الفصل 12 / 17

لؤلؤة الزمان

الفصل 12 — همسات الماضي في سوق المدينة

بقلم يوسف الأمين

الفصل 12 — همسات الماضي في سوق المدينة

قررت الأميرة ليلى أن تخرج من قصرها، وأن تتغلغل في قلب مدينة بغداد الصاخبة. لم تكن مجرد رحلة استكشافية، بل كانت مهمة سرية، تحمل في طياتها أملًا في العثور على خيوط تقودها إلى ماضيها الغامض. ارتدت ليلى ملابس بسيطة، عباءة فضفاضة تغطي شعرها، ونقابًا يخفي معظم وجهها، أما خادمتها الأمينة هند، فقد ارتدت ملابس مشابهة، وتظاهرت بأنها تاجرة عادية.

توجهتا نحو سوق المدينة الكبير، المكان الذي يعج بالحياة، حيث يلتقي الناس من كل حدب وصوب، حيث تنتشر الأقاويل وتتطاير الأخبار كالغبار في الهواء. كانت ليلى تشعر بأن قلبها يرتجف من مزيج من الإثارة والخوف. كانت هذه هي المرة الأولى التي تخرج فيها بهذه الطريقة، بعيدًا عن حماية القصر وجدرانه.

"تذكري يا هند، مهمتنا هي الاستماع، والمراقبة، والسؤال بحذر شديد." همست ليلى لهند وهما تتخفيان بين حشود الناس. "حاضر يا مولاي، سأكون عينيك وأذنيك." أجابت هند بصوت مطمئن.

تجولتا بين أكشاك الباعة المتراصة، حيث يعرضون بضائعهم المتنوعة: التوابل العطرة، الأقمشة الحريرية الملونة، المصنوعات الجلدية، والحلي الفضية. كانت أصوات الباعة تتنافس لجذب انتباه الزبائن، ورائحة الطعام الشهي تفوح من كل زاوية.

بدأت ليلى بالاقتراب من كبار السن، الذين يجلسون غالبًا في زوايا السوق، يتبادلون الأحاديث ويراقبون حركة الناس. كان أملها أن يصادف أحدهم ذكرى لتلك الليلة، أو للفتى الذي ترك أثرًا في قلبها. اقتربت من شيخ جالس تحت مظلة قماشية، يبيع الأعشاب الطبية. كان وجهه محفورًا بتجاعيد الزمن، وعيناه تحملان حكمة السنين. "السلام عليكم أيها الشيخ الجليل،" قالت ليلى بصوت لطيف. "وعليكم السلام يا ابنتي، هل تبحثين عن شيء معين؟" أجاب الشيخ بصوت رتيب. "نعم، أبحث عن قصة سمعتها في صغري، عن شاب غامض، كان يجوب الصحراء، ويقال إنه يحمل علامة مميزة على يده." قالت ليلى، وهي تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان. رفع الشيخ حاجبيه، ونظر إليها بتفحص. "شاب غامض؟ علامة مميزة؟ في الصحراء؟" كرر الكلمات بصوت مرتفع قليلًا. "نعم، علامة تشبه الهلال والنجمة." أضافت ليلى، وهي تتذكر الرمز. صمت الشيخ لبرهة، وكأنما يسترجع ذكرى بعيدة. ثم قال: "هناك قصص كثيرة عن رجال الصحراء، يا ابنتي. الكثير منهم يحملون علامات ورموزًا. ولكن، الهلال والنجمة... سمعت عنها مرة، لكنها قصة قديمة جدًا، قصة من زمن بعيد." "هل تتذكر أي تفاصيل عن هذه القصة؟" سألت ليلى، وقلبها ينبض بالأمل. "لا أتذكر الكثير، فالسنوات تمحو الذكريات. ولكن، أظن أن هذه العلامة كانت تخص قبيلة تعيش في أقصى الصحراء، قبيلة كانت تؤمن بالنجوم والأقدار. قيل إنهم كانوا من سلالة قديمة، يحملون أسرارًا." أجاب الشيخ، وعيناه تنظران إلى الأفق.

واصلت ليلى وهند جولتهما في السوق. استمعتا إلى أحاديث الرعاة، وإلى قصص التجار المسافرين، وإلى همسات الدراويش. كل كلمة، كل إشارة، كانت تدفع ليلى إلى الأمام، وإن كانت لا تقدم لها إجابات شافية.

في إحدى الزوايا، بالقرب من حلقة لعرض الأراجوز، وجدتا رجلاً عجوزًا، يبدو أنه كان يعمل في الصحراء في شبابه. كان يجلس وحيدًا، ينظر إلى الألعاب التي يلعبها الأطفال. "السلام عليكم أيها العم،" قالت هند. "وعليكم السلام." أجاب الرجل بصوت متعب. "هل كنت تعمل في الصحراء؟" سألت هند. "نعم، عملت كدليل للقوافل لسنوات طويلة." "هل رأيت يومًا شابًا يحمل علامة الهلال والنجمة على يده؟" سألت ليلى، محاولة أن تجعل صوتها يبدو خاليًا من الشغف. اتسعت عينا الرجل قليلًا، وأجاب: "الهلال والنجمة؟ آه... هذه علامة 'أهل الظل'. سمعت عنهم. كانوا قومًا يعيشون في أماكن نائية، يعتمدون على معرفتهم بالنجوم. يقال إنهم اختفوا منذ زمن بعيد." "أهل الظل؟" كررت ليلى الاسم، وسجلته في ذهنها. "نعم، كانوا يتسمون بالهدوء والغموض. ويقال إنهم كانوا يملكون معرفة عميقة بالطب والأعشاب، وبمسارات الصحراء الخفية." أضاف الرجل، ثم نظر إلى ليلى وقال: "لماذا تسألين عنهم يا ابنتي؟ هذه قصص قديمة، لم يعد لها وجود." "مجرد فضول،" قالت ليلى، وهي تشعر بأن خيوط الحقيقة بدأت تتشابك. "أخبرني المزيد عنهم إن كنت تعرف." "لا أعرف الكثير. كانوا قومًا لا يظهرون كثيرًا، قليل الكلام. ولكن، سمعت أنهم كانوا يحترمون العهود، ويحفظون الأسرار. كان لديهم تقليد خاص، وهو أن يضعوا علامة الهلال والنجمة كرمز للاتحاد بين السماء والأرض، بين العقل والقلب." قال الرجل، وهو يحدق في الفراغ.

شعرت ليلى بأن قلبها بدأ يفسر بعض الغموض. "الاتحاد بين السماء والأرض، بين العقل والقلب." هذه الكلمات رنت في أذنيها. هل كان الفتى الذي قابلته يمثل هذا الاتحاد؟ هل كان يحمل في داخله هذا التوازن؟ واصلت ليلى بحثها، استمعت إلى المزيد من القصص، ولكن لم يكن هناك شيء يربط بشكل مباشر بما حدث لها. ومع ذلك، كانت هذه المعلومات كافية لتغذية أملها. "أهل الظل"، "علامة الأمل"، "اللقاء المستحيل". بدأت كل هذه القطع تتجمع في لوحة غامضة.

مع اقتراب المساء، بدأت حشود السوق تخف. قررت ليلى وهند العودة إلى القصر، وقلوب ليلى مليئة بأفكار متضاربة. لقد حصلت على بعض الخيوط، ولكنها كانت لا تزال بعيدة عن الحقيقة الكاملة. كانت تعرف الآن أن الفتى الذي قابلته لم يكن مجرد عابر سبيل، بل كان ينتمي إلى عالم غامض، عالم قديم يحمل أسرارًا.

عندما عادتا إلى القصر، جلست ليلى في غرفتها، تتأمل الرمز المرسوم على الورقة الصغيرة. تذكرت كلمات الشيخ والرجل العجوز. "أهل الظل"، "الاتحاد بين السماء والأرض". شعرت بأنها تقترب من كشف سر ما، سر يتعلق بليلة واحدة، وبنظرة واحدة، وبوعد صامت. كانت تدرك أن رحلتها قد بدأت للتو. وأن الصحراء، بعاداتها وأسرارها، لا تزال تحتفظ بالكثير مما ستكشفه له. وعميقًا في قلبها، كانت تعلم أنها لن تستسلم حتى تجد الحقيقة، حتى تفهم معنى ذلك اللقاء الذي أصبح كاللؤلؤة الثمينة في زمانها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%