحين. لكنها تذكرت النقوش، وتذكرت معنى "جوهرة الصحراء".

"إنها ليست مجرد حجر!" صرخت ليلى، وهي تنظر إلى زعيم الرجال. "إنها قلب هذه الواحة! إذا أخذتموها، ستموت الواحة، وستموتون أنتم معها!"

لم يستمع إليها الرجال. تقدم زعيمهم نحو المذبح، رافعاً خنجره. في تلك اللحظة، شعرت ليلى بقوة غريبة تسري في جسدها. لم تكن قوة جسدية، بل قوة داخلية، قوة المعرفة والإيمان. وضعت يديها على المذبح، وأغمضت عينيها.

"أيتها الأرض، أيتها الأرواح، احموا قلبكم!"

ارتفع ضوء أزرق مبهر من المذبح، وانتشر في كل أنحاء الواحة. أصدر الرجال صرخات ألم، وبدأوا يتراجعون، كأنهم يحترقون. حتى الحارس، الذي كان يصارع مالك، بدا وكأنه يتلاشى.

عندما فتحت ليلى عينيها، كان الرجال قد اختفوا، ولم يبق منهم أثر. كان الحارس قد اختفى أيضاً. الواحة عادت إلى سكونها، لكنها كانت مختلفة. كان هناك شعور بالسلام، وبالانتصار.

"لقد فعلتِها، يا ليلى،" قال مالك، وهو يقترب منها، وعلامات الإعجاب في عينيه. "لقد أثبتِ أن القوة الحقيقية ليست في السلب، بل في الحماية."

نظرت ليلى إلى المذبح. في التجويف الصغير، كان هناك حجر صغير، يلمع بضوء دافئ، كأنه قلب ينبض. لم يكن حجراً عادياً، بل كان "جوهرة الصحراء".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%