همس الرمال القديمة
الفصل 2 — طلبٌ في مجلس الحكمة
بقلم زيد العبدالله
الفصل 2 — طلبٌ في مجلس الحكمة
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس الذهبية ترسل أشعتها الدافئة عبر الصحراء، كانت ليلى تستعد لمواجهة أصعب معركة لها: إقناع والدها. كان الشيخ عبد الرحمن يجلس في مجلسه المعتاد، يستقبل الوفود ويستمع إلى شكاوى أبناء القبيلة، وكان وجهه يعكس سنوات من الحكمة والتجارب.
دخلت ليلى بهدوء، تحمل بين يديها بعض المخطوطات القديمة وصندوقًا صغيرًا. "السلام عليكم يا أبي،" قالت بصوت رقيق لكنه مسموع.
"وعليكم السلام يا ابنتي،" أجاب الشيخ عبد الرحمن، وابتسامة دافئة ارتسمت على وجهه. "ماذا تحملين معكِ؟ تبدين متحمسة اليوم."
"أجل يا أبي،" قالت ليلى، وجلست أمامه. "لقد قضيتُ وقتًا طويلاً في البحث، وفي الاستماع إلى قصص جداتنا. وجدتُ شيئًا يعتقد أنه قد يكون مهمًا جدًا لقبيلتنا."
فتحت الصندوق، وأخرجت منه قطعة أثرية صغيرة، عبارة عن قطعة فخار قديمة تحمل نقوشًا غريبة. "هذه قطعة وجدتها بالقرب من منطقة "رأس الجبل"، ويقول عنها بعض المتخصصين إنها تعود لحضارة قديمة جدًا، حضارة ربما كانت تسكن هذه المنطقة قبل مجيء أجدادنا."
نظر الشيخ عبد الرحمن إلى القطعة بتمعن، ثم إلى ليلى. "وماذا يعني ذلك يا ليلى؟"
"يعني يا أبي، أننا ربما نعيش على أرض تحمل أسرارًا عظيمة. وأن هناك ماضيًا يجب أن نعيده إلى النور. لقد سمعتُ عن أسطورة واحة مخفية، ومدينة قديمة، وهذه القطعة قد تكون دليلًا على وجودها."
كان الشيخ عبد الرحمن رجلاً عمليًا، وكان يخشى أن تضيع ابنته في خيالها. "يا ليلى، أنا أفهم شغفك بالماضي، لكن الصحراء قاسية، والبحث عن أوهام قد يعرضك للخطر. ألا يكفيكِ ما لديكِ من معرفة هنا، في كتبنا؟"
"لكن يا أبي،" قالت ليلى بإلحاح، "هذه ليست مجرد أوهام. لقد جمعتُ أدلة. لقد تحدثتُ مع خالد. إنه يعرف أماكن في الصحراء لا يعرفها أحد سواها. لديه خرائط قديمة، وقصص سمعها من قبائل رحالة. إنه مستعد للمغامرة، وأنا مستعدة معه."
كان ذكر خالد هو نقطة الضعف التي اعتمدت عليها ليلى. كان الشيخ عبد الرحمن يثق بخالد، ويعرف أنه شاب شجاع ومخلص. "خالد؟" سأل، وعلامات التفكير بادية على وجهه. "هو شاب طيب، لكنه متهور أحيانًا."
"إنه ليس متهورًا يا أبي، بل هو مغامر. ولديه خبرة كبيرة في الصحراء. وإذا كان هناك خطر، فسيكون هو من يعرف كيف يتجنبه. أرجوك يا أبي، دعنا نذهب. هذه فرصة لا تعوض. تخيل أننا نعثر على شيء يعيد لنا مجد أجدادنا، ويعلمنا الكثير عن تاريخنا."
بدأ الشيخ عبد الرحمن ينظر إلى ليلى بعينين تختلفان. رأى فيها ليس فقط ابنته، بل رأى فيها شغفًا وحكمة. رأى فيها روح المغامرة التي كانت تسري في عروق أجداده. لكن الخوف على سلامتها كان لا يزال يسيطر عليه. "من سيذهب معكم؟" سأل. "هل ستكونان وحدكما؟"
"لا يا أبي،" قالت ليلى. "لقد تحدثتُ مع خالد، وهو مستعد لجمع فريق صغير من الرجال الموثوقين، ممن لديهم خبرة في الصحراء. وسنكون تحت قيادتك، وسنخبرك بكل خطوة نخطوها."
تردد الشيخ عبد الرحمن. كان يعلم أن رفضه سيؤذي ابنته، وأن إصرارها لن يتوقف. لكنه كان يعلم أيضًا أن الصحراء لا تعرف الرحمة. "وهل يعلم خالد بالضبط أين سيذهب؟" سأل، محاولًا أن يجد ثغرة لرفض الطلب.
"لديه فكرة عن المنطقة،" قالت ليلى. "لكن التفاصيل غير واضحة. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نريد الذهاب. للعثور على التفاصيل، ولإثبات وجود هذه المدينة."
نظر الشيخ عبد الرحمن إلى النجوم التي كانت لا تزال تظهر بوضوح في السماء خلال النهار، كأنها تتنافس مع ضوء الشمس. "يا ليلى،" قال أخيرًا، وصوته يحمل خليطًا من القبول والحذر. "أنا لا أحبذ هذه الرحلات. لكنني أرى في عينيكِ إصرارًا لا ينكسر. ويثق بخالد. حسنًا، سأوافق، لكن بشرط واحد."
ابتسمت ليلى، وقلبها ينبض بالأمل. "ما هو الشرط يا أبي؟"
"أن تذهبي أنتِ وخالد، ومعكما اثنان من أفضل رجال القبيلة خبرة في الصحراء. وأن تعودا إليّ بالتقارير كلما أمكن. وأن تتصرفا بحذر شديد، وأن تضعا سلامتكما فوق كل اعتبار. وإذا شعرتما بأي خطر حقيقي، فعليكما العودة فورًا. هل توافقين؟"
"أوافق يا أبي!" قالت ليلى بفرح، وعانقته بقوة. "شكرًا لك. لن تخيب ظنك."
"أتمنى ذلك يا ابنتي،" قال الشيخ عبد الرحمن، وعانقها بحنان. "تذكري دائمًا، أن الصحراء لا تكشف أسرارها إلا لمن يحترمها، ويقدرها. اذهبي مع خالد، ووفقكما الله."
بعد ذلك، ذهبت ليلى لتحدث خالد، الذي كان ينتظر بفارغ الصبر. عندما أخبرها بالموافقة، قفزت فرحًا. "لقد وافق والدي! سنذهب يا خالد! سنبدأ التحضيرات فورًا."
كان خالد سعيدًا جدًا، لكنه كان يعلم أن هذه مجرد البداية. "هذا رائع يا ليلى! سأبدأ في جمع ما نحتاجه، وسأختار الرجال المناسبين. ستكون رحلة لا تُنسى."
تشاركا في رؤية مشرقة للمستقبل، لرؤية المدينة المفقودة، ولإعادة كتابة جزء من تاريخهم. كانت هذه اللحظة، لحظة الحصول على موافقة والدها، بداية حقيقية لمغامرتهما، وخطوة أولى نحو كشف همس الرمال القديمة.