بوابة الشرق
الفصل 19 — مبعوث السلام وشرارة الحرب
بقلم يوسف الأمين
الفصل 19 — مبعوث السلام وشرارة الحرب
انطلق القاضي عثمان، برفقة حاشيته الصغيرة، نحو معسكر الخليفة. كانت الشمس تلفح الوجوه، والغبار يتطاير مع كل خطوة. لم تكن هذه الرحلة مجرد سفر، بل كانت رحلةً تحمل على عاتقها آمال مدينةٍ بأكملها. كان القاضي رجلاً قد تجاوز مرحلة الشباب، وارتسمت على وجهه خطوط الحكمة والتجارب. كانت عيناه تحملان بريقًا من التصميم، وقلبه ينبض بالإيمان.
"سيدي القاضي،" قال أحد مرافقيه، "هل تعتقد حقًا أن الخليفة سيستمع إلى كلماتنا؟"
"لا أعرف يا بني،" أجاب القاضي بهدوء. "ولكن، الواجب يحتم علينا أن نحاول. لقد أرسلنا الوليد في هذه المهمة، ويجب أن نبذل قصارى جهدنا. إن كانت هناك فرصةٌ لتجنب الحرب، فيجب أن نتمسك بها."
"ولكن، تحركات جيوشه تدل على غير ذلك."
"الحركات العسكرية قد تكون استعراضًا للقوة، وقد تكون مقدمةً لشيءٍ آخر. لا يمكننا أن نحكم على الأمور من ظاهرها فقط. علينا أن نؤمن بأن الله قد يفتح لنا بابًا لم نتوقعه."
وصلت الأخبار عن وصول مبعوثٍ من الوليد إلى معسكر الخليفة، الذي كان أشبه بمدينةٍ متنقلة. كانت الخيام متراصةً في صفوفٍ طويلة، والجنود يتجولون في أرجاء المكان. كانت الأجواء مشحونةً بالترقب، فالكل يعلم أن هذه التحركات لم تكن عادية.
تم استقبال القاضي عثمان باحترامٍ ظاهري، ولكن عينيه كانتا تدركان التوتر الخفي. لم تكن هناك حفاوةٌ كبيرة، بل كان هناك حذرٌ وريبة.
دخل القاضي عثمان إلى خيمة الخليفة، وقد أُعطي الأذن بالدخول. كان الخليفة جالسًا على عرشٍ بسيط، ولكنه كان يحمل هيبةً قوية. كانت عيناه ثاقبتين، وملامحه توحي بالقوة والعزم.
"مرحباً بك أيها القاضي،" قال الخليفة بصوتٍ جهوري. "ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل أتيت لتقديم الولاء، أم لتقديم شكواك؟"
"جئتك يا مولاي،" أجاب القاضي عثمان، وقد انحنى قليلاً، "حاملاً رسالةً من الوليد، حاكم مدينة بوابة الشرق. رسالةٌ تحمل أسمى آيات الاحترام، وتعبّر عن رغبتنا العميقة في السلام."
"السلام؟" قال الخليفة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ساخرة. "أين كان سلامكم عندما كنتم تبنون قوتكم وتتجاهلون أوامرنا؟"
"يا مولاي،" قال القاضي بحكمة، "مدينة بوابة الشرق لطالما كانت وفيةً للتاج. ولكن، الاستقلال الذي نتمتع به، والذي منحنا إياه الأجداد، هو أثمن ما نملك. إن تحركاتكم العسكرية تثير القلق، وتدفعنا إلى التساؤل عن نواياكم."
"نواياي واضحة،" قال الخليفة، وقد ارتفع صوته قليلاً. "الولاء المطلق، والطاعة العمياء. إن هذه المدن الشرقية لم تعد قادرةً على الحكم الذاتي. لقد آن الأوان لعودتها إلى حضن الدولة، تحت سيطرتي المباشرة."
"ولكن يا مولاي،" قال القاضي، وقد حافظ على هدوئه، "الحرب لن تجلب إلا الدمار. إنها تستنزف الموارد، وتفرق الأسر. هل ترغب حقًا في أن تكون مسؤولاً عن إراقة دماءٍ بريئة؟"
"إنني مسؤولٌ عن استعادة النظام، وعن فرض كلمتي،" قال الخليفة بحزم. "ولن أسمح لأيٍ كان بأن يقف في وجهي. إن الوليد، إذا كان عاقلاً، فسيسلم مدينته دون مقاومة. وإلا..."
"وإلا ماذا يا مولاي؟" سأل القاضي، وقد ارتفعت نبرة صوته قليلاً. "هل ستدمر مدينةً بنيت عبر الأجيال؟ هل ستقتل شعبًا مسالمًا؟"
"لن أتردد،" قال الخليفة، وقد لمعت عيناه بالغضب. "لقد أعطيتك فرصةً. عد إلى الوليد، وقل له إنني لن أتراجع. إما الطاعة، أو الحرب."
كانت هذه الكلمات كالوقع على أذن القاضي عثمان. لقد تأكدت مخاوفه. لم تكن هناك فرصةٌ للحوار.
"إذاً، فالكلمة الفصل ستكون للسيف، يا مولاي،" قال القاضي، وقد شعر بمرارةٍ تعتصر قلبه. "ولكن، تذكر أن مدينتنا لن تستسلم دون قتال. أهلها أشداء، وسيدافعون عن أرضهم."
"أتمنى لهم حظًا موفقًا،" قال الخليفة بتهكم. "لأنهم سيحتاجونه."
عاد القاضي عثمان إلى مدينته، وقد حمل معه أخبارًا مؤلمة. لم يكن هناك مجالٌ للشك. الحرب قادمة.
عندما سمع الوليد ما قاله الخليفة، شعر بمرارةٍ عميقة. لقد حاول، بكل ما أوتي من حكمة، أن يتجنب الحرب. ولكن، يبدو أن القدر كان يخبئ شيئًا آخر.
"إذاً، المعركة قادمة،" قال الوليد، وقد جمع مستشاريه. "علينا أن نكون مستعدين. لقد أثبتنا أننا نسعى للسلام، ولكن، لن نسمح بأن يُستباح حرمنا."
"لقد أثبتت جهودك يا سيدي،" قال القاضي عثمان. "لقد حاولنا كل الطرق الممكنة. والآن، علينا أن نقاتل من أجل بقائنا."
"سنقاتل،" قال الوليد، وقد لمعت عيناه بعزم. "ولكن، سنقاتل بشرف. سنقاتل دفاعًا عن أهلنا، وعن قيمنا. سنثبت للعالم أن هذه المدينة لن تُهزم بسهولة."
بدأت الاستعدادات النهائية للمعركة. تم إرسال النداءات إلى جميع المدن الشرقية، وطلب المساعدة. تم تجهيز كل ما يلزم للدفاع.
في هذه الأثناء، كانت الأميرة ليلى تعمل مع النساء. لقد أعددن المستشفيات الميدانية، وجمعن المؤن، وحضرن أنفسهن لرعاية الجرحى. كانت صلواتهن ترتفع إلى السماء، طالبةً النصر والحماية.
"يا أمهات،" قالت ليلى لجمعٍ من النساء، "إن أطفالنا ينظرون إلينا. يجب أن نظهر لهم القوة والشجاعة. يجب أن نكون السند لرجالنا، وأن نثبت لهم أننا لا نخشى شيئًا، طالما أننا معًا."
"سندافع عن مدينتنا،" أجابت النساء بصوتٍ واحد، وقد امتلأت عيونهن بالإصرار.
في وقتٍ متأخرٍ من الليل، وبينما كانت المدينة تستعد لمعركةٍ مرتقبة، كان الوليد يقف على أسوار القصر، ينظر إلى الأفق. كانت السماء مليئةً بالنجوم، ولكن قلبه كان مليئًا بالقلق.
"يا رب،" همس، "كن معنا. احمِ مدينتنا وشعبنا. اجعلنا أقوياء، واجعلنا حكماء."
كانت شرارة الحرب قد انقدحت. وكانت المعركة على وشك البدء. كان على الوليد أن يواجه هذا التحدي، ليس فقط كحاكم، بل كأبٍ يحمي عائلته، وكإنسانٍ يؤمن بالعدل.