رياح الصحراء الذهبية

الفصل 19 — ترحيبٌ يُخفي ألمًا

بقلم محمد الفاروق

الفصل 19 — ترحيبٌ يُخفي ألمًا

سارت قافلة بني عمار ببطء نحو أراضي قبيلة قيس، حاملةً معها بذور الصلح، وأملًا في مستقبلٍ يسوده الود. في مقدمة القافلة، سار الشيخ مبارك، وقد ارتسم على وجهه مزيجٌ من الجدية والتفاؤل. بجانبه، كانت نورة تجلس على بعيرها، محاطةٌ ببعض النساء من قبيلتها. كانت ترتدي أجمل ما لديها من ملابس، ولكن عينيها كانتا تحملان حزنًا عميقًا، كأنهما بحرٌ هائجٌ يخفي أعماقًا من الألم.

بينما كانت نورة تنظر إلى الصحراء التي اعتادت عليها، والتي بدأت تتلاشى خلفها، شعرت بقلبها يعتصر. كانت تتذكر كل لحظة قضتها في هذه الأرض، كل ضحكة، كل دمعة، وكل ذكرى جميلة. كانت تتذكر سلطان، الذي كان كل حياتها. الآن، هي ذاهبة إلى حياة جديدة، مع رجلٍ لم تختره، لتترك وراءها كل ما تحب.

وصلت القافلة إلى قبيلة بني عمار، وكان الاستقبال حافلًا. رحب الشيخ مبارك بنورة أجمل ترحيب، وأظهر لها كرم الضيافة الذي يليق بامرأةٍ تحمل اسم قبيلته. ولكن في خيمتها الجديدة، شعرت نورة بالوحدة. كانت محاطةً بالاهتمام، ولكن قلبها كان يبحث عن شيءٍ لم تجده.

في أحد الأيام، بينما كانت نورة تجلس وحدها تتأمل في سماء الصحراء، جاءت إليها ليلى، ابنة الشيخ مبارك. كانت ليلى فتاةً رقيقةً، وذات قلبٍ طيب. عندما رأت نورة، ابتسمت لها بحنان.

"أهلاً بكِ يا نورة،" قالت ليلى، "أتمنى أن تكوني سعيدةً في بيتك الجديد."

نظرت نورة إلى ليلى، وشعرت بشيءٍ من الارتياح. "شكرًا لكِ يا ليلى. أنتِ كريمةٌ جدًا."

"أنا فقط أفعل ما يجب عليّ فعله،" قالت ليلى، وجلست بجانب نورة. "والدي يحبكِ كثيرًا، ويريد لكِ السعادة. وأنا أيضًا. أرى في عينيكِ بعض الحزن، هل هناك شيءٌ يزعجكِ؟"

ترددت نورة قليلًا، ولكنها شعرت بأنها تستطيع أن تثق بليلى. "الحياة في الصحراء مختلفةٌ يا ليلى. لقد تركتُ كل ما أعرفه، وكل من أحببتهم. أشعر بالحنين إلى وطني، وإلى أهلي."

"أتفهم ذلك تمامًا،" قالت ليلى، وقد بدت عيناها مليئتين بالتعاطف. "ولكنكِ الآن جزءٌ من عائلتنا. ونحن سنحبكِ كأختٍ لنا. لا تقلقي، مع الوقت، ستعتادين على حياتكِ الجديدة، وستجدين فيها ما يسعدكِ."

"آمل ذلك،" قالت نورة، وشعرت بأن دموعها بدأت تتساقط. "ولكن… هناك شيءٌ آخر."

"ما هو؟" سألت ليلى بلهفة.

"أنا… أنا أحب رجلًا آخر،" قالت نورة بصوتٍ بالكاد يُسمع. "قبل أن أتزوج والده. لقد كان حبًا كبيرًا، ولا أستطيع أن أنساه."

اتسعت عينا ليلى، وشعرت بالصدمة. لم تتوقع أبدًا أن تقول نورة ذلك.

"ولكن… ولكن،" تلعثمت ليلى، "هل تحدثتِ مع والدي؟"

"لا،" قالت نورة. "كيف يمكنني أن أفعل ذلك؟ إنه رجلٌ شريفٌ، وأنا لا أريد أن أسبب له أي إحراج."

"يا نورة،" قالت ليلى بجدية، "هذا أمرٌ خطير. يجب أن تتحدثي مع والدي. لا يمكنكِ أن تعيشي حياتكِ كلها في حزنٍ وألم. ربما… ربما يمكننا إيجاد حلٍ. ربما يمكن لوالدي أن يساعدكِ."

"وكيف؟" سألت نورة بيأس. "هل يمكنه أن يعيد لي حبيبي؟"

"لا،" قالت ليلى. "ولكن ربما يمكنه أن يساعدكِ في إيجاد طريقةٍ للتعايش. ربما يمكنه أن يسمح لكِ بإرسال رسالةٍ إليه. أو ربما… ربما يمكنه أن يتحدث معه، ليطمئن قلبه."

تنهدت نورة، وشعرت بأنها بدأت تفقد الأمل. "لا أعرف يا ليلى. يبدو كل شيءٍ مستحيلًا."

"لا يوجد شيءٌ مستحيلٌ يا نورة،" قالت ليلى بحزم. "سنواجه هذا معًا. أنا معكِ. والدي أيضًا سيساعدكِ. فقط كوني قويةً، وثقي بالله."

في هذه الأثناء، في قبيلة قيس، كان سلطان يعيش أيامًا صعبة. كان قد علم بزواج نورة، وشعر بأن قلبه قد تحطم. كان يراها في أحلامه، ويشعر بألمٍ لا يوصف.

"لماذا يا نورة؟" كان يسأل نفسه مرارًا وتكرارًا. "لماذا اخترتِ هذا الطريق؟"

في أحد الأيام، جاء إليه فهد. رأى في عينيه الحزن والألم.

"سلطان،" قال فهد، "أعلم أنك تعاني. ولكن يجب أن تتفهم. إنها مصلحة القبيلة."

"مصلحة القبيلة؟" قال سلطان بسخرية. "وهل مصلحة القبيلة هي أن تقتلوا قلوبنا؟"

"لا،" قال فهد بحزن. "ولكن في بعض الأحيان، يجب أن نضحي بما نحب، من أجل أن يعيش الآخرون. نورة ضحت بكل شيءٍ من أجلنا."

"وهل أنا لم أضحي؟" قال سلطان، وقد علا صوته. "لقد فقدتُ كل شيءٍ في هذه الحياة. فقدتُ نورة."

"أعلم،" قال فهد، وقد شعر بآلام صديقه. "ولكن يجب أن تكون قويًا. يجب أن تتقبل الأمر، وأن تعيش حياتك. ربما… ربما ستجد السعادة في مكانٍ آخر."

"السعادة؟" قال سلطان بمرارة. "كيف يمكنني أن أجد السعادة، وقد تركتُ حبيبتي في أرضٍ بعيدة؟"

"عليك أن تحاول،" قال فهد. "من أجل نفسك، ومن أجل نورة. إنها لا تريد أن تراك تعيسًا. ثق بي."

شعر سلطان بشيءٍ من القوة يتسلل إلى قلبه. لقد كان فهد صادقًا. ربما كان عليه أن يحاول أن يتجاوز ألمه، وأن يبدأ من جديد.

"سأحاول يا فهد،" قال سلطان بصوتٍ متعب. "ولكن الأمر لن يكون سهلًا."

"لا شيءٌ سهلٌ يا سلطان،" قال فهد. "ولكنه ممكنٌ. نحن معًا."

عادت نورة إلى خيمتها، وشعرت بأنها بدأت تجد بعض الأمل. لقد تحدثت مع ليلى، وشعرت بأنها ليست وحدها. ربما… ربما يمكنها حقًا أن تجد طريقةً للتعايش. ربما يمكنها أن تجد السعادة في حياتها الجديدة. ولكن في أعماق قلبها، ظلت آهةٌ خفية، تتمنى أن يكون القدر قد رحيمًا بها أكثر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%