حيث تلتقي الأنهار بالنجوم

الفصل 9 — رحلةٌ نحو نهر الأسرار

بقلم عمر الشريف

الفصل 9 — رحلةٌ نحو نهر الأسرار

بدت السماء فوق واحة السنديان الأخضر وكأنها تكتنز أسرارًا لا تُحصى. بعد أن استمع زكريا إلى تفاصيل ما وجدوه في الكهف، وشهادة ليلى عن النقوش المتغيرة التي تنبئ بالخطر، أدرك أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءاتٍ حاسمة. كانت السفن الفضائية السوداء لا تزال تحوم في الأفق، شبحًا يهدد سلام الواحة.

"علينا أن نرحل فورًا،" قال زكريا بصوتٍ ثابت، رغم القلق الذي كان يرتسم على وجهه. "إذا اكتشفوا أن الحجر هنا، فلن يترددوا في تدمير كل شيء. و'مجمع النجوم' هو أملنا الوحيد الآن."

"ولكن كيف سنجد 'مصب النهر الذي لا يصب في بحر'؟" سأل أحمد. "لقد ذكرت أنه مجرد أسطورة."

"الأساطير تحمل في طياتها حقائق، يا أحمد،" أجاب زكريا. "لقد أمضيت حياتي أدرس هذه الأرض، وأستمع إلى حكايات البدو القدماء. هناك منطقةٌ في قلب الصحراء، يُقال إن نهرًا يتدفق فيها، ثم يختفي فجأةً في تشققاتٍ أرضيةٍ عميقة. لم يصف أحدٌ قط ما يحدث بعد ذلك، ولكن البعض يتحدث عن 'بلوراتٍ لامعة' تتلألأ في أعماق الأرض."

"بلورات لامعة؟" كررت ليلى، وارتسمت في عينيها شرارةٌ من الفضول. "هل يمكن أن تكون هذه البلورات مرتبطةً بـ 'حجر النجوم'؟"

"كل شيءٍ ممكن،" قال زكريا. "بناة الأكوان كانوا بارعين في تسخير طاقة الأرض والنجوم. قد تكون هذه البلورات هي مصدر طاقتهم، أو وسيلةٌ للتواصل مع 'مجمع النجوم'."

"إذن، وجهتنا هي هذه المنطقة؟" سأل يوسف، وقد بدأ الخوف يختفي ليحل محله تصميمٌ جديد.

"نعم،" أجاب زكريا. "ولكن الطريق إليها سيكون صعبًا. إنها منطقةٌ قاحلةٌ جدًا، وتكثر فيها العواصف الرملية الشديدة، وحتى الكائنات التي لا تعرف الرحمة."

"وماذا عن هؤلاء الحراس؟" سأل أحمد، مشيرًا إلى السفن الفضائية. "هل سيتركوننا نذهب؟"

"لا أعتقد ذلك،" قال زكريا. "ولكن يجب أن نكون أسرع منهم. سأعطيكم دليلًا، وسأزودكم ببعض الإمدادات الإضافية. ولكن يجب أن تخفوا أثركم قدر الإمكان."

بدأت الاستعدادات على عجل. قام زكريا بإعداد خريطةٍ دقيقةٍ للطريق، موضحًا عليها المخاطر المحتملة، والمناطق التي يجب تجنبها. زودهم بماءٍ يكفي لعدة أيام، وببعض الطعام المجفف، بالإضافة إلى أعشابٍ نادرةٍ قال إنها تقي من حرارة الشمس الشديدة وتساعد على التركيز.

"تذكروا،" قال زكريا وهو يودعهم عند طرف الواحة، "الثقة ببعضكم البعض هي درعكم الأقوى. لا تدعوا الخوف يتسلل إلى قلوبكم، فالحكمة هي أسلحتكم."

انطلق الأصدقاء الثلاثة، وتركوا خلفهم واحة الأمان، نحو المجهول. كانت الشمس قد بدأت رحلتها في السماء، تلقي بأشعتها الذهبية على الكثبان الرملية التي لا نهاية لها. كانت الرياح تحمل معها همساتٍ غامضة، وكأن الأرض نفسها تحذرهم من الطريق الشاق الذي ينتظرهم.

كانت الأيام الأولى من الرحلة أشبه بكابوسٍ متكرر. الرمال الحارقة، والعطش الشديد، والشعور الدائم بالمراقبة. في إحدى الليالي، وبينما كانوا يستريحون تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم، رأوا شيئًا غريبًا. خطٌ لامعٌ يشق السماء بسرعة، ثم يختفي.

"ما هذا؟" سأل يوسف، وقد رفع رأسه بذعر.

"إنهم يراقبوننا،" قال أحمد بأسى. "لا يريدون أن نصل إلى وجهتنا."

"ولكننا لن نستسلم،" قالت ليلى، وهي تمسك بالحجر المتوهج. "لدينا مهمة، وعلينا أن ننجزها."

كان الحجر المتوهج بمثابة بوصلةٍ لهم. كان ينبض بوهجٍ خافتٍ في اتجاهٍ معين، وكأنه يرشدهم. كانت ليلى تشعر بأن الحجر يتجاوب معها، يمنحها شعورًا بالأمان والقوة.

في اليوم الرابع من رحلتهم، ومع اقترابهم من المنطقة التي وصفها زكريا، بدأت الأرض تتغير. اختفت الكثبان الرملية شيئًا فشيئًا، وحل محلها أرضٌ صخريةٌ قاسية، مليئةٌ بالتشققات والمنحدرات. بدأوا يسمعون صوتًا غريبًا، صوتًا يشبه هدير الماء، ولكنه كان أعمق وأكثر رنينًا.

"إنه قادم،" قال أحمد. "صوت النهر."

اتبعوا الصوت، حتى وصلوا إلى حافة وادٍ سحيق. كانت الرمال قد اختفت تمامًا، ليحل محلها منظرٌ مذهل. نهرٌ واسعٌ يتدفق بقوة، مياهه صافيةٌ ولامعة، ولكنه لا يتجه نحو الأفق، بل يبدو وكأنه يتجه نحو باطن الأرض، ليختفي في شقٍ هائلٍ في الصخور.

"هذا هو 'مصب النهر الذي لا يصب في بحر'!" صاح يوسف بفرح. "لقد وجدناه!"

"ولكن أين هو المدخل؟" سأل أحمد، وهو يتفحص حافة الوادي.

"انظروا!" قالت ليلى، وهي تشير إلى شلالٍ صغيرٍ يتساقط من جانب النهر، ويحمل في طياته بلوراتٍ صغيرةً تتلألأ بضوءٍ خافت. "إنها البلورات التي تحدث عنها زكريا!"

اقتربوا من الشلال، وبدأوا بجمع البلورات. كانت باردةً عند اللمس، ولكنها تحمل طاقةً غريبة. وبينما كانوا يجمعونها، شعروا باهتزازٍ قويٍ في الأرض.

"إنهم قادمون!" صاح أحمد.

لم يكن لديهم وقتٌ للتفكير. رأوا في السماء سفينةً فضائيةً سوداء، تتجه نحوهم بسرعة.

"علينا الاختباء!" قال يوسف.

اندفعوا نحو الشقوق الصخرية، وهم يمسكون بالبلورات. اختبأوا في تجويفٍ صخريٍ قريب، وقلوبهم تدق بعنف. مرت السفينة الفضائية فوقهم، وأطلقت شعاعًا من الضوء، ولكنه لم يصبهم.

"لقد فاتهم الأوان،" قالت ليلى، وهي تنظر إلى البلورات في يدها. "أعتقد أن هذه البلورات هي المفتاح."

"كيف؟" سأل أحمد.

"ربما يجب أن نضعها بالقرب من النهر، أو في المكان الذي يختفي فيه. ربما تفتح لنا الطريق."

بعد أن تأكدوا من أن السفينة الفضائية قد ابتعدت، خرجوا من مخبئهم. أخذوا البلورات، وتوجهوا نحو حيث يختفي النهر في باطن الأرض. كان الشق واسعًا جدًا، ويبدو عميقًا بلا قرار.

"ماذا نفعل الآن؟" سأل يوسف.

"علينا أن نجرب،" قالت ليلى.

أخذت ليلى البلورات، واقتربت من حافة الشق. وضعت البلورات على حافة الصخور، وبدأت في ترديد بعض الكلمات التي شعرت بأنها خرجت من أعماقها، وكأنها صدىً لمعرفةٍ قديمة.

وفجأة، بدأت البلورات تتوهج بضوءٍ قوي. انبعث الضوء من البلورات، واشتبك مع مياه النهر المتدفقة. بدأت مياه النهر تتصاعد، وتشكل عمودًا لامعًا من الضوء، يتجه نحو السماء.

"يا إلهي!" صاح يوسف. "إنه حقيقي!"

"هذا هو المدخل إلى 'مجمع النجوم'!" قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالإثارة. "ولكن علينا أن نكون سريعين، قبل أن تصل السفينة الفضائية مرةً أخرى."

بدأ عمود الضوء يتشكل، يشبه سلمًا لامعًا. نظر الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم البعض، وقد امتزج الخوف بالإصرار.

"هل أنتم مستعدون؟" سأل أحمد.

"نعم!" أجاب يوسف وليلى بصوتٍ واحد.

بدأوا بتسلق عمود الضوء، متوجهين نحو المجهول، نحو "مجمع النجوم"، حيث تلتقي الأنهار بالنجوم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%