لؤلؤة الزمان
الفصل 14 — نسمة من الماضي تحمل عبق الياسمين
بقلم يوسف الأمين
الفصل 14 — نسمة من الماضي تحمل عبق الياسمين
بعد لقاء جدها، ازدادت عزيمة الأميرة ليلى على كشف أسرار ماضيها. لم يعد الأمر مجرد فضول، بل أصبح واجبًا، واجبًا نحو روحها التي تبحث عن اكتمال. أدركت أن المعلومات التي حصلت عليها من السوق ومن جدها، وإن كانت غامضة، إلا أنها فتحت لها أبوابًا جديدة. "النجم الساطع" و"الوعد في ظلام الليل" أصبحا شعار رحلتها القادمة.
بدأت ليلى في التحضير لرحلة سرية إلى الصحراء. لم ترغب في لفت انتباه أحد، لذا طلبت من هند أن تتكتم على الأمر. جهزت ليلى بعض المؤن الأساسية، وملابس مناسبة للصحراء، وبعض الأدوات التي قد تحتاجها. كما طلبت من حراس القصر المخلصين، الذين تثق بهم، أن يرافقوها دون أن يبلغوا أحدًا عن وجهتها الحقيقية.
"يا هند، أريد أن أذهب في رحلة قصيرة إلى الصحراء. نريد أن نتفقد إحدى الواحات القديمة التي سمعنا عنها. لن نخبر أحدًا، فقط أنتِ وبعض الحراس الموثوقين." قالت ليلى لهند، وهي ترتب حقيبتها. "هل أنتِ متأكدة يا مولاي؟ الصحراء قاسية، خاصة في هذا الوقت من العام." أجابت هند بقلق. "أنا متأكدة يا هند. أحتاج إلى هذا الهواء النقي، وإلى هذه السكينة. أعدكِ أن نكون حذرين." طمأنت ليلى خادمتها.
في أحد الأيام، ومع بزوغ الفجر، انطلقت الأميرة ليلى وحاشيتها الصغيرة في رحلتها. تركت وراءها جدران القصر، واستقبلت سعة الصحراء وجمالها الخلاب. كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية على الكثبان الرملية، وترسم ظلالاً طويلة.
بعد ساعات من السير، وصلوا إلى واحة قديمة، كانت ليلى قد زارتها في طفولتها. كانت الواحة مهجورة تقريبًا، لكنها كانت تحمل ذكريات جميلة. جلست ليلى تحت شجرة نخيل باسقة، تتأمل جمال المكان. "هنا،" قالت لنفسها، "هنا بدأت القصة. هنا ربما تكون هناك إشارات أخرى."
بدأت ليلى تتجول في الواحة، تتفقد البئر القديمة، والمباني المتهالكة. كانت تبحث عن أي شيء غير عادي، أي شيء يذكرها بالرمز، أو بالفتى. وبينما هي تتفحص جدارًا قديمًا، مرسومًا عليه بعض النقوش الباهتة، لمح بصرها شيئًا غريبًا. كان نقشًا صغيرًا، بالكاد يمكن رؤيته، ولكنه كان واضحًا بالنسبة لها. كان نفس رمز الهلال والنجمة. "هند! انظري هنا!" نادت ليلى بحماس. ركضت هند إلى جانبها، ونظرت إلى النقش. "إنه نفس الرمز يا مولاي!" "نعم، إنه نفس الرمز. ولكن، ما الذي يفعله هنا؟" تساءلت ليلى. "ربما كان هذا المكان مهمًا لهم، يا مولاي. ربما كانت هذه الواحة نقطة التقاء لهم." اقترحت هند.
شعرت ليلى بأنها على وشك اكتشاف شيء ما. جلست بجانب النقش، تتأمل تفاصيله. ثم، لاحظت شيئًا آخر. كانت هناك كتابة صغيرة أخرى، مخبأة تحت النقش. كانت بالكاد مرئية، ولكنها كانت واضحة لها. "اقرأي يا هند، ماذا تقول هذه الكتابة؟" قرأت هند بحذر: "من هنا، يبدأ الطريق إلى القلب." "إلى القلب؟" كررت ليلى. "ما هو القلب؟" "ربما يقصدون واحة أخرى، يا مولاي، أو مكانًا خاصًا لهم." قالت هند.
شعرت ليلى بأنها تقترب. "من هنا، يبدأ الطريق إلى القلب." هذه العبارة بدت كدعوة، كدليل. قررت ليلى أن تعود إلى القصر، وتفكر في هذه المعلومات الجديدة. في طريق العودة، وبينما كانت الشمس تغرب، وتلون السماء بألوان دافئة، شعرت ليلى ببعض الحنين. تذكرت رائحة الياسمين التي كانت تفوح من حدائق القصر في ليالي الصيف.
عندما عادت إلى القصر، لم تستطع ليلى النوم. كانت تفكر في الواحة، وفي الرمز، وفي العبارة الغامضة. "من هنا، يبدأ الطريق إلى القلب." في منتصف الليل، استيقظت ليلى فجأة. شعرت بأنها تتذكر شيئًا ما. شيئًا من طفولتها. تذكرت أنها كانت قد تلقت هدية من والدتها، هدية كانت تخبئها بعناية. نهضت من سريرها، وذهبت إلى صندوق ذكرياتها. بدأت تبحث بين أغراضها، بين الرسائل والصور. ثم، وجدته. كان صندوقًا صغيرًا منحوتًا من الخشب، عليه نقوش جميلة. فتحت الصندوق، ووجدت فيه زجاجة صغيرة، مليئة بسائل عطري. كانت رائحة السائل هي رائحة الياسمين. "الياسمين!" همست ليلى. "هذه رائحة الياسمين من حديقة جدتي." تذكرت أن والدتها كانت تقول لها دائمًا أن الياسمين يمثل الحب، والنقاء، والروح. ثم، نظرت إلى داخل الصندوق. كان هناك شيء آخر. ورقة صغيرة مطوية، عليها رسم لنفس الرمز: الهلال والنجمة. وتحتها، كانت هناك عبارة مكتوبة بخط والدتها. "يا ابنتي، عندما تجدين الطريق إلى قلبك، ستجدين النور." "إلى قلبي..." همست ليلى. "والنور... ربما يكون الفتى هو النور." شعر ليلى بأن كل شيء بدأ يتضح. "النجم الساطع"، "الوعد في ظلام الليل"، "القلب"، "النور"، "الياسمين". كل هذه العناصر بدأت تتصل ببعضها البعض.
في تلك اللحظة، قررت ليلى أنها يجب أن تذهب إلى الصحراء مرة أخرى. هذه المرة، لن تكون مجرد رحلة بحث عن ماضٍ غامض، بل ستكون رحلة بحث عن قلبها، وعن النور الذي يبحث عنه. وكانت تعلم في أعماقها، أن هذه الرحلة ستكون مختلفة. ستكون رحلة ستكشف لها الحقيقة، ولن تتردد في مواجهة أي شيء.