بوابة الشرق
الفصل 17 — نداء الواجب في زمن الاضطراب
بقلم يوسف الأمين
الفصل 17 — نداء الواجب في زمن الاضطراب
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر نوافذ القصر، لتوقظ المدينة النائمة على واقعٍ جديد. لم تكن أخبار التحركات العسكرية مجرد همساتٍ عابرة، بل بدأت تتجسد كواقعٍ ملموسٍ يلقي بظلاله على الأفق. كانت التحركات في الغرب تثير قلقًا عميقًا، ليس فقط لدى الوليد، بل لدى كل مواطنٍ يدرك خطورة الاضطرابات السياسية.
في مكتبه، كان الوليد يدرس الخرائط العسكرية، وقد وضع أمامه تقارير الاستخبارات المتفرقة. كانت المعلومات متضاربة، لكن النتيجة النهائية كانت واحدة: هناك شيءٌ ما يحدث، وشيءٌ ما يدبر.
"يا خالد،" قال الوليد للشاب الواقف بجانبه، "هل لديك أي أخبارٍ جديدة عن تلك التجمعات المشبوهة؟"
"نعم، سيدي،" أجاب خالد، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق والتركيز. "لقد تمكنت من اختراق إحدى تلك المجموعات. يبدو أنهم يخططون لشيءٍ كبير. يتحدثون عن 'تطهير' المدينة من أي عناصر تعارض أجندتهم، وعن 'إعادة بناء' هيكل الحكم ليناسب طموحاتهم."
"طموحاتهم؟" تكرر الوليد بتعجب. "ومن هم هؤلاء الذين يملكون هذه الطموحات؟ هل عرفت أسماءهم؟"
"يبدو أنهم خليطٌ من بعض التجار ذوي النفوذ الذين يشعرون بالتهديد من سياساتك الإصلاحية، وبعض الوجهاء الذين يرون في الاضطرابات فرصةً لتوسيع نفوذهم، بالإضافة إلى بعض العناصر الخارجية التي تسعى لاستغلال الوضع."
"هذا أمرٌ خطير،" قال الوليد، وقد عقد حاجبيه. "إنهم لا يسعون فقط إلى تعطيل مسيرة التنمية، بل إلى تقويض أسس المدينة نفسها. وماذا عن أسلحتهم؟ هل لديهم القدرة على تنفيذ مخططاتهم؟"
"لقد لاحظتُ نقلًا بعض البضائع التي تبدو أسلحةً مخبأةً في أكياس القماش. وهم يقومون بتجنيد بعض الشباب الساخطين، ويعدونهم بالمكاسب السريعة."
"هذا يستدعي تحركًا سريعًا وحازمًا. لا نستطيع أن ننتظر حتى يشتعل الحريق. علينا أن نطفئه قبل أن يتفشى. ما هي خطتك يا خالد؟"
"أقترح، سيدي، أن نستغل اجتماعهم القادم. لقد علمنا أنهم سيجتمعون في مكانٍ منعزلٍ خارج المدينة بعد ثلاثة أيام. يمكننا أن نرسل قوةً صغيرةً من جنودنا الموثوقين، بقيادة أحد قادتك الشجعان، لمداهمتهم وتوقيفهم. بهذه الطريقة، نضرب بيدٍ من حديد ونمنعهم من تنفيذ مخططاتهم."
فكر الوليد مليًا. كانت الخطة جريئة، ولكنها قد تكون فعالة. "هل أنت متأكد من نجاح هذه المداهمة؟ هل لدينا معلوماتٌ كافية عن عددهم وتسليحهم؟"
"لدينا تقديراتٌ جيدة، سيدي. وأعتقد أن القوة التي سنرسلها ستكون كافيةً لفرض السيطرة. لكن يجب أن تكون العملية سريةً تمامًا. لا نريد أن نعرف أي من أفراد جيشنا أو حكومتنا له علاقةٌ بذلك، حتى لا تتسع دائرة الشك."
"أتفهم. سأفوض الأمر إلى القائد عمر. إنه رجلٌ كفءٌ وشجاع، ولن يخيب ظني. لكن يجب أن تتأكد من أن العملية تتم بأقل قدرٍ من الخسائر، وأن نحافظ على سمعة جيشنا. لا نريد أن نُظهر أنفسنا كمن يهاجم دون سبب."
"سنحرص على ذلك، سيدي. سنظهر لهم أننا نقوم بواجبنا لحماية المدينة، وليس لشن حربٍ أهلية."
بعد خروج خالد، دخلت الأميرة ليلى. كانت تحمل في يدها صينيةً عليها كوبان من الشاي الأخضر. "لقد رأيت القلق على وجهك يا سيدي. هل هناك أخبارٌ مقلقة؟"
"الأخبار ليست جيدة يا ليلى،" قال الوليد، وقد تناول كوب الشاي. "يبدو أن هناك من يحاول استغلال الظروف لإثارة الفتنة. لقد تأكدنا من وجود مؤامرةٍ لتحقيق مكاسب شخصية."
"هل تمكنتم من كشف هويتهم؟"
"نعم، ولكنهم ما زالوا منتشرين، ويحاولون زرع بذور الشقاق. سنقوم بعمليةٍ قريباً لتوقيفهم."
"عملية؟" سألت ليلى بقلق. "أتمنى أن لا تؤدي هذه العملية إلى إراقة دماءٍ لا داعي لها."
"نحن نحرص على ذلك، يا ليلى. ولكن أحيانًا، يتطلب الواجب أن نكون حازمين. لا يمكننا أن نترك الشر يتفشى. لقد تعبنا من بناء هذه المدينة، ولن نسمح لأحدٍ أن يدمرها."
"أعلم يا سيدي. أنت دائمًا ما تسعى للخير. ولكن، ألا يمكن أن نجد طريقةً أخرى؟ ربما بالحوار؟"
"لقد حاولنا الحوار، يا ليلى. ولكن هؤلاء القوم لا يفهمون إلا لغة القوة. إنهم لا يرون إلا مصالحهم الضيقة. ولكن لا تقلقي، سنفعل ما في وسعنا لتجنب إراقة الدماء."
في تلك الأثناء، كان القائد عمر، وهو رجلٌ في منتصف العمر، له شاربٌ كثيفٌ وعينان حادتان، يجتمع مع مجموعةٍ مختارةٍ من جنوده في غرفةٍ سريةٍ بالقصر. كان عمر معروفًا بشجاعته وولائه، وكان يحظى بثقة الوليد الكاملة.
"يا أبطال،" قال عمر بصوتٍ قوي، "لقد أُرسلنا في مهمةٍ حساسة. هناك مجموعةٌ من المخربين يحاولون زعزعة استقرار مدينتنا. لقد اكتشفنا مكان اجتماعهم، وسنذهب لضبطهم. هذه المهمة تتطلب منا أن نكون سريين، حذرين، وشجعان."
"سنقوم بواجبنا يا قائد،" أجاب الجنود بصوتٍ واحد.
"ليس هدفنا القتل، بل القبض على هؤلاء المفسدين وتسليمهم للعدالة. لا نريد أن نُظهر أنفسنا كظالمين. سنستخدم القوة فقط إذا اضطررنا لذلك. هل أنتم مستعدون؟"
"نعم!"
"إذاً، استعدوا. سننطلق بعد حلول الظلام."
لم تكن الأميرة ليلى وحدها من يشعر بالقلق. فقد كانت هناك أيضًا نساءٌ أخريات في المدينة، زوجاتٌ وأمهاتٌ، يتخوفن من الاضطرابات.
"يا زوجي،" قالت السيدة زينب لزوجها، وهو تاجرٌ معروف، "لماذا لا تأتي إلى البيت مبكرًا هذه الأيام؟ سمعتُ أن هناك مشاحناتٍ في السوق."
"لا تقلقي يا زينب،" قال زوجها، وقد بدت عليه علامات الإرهاق. "إنها مجرد خلافاتٌ بسيطة. والوليد لن يسمح بأن تتفاقم الأمور."
"ولكن، زوجي، سمعتُ أن هناك بعض التجار الذين يتاجرون في أشياء غريبة. إنهم يهمسون بأحاديثٍ خطيرة."
"هذا مجرد كلامٍ فارغ. لا تشغلي بالكِ بهذه الأمور. نحن في مدينةٍ آمنة، ولدينا حاكمٌ عادل."
كانت محاولات ليلى والوليد لتهدئة الأوضاع، وإظهار القوة عند الضرورة، تتوازى مع جهودهم في إقناع المواطنين بأن المدينة في أيدٍ أمينة. لكن الشكوك كانت تتسلل، وبذور القلق كانت قد نبتت بالفعل.
عندما حل الظلام، انطلقت قوة القائد عمر في صمتٍ مخيف. كانت العملية تسير وفق ما خطط له خالد. لم يكن هناك أي اشتباه، ولم يدرك المخربون أن نهايتهم قد اقتربت.
وصلت القوة إلى مكان الاجتماع. كان المكان عبارة عن خيمةٍ كبيرةٍ منصوبةٍ في منطقةٍ صحراويةٍ نائية. كانت أصواتٌ متفرقةٌ تنبعث من داخلها، تدل على أن الاجتماع قد بدأ.
"استعدوا،" همس القائد عمر لجنوده. "سندخل في نفس الوقت من الجهات الثلاث. لا رحمة لمن يقاوم."
اقتحمت القوة الخيمة. اندلع الصراخ والفوضى. حاول بعض المخربين المقاومة، ولكنهم واجهوا مقاومةً شرسةً من جنود عمر. في غضون دقائق، تم السيطرة على الوضع. تم تجميع قادة المؤامرة، وتم تقييدهم.
"من أنتم؟ وماذا تريدون؟" سأل أحد القادة المقبوض عليهم، وهو رجلٌ ذو لحيةٍ بيضاء، وقد بدت عليه علامات الذهول.
"نحن جنود الوليد،" أجاب القائد عمر ببرود. "وجئنا لنحمى هذه المدينة من أيديكم الملوثة. سيحاسبكم القانون على كل كلمةٍ فتنةٍ قلتموها، وعلى كل يدٍ حاولتم بها زعزعة أمننا."
تم جمع الأدلة، وتم توقيف المشتبه بهم. لم تسل قطرة دماءٍ واحدة، وكانت العملية ناجحةً بشكلٍ باهر.
عاد القائد عمر إلى القصر يحمل معه أخبار النجاح. كان الوليد ينتظره بفارغ الصبر.
"لقد نجحت المهمة، سيدي،" قال عمر. "تم القبض على قادة المؤامرة، ولم تحدث أي خسائر."
"الحمد لله،" قال الوليد، وقد شعر بارتياحٍ كبير. "لقد أثبتنا أن العدل لا يتأخر، وأن القوة الحقيقية تكمن في الحكمة واليقظة. الآن، علينا أن نتحقق من كل شيء، وأن نكشف كل خيوط هذه المؤامرة."
"لقد حصلنا على بعض الوثائق التي قد تفيدنا، سيدي. سيتم فحصها بعناية."
"عملٌ ممتاز يا عمر. أنت وجنودك كنتم على قدر المسؤولية. الآن، نحتاج إلى أن نظهر للناس أننا نقوم بواجبنا، وأننا نحميهم. ولكن علينا أن نفعل ذلك بحكمة، دون إثارة المزيد من القلق."
كانت هذه الخطوة الأولى في مواجهة الاضطرابات. ولكن الوليد كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد. كانت هناك قوى أخرى تحاول التسلل، وكان عليه أن يكون مستعدًا لكل الاحتمالات. نداء الواجب كان قويًا، وكان مستعدًا لتلبيته مهما كلف الأمر.