لؤلؤة الزمان
الفصل 13 — أشباح الماضي في بيت الجد
بقلم يوسف الأمين
الفصل 13 — أشباح الماضي في بيت الجد
بعد عودتها من السوق، شعرت الأميرة ليلى بحاجة ماسة إلى التحدث مع شخص تثق به، شخص قد يمتلك مفاتيح الماضي. لم يكن هناك سوى شخص واحد في ذهنها: جدها الأكبر، الأمير حكيم. كان جدها رجلًا حكيمًا، قضى معظم حياته في دراسة التاريخ والأنساب، وكان يحتفظ في بيته بمكتبة ضخمة مليئة بالمخطوطات والوثائق القديمة.
قررت ليلى أن تزوره في اليوم التالي، ولكن هذه المرة، لم تكن ترغب في الذهاب بمفردها. استدعت خادمتها هند، وطلبت منها أن تحضر لها ملابس مناسبة لزيارة جدها. "هند، أريد أن أذهب إلى بيت جدي الأمير حكيم. أحضري لي ملابس محتشمة، تليق بزيارة رجل حكيم." قالت ليلى، وعيناها مليئتان بالعزم. "بالتأكيد يا مولاي، سأجهز كل شيء." أجابت هند.
ارتدت ليلى ثوبًا فضفاضًا بلون أزرق سماوي، وتزينت بحجاب بسيط. شعرت ببعض التوتر، فقد كانت تعلم أن سؤالها عن تلك العلامة الغامضة قد يبدو غريبًا. عندما وصلت إلى بيت جدها، استقبلها الأمير حكيم بابتسامة دافئة. كان البيت هادئًا، تفوح منه رائحة الكتب القديمة والبخور. "أهلاً بك يا ابنتي الغالية، ما الذي أتى بكِ اليوم؟" سأل الأمير حكيم، وهو يحتضنها بحنان. "زيارة يا جدي، وزيارة تتخللها بعض الأسئلة." أجابت ليلى، وهي تشعر بالراحة في حضوره.
جلسا في غرفة مكتبة الأمير حكيم، حيث تحيط بهما آلاف الكتب. بدأت ليلى ببعض الأسئلة العامة عن تاريخ القبائل الصحراوية، وعن العادات والتقاليد القديمة. كان الأمير حكيم يستمع إليها باهتمام، ويجيب على أسئلتها ببراعة. "جدي،" قالت ليلى بعد فترة، وكأنها تجمع شجاعتها، "سمعت قصة في صغري عن قبيلة تعيش في عمق الصحراء، يقال إنهم كانوا يحملون علامة مميزة على أيديهم، علامة على شكل هلال متقاطع مع نجمة." توقف الأمير حكيم عن تصفح أحد الكتب، ونظر إلى ليلى بتمعن. لم تكن عينيه تحملان دهشة، بل كانت تحمل معرفة قديمة. "الهلال والنجمة؟" قال بصوت هادئ. "نعم، أتذكر هذه العلامة. إنها علامة 'النجم الساطع'." "النجم الساطع؟" كررت ليلى الاسم، وسجلته في ذاكرتها. "ماذا تعني هذه العلامة يا جدي؟" "هذه العلامة، يا ابنتي، لم تكن مجرد وشم، بل كانت رمزًا. رمزًا لقبيلة كانت تعيش في عزلة تامة في الصحراء. كانوا يؤمنون بأن النجوم هي مرشدتهم، وأن الليل يكشف لهم أسرارًا لا تراها الشمس." شرح الأمير حكيم، وهو ينظر إلى نجمة مرسومة على غلاف أحد الكتب. "ولكن، لماذا الهلال والنجمة؟" سألت ليلى. "الهلال يمثل الليل، والغموض، والباطن. والنجمة تمثل الأمل، والإرشاد، والظاهر. وكان اجتماعهم يعني التوازن، الانسجام بين الروح والجسد، بين ما هو مخفي وما هو ظاهر. كانوا يعتقدون أنهم حاملون لهذا التوازن في عالمهم." أجاب الأمير حكيم. "وهل هناك أي سجلات عن هذه القبيلة؟ عن أماكنهم؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها تقترب من الحقيقة. "كانوا قومًا شديدي الحذر، لا يظهرون إلا لمن يثقون به. قيل إنهم كانوا يعيشون في واحات سرية، لا تصل إليها إلا النفوس الصافية. وفي كتب الأنساب القديمة، هناك إشارات قليلة عن سلالة تحمل اسم 'النجم الساطع'، ولكن لا يوجد تفاصيل كافية عن أماكنهم أو مصيرهم." قال الأمير حكيم، وهو يتجه إلى أحد الرفوف المليئة بالمخطوطات. بدأ يبحث بين الأوراق القديمة، يتلمسها بيديه المرتعشتين. "هنا... هنا بعض الإشارات..." قال وهو يخرج مخطوطة قديمة. فتحت ليلى المخطوطة، ورأت رسومات غريبة، ونقوشًا لم تفهمها. لكن، في أحد الصفحات، رأت رسمًا لنفس الرمز: الهلال والنجمة. وتحته، كانت هناك كتابة صغيرة بخط عربي قديم. "اقرئي يا جدي، ماذا تعني هذه الكتابة؟" طلبت ليلى. قرأ الأمير حكيم بصوت خافت: "'حيث يلتقي النجمان، يتجسد القدر. وعدٌ في ظلام الليل، وضوء في قلب الصحراء.'" "حيث يلتقي النجمان..." همست ليلى، وتذكرت ليلة لقائها. كانت النجوم في تلك الليلة ساطعة بشكل لم تره من قبل. "والضوء في قلب الصحراء..." هل كان هذا هو الفتى؟ "جدي، هل تعرف أي شيء عن 'وعد في ظلام الليل'؟" سألت ليلى. "الوعود في الصحراء تحمل ثقلًا كبيرًا يا ابنتي،" قال الأمير حكيم، وعيناه تحملان نظرة عميقة. "عندما يقدم رجل من أهل الصحراء وعدًا، فهو يلتزم به حتى آخر نفس. خاصة إذا كان ذلك الوعد مرتبطًا بالنجوم، أو بالقدر." "وهل يعقل أن يكون هذا الوعد مرتبطًا بلقاء عابر؟" سألت ليلى. "في الصحراء، لا يوجد شيء اسمه لقاء عابر يا ابنتي. كل لقاء، كل نظرة، كل كلمة، لها معنى. إذا كان ذلك الشاب يحمل علامة 'النجم الساطع'، فهو بالتأكيد ليس عاديًا." أجاب الأمير حكيم. "ولكن، لماذا لم يظهر لي مرة أخرى؟" تساءلت ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع. "ربما كان هناك سبب. ربما كان ينتظر شيئًا ما. أو ربما كانت الظروف تمنعه. الصحراء تحمل الكثير من الأسرار، يا ابنتي. وأهلها يحملون عهودًا أعمق." قال الأمير حكيم، وهو يمسح على رأسها. "ولكن، كيف يمكنني أن أجده؟" سألت ليلى، وشعور باليأس بدأ يتسلل إليها. "لا يمكنني أن أعطيكِ إجابة قاطعة، يا ابنتي. ولكن، إذا كان القدر قد جمعكما مرة، فقد يجمعهما مرة أخرى. استمري في البحث، في الاستماع. الصحراء تتحدث لمن يصغي إليها." قال الأمير حكيم.
خرجت ليلى من بيت جدها، وقلبها مليء بالأمل والمعرفة الجديدة. لقد عرفت الآن أن اللقاء لم يكن مجرد صدفة، بل كان يحمل رمزًا ومعنى. "النجم الساطع"، "وعد في ظلام الليل"، "ضوء في قلب الصحراء". بدأت تتشكل في ذهنها صورة أوضح لهذا العالم الغامض.
عندما عادت إلى غرفتها، جلست تتأمل الرمز المرسوم على الورقة، وفكرت في كلمات جدها. "الصحراء تتحدث لمن يصغي إليها." قررت ليلى أن تعود إلى الصحراء. هذه المرة، لن تكون مجرد رحلة استكشافية. ستكون رحلة بحث عن الحقيقة، بحث عن "النجم الساطع"، وبحث عن معنى ذلك الوعد الصامت الذي ترك أثرًا لا يمحى في روحها.