أميرة القصر
الفصل 22 — سراديب القصر المظلمة
بقلم محمد الفاروق
الفصل 22 — سراديب القصر المظلمة
بعد لقائها المفاجئ بالقائد عمران، لم تعد الأميرة ليلى قادرة على النوم. أفكارها كانت تتسابق في عقلها، تحمل بين طياتها تحذيراته القلقة. "هناك من في القصر، من لا يريد لمملكتك أن تستقر." كانت هذه الكلمات ترن في أذنيها كالدقات المتواصلة، مثيرة شعورًا بالريبة والترقب. لقد عرفت دائمًا أن هناك من يعارضها، خاصة بعد عودتها وانتزاع حقها، لكنها لم تتصور أبدًا أن الخطر قد يكون قريبًا لهذه الدرجة، وفي داخل جدران القصر نفسه.
استدعت خادمتها الأمينة، "نور"، وهي فتاة ربّتها منذ الصغر، وكانت شاهدة على الكثير من أحزانها. "نور، هل لاحظتِ أي شيء غريب في الآونة الأخيرة؟ أي تصرفات مريبة من أحد في القصر؟"
نظرت نور إلى الأميرة بقلق، وعيناها تلمعان بوفاء. "سمو الأميرة، الجميع هنا يحبّكِ ويقدر عودتكِ. لكن... نعم، لاحظتُ أن بعض الحرس القدامى، الذين كانوا قريبين من الوزير السابق، يتحدثون فيما بينهم بصوت خافت، ويبدون متوترين جدًا في الأيام الأخيرة."
"الوزير السابق؟" تمتمت الأميرة. "هل تقصدين الوزير "فراس"؟"
"نعم، يا أميرة. لقد سمعتُ بعضهم يذكر اسمه، ويقولون إن الأمور لن تعود كما كانت."
تجمدت الأميرة في مكانها. الوزير فراس، الرجل الذي كان الذراع اليمنى لوالدها، والذي خان ثقته وتآمر ضده. لقد كان يعتقد أنه قد مات، أو اختفى بعد سقوط حكمه، لكن يبدو أنه لا يزال يمتلك أتباعًا ومخططات.
"هل تعرفين أين يتواجد هؤلاء الحرس عادة؟" سألت الأميرة بجدية.
"عادة ما يكونون في المنطقة الشمالية من القصر، بالقرب من المخازن القديمة، يا أميرة. إنهم يتخذونها مكانًا لاجتماعاتهم."
قررت الأميرة أن تستكشف الأمر بنفسها. لم تستطع الانتظار حتى الصباح. لقد شعرت بأن الوقت يداهمها، وأن أي تأخير قد يكون مكلفًا. طلبت من نور أن تحضر لها ملابس بسيطة داكنة، وأن تجهز لها مصباحًا صغيرًا، ثم خرجت من جناحها بهدوء، متسللة عبر الممرات المعتمة.
كانت قلعة القصر قديمة، وبها العديد من الممرات والأروقة التي لم تكن معروفة للكثيرين. كانت الأميرة قد قضت جزءًا من طفولتها تتجول في هذه الممرات، وتكتشف أسرارها. الآن، كانت تستخدم معرفتها القديمة للتسلل نحو المنطقة الشمالية.
كانت رائحة الغبار والعفن تملأ الهواء كلما تعمقت في الممرات. صوت خطواتها كان يتردد في الصمت، وكلما سمعت صوتًا بعيدًا، كانت تختبئ خلف الأعمدة الحجرية، وتنتظر حتى يزول الخطر. شعرت بأنها تعود إلى زمن المغامرات القديمة، لكن هذه المرة، كان الخطر حقيقيًا، وكان مصير مملكتها على المحك.
وصلت أخيرًا إلى المنطقة الشمالية. كانت المخازن القديمة مهجورة، لكنها سمعت أصواتًا خافتة تأتي من إحدى الغرف المغلقة. اقتربت بحذر، واختبأت خلف باب خشبي كبير. كان الباب مفتوحًا قليلاً، مما سمح لها برؤية ما يدور بالداخل.
كان هناك حوالي عشرة رجال، يرتدون ملابس الحرس، يتجمعون حول طاولة خشبية قديمة. كان في وسطهم رجلٌ يرتدي عباءة داكنة، ولا يظهر منه سوى وجهه الشاحب ونظراته الحادة. كان يتحدث بصوت منخفض، لكن كلماته كانت مليئة بالغل والحقد.
"لقد حان الوقت لتنفيذ خطتنا." قال الرجل. "لقد استغلت الأميرة غيابها الطويل، وعدنا نحن لجمع صفوفنا. يجب أن نُظهر للشعب أن هذه الأميرة ليست سوى دخيلة، وأنها لا تستحق العرش."
"لكن كيف، يا سيدي؟" سأل أحد الحراس. "إنها تحظى بشعبية كبيرة الآن، خاصة بعد ما فعلته في الصحراء."
"الشعب ينسى بسرعة." أجاب الرجل بابتسامة ماكرة. "سنزرع الشكوك، وننشر الإشاعات. سنقول إنها عادت لتستولي على العرش بعد أن سلبت حق الوريث الشرعي. سنُظهرها على أنها ضعيفة، وأنها تستحق العزل. وسننتظر اللحظة المناسبة للانقضاض."
"ومن هو الوريث الشرعي الذي تتحدث عنه؟" سأل حارس آخر.
"هذا ليس من شأنكم." قال الرجل بحدة. "كل ما عليكم هو تنفيذ الأوامر. سنقوم بنشر جواسيس في أنحاء المملكة، وسنُحدث اضطرابات صغيرة. وعندما تخرج الأميرة للتهدئة، سنكون مستعدين."
شعر قلب الأميرة بالبرد. كانت تتوقع مؤامرة، لكنها لم تتوقع أن تكون بهذه الدقة، وأن تتضمن مثل هذا الافتراء. كانوا يخططون لتشويه سمعتها، واستغلال أي فرصة للانقضاض عليها.
"لكن ماذا عن الحماية؟" سأل أحدهم. "القائد عمران بدأ يظهر اهتمامًا بها."
ضحك الرجل بتهكم. "عمران؟ رجلٌ أعرابيٌّ جاهل. سنستخدم سلاحنا الأقوى: الخوف والارتباك. وسنُظهر له أن القصر له أسياده الحقيقيون."
"ومن هو سيدكم الحقيقي؟" سألت الأميرة بصوت مفاجئ، مما أحدث صدمة في الغرفة.
تجمد الجميع. استداروا نحو باب الغرفة، حيث كانت الأميرة ليلى تقف، ومصباحها الصغير يلقي ضوءًا خافتًا على وجهها، وعلى نظراتها الثاقبة.
"من أنتِ؟" صرخ الرجل الذي كان يقود الاجتماع، وقد اتسعت عيناه بالدهشة والغضب.
"أنا أميرة هذه البلاد، وأنا من يحق له التواجد في هذا القصر." قالت الأميرة بثبات، رغم أن قلبها كان يدق بعنف. "لقد جئت لأسمع ما تخططون له، ولأرى أي الأيدي الآثمة تتجرأ على المساس بمملكتي."
"أيتها الغبية!" صاح الرجل، ورفع يده مستعدًا للهجوم. "لقد وقعتِ في الفخ! ظننتِ أنكِ آمنة في هذا القصر؟"
لكن قبل أن يتمكن من التحرك، سمع صوتٌ آخر قادم من خارج الغرفة. صوتٌ مألوفٌ وقوي.
"لا، أيتها الأميرة. لم تقعي في الفخ. بل لقد كشفتِ عن العش الذي يحضن الأفاعي."
انفتح باب الغرفة بالكامل، ليظهر القائد عمران، ومعه مجموعة من الحراس المخلصين له. كان وجهه صارمًا، وعيناه تلمعان بتحدٍ.
"القائد عمران؟!" صرخ الرجل في وسط الغرفة، وقد بدت عليه علامات الذعر. "كيف... كيف وصلت إلى هنا؟"
"علمتُ أن هناك من يتحدث باسم الشر في الظلام." قال عمران، وهو يدخل الغرفة ببطء. "وجئت لأرى من هو هذا المتحدث. يبدو أنني وجدتُ رأس الأفعى."
اندلع الشجار. حاول رجال الوزير السابق الهجوم، لكن حراس عمران كانوا أسرع وأكثر مهارة. كانت الأميرة تراقب المشهد، وقلبها يخفق بين الخوف والإعجاب. لقد كان عمران رجلاً يفعل ما يقول.
خلال دقائق معدودة، تم السيطرة على الموقف. تم تقييد رجال الوزير السابق، واقتيدوا إلى السجن. أما الرجل الذي كان يقودهم، فقد حاول الهرب، لكن عمران أمسك به بقوة.
"من أنت حقًا؟" سأل عمران، وهو يضغط على ذراع الرجل. "ومن هو الذي تقصده بالوريث الشرعي؟"
"لن أخبرك شيئًا!" صرخ الرجل.
"سنعرف كل شيء." قال عمران بهدوء. "وبعد ذلك، ستواجه عقابك العادل."
نظرت الأميرة إلى عمران، وشعرت بالامتنان العميق. لقد أنقذها، وكشف عن مؤامرة كانت ستضر بها وبمملكتها.
"شكرًا لك، أيها القائد." قالت بصوت ممتن. "لقد رأيتُ اليوم معنى الولاء الحقيقي."
ابتسم عمران ابتسامة خفيفة. "الوفاء للحق هو واجب، يا أميرة. وقد أثبتُ لكِ أنني على استعداد لخدمة هذا الحق."
نظرت الأميرة إلى الرجال المقيدين، وشعرت بمزيج من الحزن والغضب. كان هذا القصر، الذي كان يجب أن يكون ملاذًا لها، مليئًا بالأسرار المظلمة. لكنها الآن، ومع وجود عمران، بدأت تشعر بأنها بدأت تقبض على زمام الأمور، وأنها قادرة على تطهير هذا المكان من كل ما يشوبه.