سر الممالك
الفصل 4 — مواجهة في قصر الحصاد
بقلم يوسف الأمين
الفصل 4 — مواجهة في قصر الحصاد
تسللت خيوط الفجر الأولى، مرسلةً أشعة خجولة على قصر "النور" العظيم، حيث كان الاستعداد قائماً على قدم وساق لاستقبال احتفال عيد الحصاد. كان الاحتفال تقليدياً، يجمع فيه عامة الشعب ونبلاء المملكة للاحتفاء بالخير والبركة، ولتقديم الولاء للملك. ولكن هذه المرة، كان الاحتفال يحمل في طياته قلقاً عميقاً، ونذيراً بخطر كامن.
كانت ليلى، وجابر، والشيخ زيد، قد وصلوا إلى القصر قبل يوم من الاحتفال، متخفين في ملابس بسيطة. كانت مهمتهم خطيرة: إيصال الحقيقة إلى الملك فيصل قبل أن يقوم الوزير غسان بتنفيذ مخططه.
"يجب أن نجد طريقة للوصول إلى الملك بمفردنا." قال جابر وهو يتفقد المكان بحذر. "لا يمكننا الوثوق بأي شخص آخر هنا." "لقد درستُ خرائط القصر القديمة." قال الشيخ زيد. "هناك مدخل سري يؤدي إلى غرف الملك الخاصة، كان يستخدمه الأجداد في أوقات الخطر."
تسلل الثلاثة إلى القصر عبر المدخل السري، الذي كان مخبأً خلف رف كتب قديم في مكتبة القصر. كانت الممرات مظلمة، والهواء بارداً، تشعر ليلى وكأنها تعود بالزمن إلى الوراء، إلى أيام جدها "سيد الأمان".
وصلوا أخيراً إلى باب خشبي قديم. تردد جابر قبل أن يطرق بخفة. بعد لحظات، فُتح الباب، وظهرت صورة الملك فيصل، شاب في مقتبل العمر، يبدو عليه التعب والإرهاق، ولكن عينيه كانتا تحملان براءة وشكاً.
"من أنتم؟ وكيف عرفتم هذا المدخل؟" سأل الملك فيصل بصوت متفاجئ. "يا صاحب الجلالة، جئتُ إليك برسالة عاجلة وهامة." قال جابر، وانحنى قليلاً. "أنا جابر، أحد حرسك المخلصين. وهذه السيدة ليلى، وهي تحمل سراً عظيماً يتعلق بتاريخ عائلتها وبأمن المملكة."
نظرت ليلى إلى الملك فيصل، وشعرت برهبة الموقف. "يا صاحب الجلالة، لقد اكتشفتُ من خلال مذكرات أجدادي، ومن خلال الأدلة التي جمعناها، أن الوزير غسان يخطط للإيقاع بك، وتدبير حادث لك، ثم الاستيلاء على العرش." ارتسمت الدهشة على وجه الملك. "ماذا تقولين؟ هذا مستحيل! الوزير غسان هو أقرب مستشار لي." "أتفهم شكك يا مولاي." قالت ليلى. "ولكن هذه الحقائق مؤكدة. لقد أرسل جنوداً من مملكة جرانديا للتسلل إلى القصر خلال الاحتفال، ليكونوا شاهداً على 'محاولتك' للهجوم على جرانديا، فيدّعي غسان أنه أنقذ المملكة، ثم يتهمك بالخيانة، وينصب نفسه وصياً."
شرحت ليلى للملك كل ما تعرفه، وأظهرت له الخاتم والرموز. بدأ الملك فيصل يقتنع شيئاً فشيئاً، خاصة عندما أضاف جابر تفاصيل دقيقة حول تحركات الجنود المشبوهين. "لقد شككتُ دائماً في الوزير غسان. كان يفرض عليّ قراراته، وكان يتحدث عن الحرب بطريقة غريبة." قال الملك فيصل، وهو يفرك صدغيه. "ولكن لم يكن لدي دليل."
"الآن لديك الدليل يا مولاي." قال الشيخ زيد. "وهذه الرموز التي تحملها السيدة ليلى، هي رموز ملوك قدماء سعوا للحفاظ على العدل والتوازن. ويبدو أن أجدادها كانوا من حراس هذه المبادئ."
في هذه الأثناء، كان الاحتفال قد بدأ في ساحة القصر. أصوات الموسيقى والضحكات كانت تتصاعد، بينما كان الخطر يكمن في الداخل.
"يجب أن نتحرك بسرعة." قال الملك فيصل. "يجب أن أواجه غسان أمام الجميع، وأكشف خطته." "ولكن هذا قد يعرضك للخطر يا مولاي." قال جابر. "قد يكون لديه جنوده الموالون." "لدينا خطة." قالت ليلى. "عندما يعلن غسان عن 'الخطر القادم'، سنكشف الأدلة. والشيخ زيد، لقد ذكرت في مذكرات جدك رمزاً سرياً، يدل على الحقيقة. هل يمكنك استخدامه؟"
تذكر الشيخ زيد الرمز. كان عبارة عن نغمة معينة، كان يستخدمها "سيد الأمان" كعلامة للتواصل. "نعم، أستطيع." قال الشيخ زيد. "عندما يحين الوقت، سأصدر النغمة، وسيعرف المخلصون أن الحقيقة ستكشف."
انتهى عصر الاحتفال. خرج الملك فيصل، برفقة ليلى، وجابر، والشيخ زيد، إلى الشرفة الرئيسية المطلة على الساحة المزدحمة. كان الوزير غسان يقف بجانبه، يبتسم ابتسامة ماكرة.
بدأ غسان خطابه، يتحدث عن سلامة المملكة، وعن الأعداء المتربصين. وفجأة، تحولت نبرته إلى نبرة تحذير. "يا صاحب الجلالة، لقد وصلتنا أخبار تفيد بأن جنوداً من مملكة جرانديا قد تسللوا إلى القصر، وهم يستعدون للهجوم! يجب علينا استدعاء الحرس الخاص بي فوراً!"
قبل أن يتمكن الملك فيصل من الرد، بدأ بعض الجنود الذين كانوا متخفين بين الجمهور في إثارة الفوضى. تحول الاحتفال إلى ذعر. ولكن في تلك اللحظة، رفع الشيخ زيد عصاه، وأصدر نغمة واضحة، رنانة، تتردد صداها في أرجاء الساحة. كانت تلك النغمة، التي عرفها بعض الحراس القدماء، والتي كانت تعني "الحقيقة قادمة".
نظر الملك فيصل إلى غسان، وقال بصوت قوي: "كفى يا غسان! لقد كشفتُ مؤامرتك!" ثم التفت إلى الجمهور، وقال: "هذا الرجل، الذي ادعى ولاءه، هو خائن! لقد خطط للإيقاع بي، والاستيلاء على العرش! وهذه السيدة ليلى، تحمل الأدلة التي تثبت ذلك."
أخرجت ليلى الخاتم، ورفعته عالياً. "هذا الخاتم، وهذه الرموز، تثبت أن الوزير غسان يتحالف مع أعداء المملكة!" تقدم جابر، وبرفقته عدد من الحراس المخلصين، وتمكنوا من السيطرة على غسان وجنوده المتسللين.
عمّت الساحة صدمة، ثم صرخات تأييد للملك. رأى الناس الحقيقة تتكشف أمام أعينهم. لقد تم إنقاذ المملكة من مؤامرة خطيرة.
شعر الملك فيصل بالراحة والامتنان. نظر إلى ليلى، وقال: "لقد أنقذتِ مملكتنا يا ليلى. أنتِ وريثة "سيد الأمان" حقاً." أما ليلى، فقد شعرت بارتياح عميق. لقد نجحت مهمتها. لم تعد مجرد فتاة من قرية صغيرة، بل أصبحت بطلة، ساهمت في كشف "سر الممالك"، وحماية أمن بلدها.