الفصل 7 / 25

صوت التاريخ

الفصل 7 — همسات الماء في العراء

بقلم أحمد الرشيد

الفصل 7 — همسات الماء في العراء

كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بوهجها اللاذع على صحراء "الربع الخالي" الشاسعة. الرمال الذهبية تمتد إلى ما لا نهاية، تتراقص مع حباتها بفعل الرياح، وترسم تلالًا متحركة لا تعرف الثبات. في وسط هذه اللامكان، كانت تسير قافلة صغيرة، بالكاد تتألف من ثلاث جمال وبعض الخيام البسيطة. على رأس القافلة، كان يسير "علي"، عيناه تبحثان في الأفق عن أي علامة، عن أي شيء يكسر رتابة الرمال.

كان قد قرر أن "قلب الصحراء" الذي ذكره والده في الرسالة، لا يمكن أن يكون إلا هنا، في أقصى بقعة من هذه الصحراء الشاسعة، حيث يعتقد الكثيرون أنها خالية من الحياة. كان الرسم الذي وجده في الكتاب، والذي يشبه دائرة تتوسطها نقطة، قد جعله يعتقد أن هناك واحة أو مكانًا سريًا يجب أن يصل إليه.

"هل أنت متأكد من هذا الطريق يا علي؟" سأله "سالم"، الرجل البدوي الذي رافقه في رحلته، والذي كان والد "علي" قد وثق به قبل وفاته. كان "سالم" رجلاً ذا خبرة في الصحراء، يحفظ دروبها وأسرارها كحفظه لأسماء أبنائه.

"والدي أشار إلى هذا الاتجاه،" أجاب "علي" وهو يمسح حبات العرق المتصببة على جبينه. "لم أجد أي دليل آخر يقودني إلى مكان آخر."

"هذه الصحراء قاسية يا فتى،" قال "سالم" وهو ينظر إلى السماء. "لا ترحم من يستهين بها. لقد ضاع الكثيرون هنا، لم يتركوا وراءهم سوى حكايات."

"أعلم ذلك،" قال "علي" بثبات. "لكنني أحمل وصية أبي، وهذا يكفيني لأستمر."

كانت الرحلة شاقة، والشمس تكاد تحرق جلدهم. العطش كان رفيقهم الدائم، وكل قطرة ماء كانوا يتناولونها كانت ثمينة. كانوا يسيرون أيامًا وليالي، لا يرون سوى الرمال والسماء، ولا يسمعون سوى صوت الرياح وهمسات الجمال.

في إحدى الليالي، وبينما كانوا قد نصبوا خيامهم، وسط ظلام دامس لم ينيره سوى نور النجوم المتلألئة، استيقظ "علي" على صوت غريب. صوت يشبه همسًا بعيدًا، ولكنه كان يأتي من اتجاه عميق في الصحراء.

"هل سمعت ذلك يا سالم؟" سأل "علي" وهو ينهض بسرعة.

"ماذا؟" سأل "سالم" وهو يرفع رأسه من فراشه.

"صوت... يبدو وكأنه صوت ماء. أو ربما صوت رياح غريبة."

نهض "سالم" بخفة، واستمع بانتباه. كانت عيناه المدربتان على سماع أدق الأصوات في الصحراء تعكس قلقًا خفيًا. "لا أسمع شيئًا سوى الرياح، يا فتى. ربما يكون خيالك."

لكن "علي" كان مصممًا. شعر بشيء يجذبه نحو ذلك الصوت. "لا، إنه ليس خيالًا. إنه أقرب إلى همس. كأن هناك شيئًا يحاول أن ينادينا."

أخذ "علي" مصباحه، وانطلق باتجاه الصوت، تاركًا "سالم" في حيرة. لحق به "سالم" بعد لحظات، حاملاً سيفه ورمحه.

"انتظر يا فتى! الصحراء ليست مكانًا للعب،" ناداه "سالم".

"أعرف،" أجاب "علي" دون أن يتوقف. "لكنني أشعر أن هذا الصوت هو دليل. ربما هو 'نجمة الشمال' التي تحدث عنها أبي."

استمروا في السير، والصوت يزداد وضوحًا تدريجيًا. لم يكن صوت ماء صاخب، بل كان أشبه بتدفق خفي، كأنه ينبع من باطن الأرض. وبعد مسيرة تقارب الساعة، وصلوا إلى منطقة بدت مختلفة عن ما حولها. كانت الرمال هنا أقل، والأرض بدأت تبدو أكثر صلابة، وكأنها تحتوي على صخور مدفونة.

وفجأة، وجدوا أنفسهم أمام منحدر صخري صغير. وعند قاعدة المنحدر، كان هناك فجوة ضيقة، يخرج منها هواء بارد ورطب، ويسمع منها بوضوح صوت تدفق خفي.

"انظر!" صاح "علي" وهو يشير إلى الفجوة. "هذا هو الصوت!"

اقترب "سالم" بحذر، وأنار مصباحه داخل الفجوة. رأى ممرًا ضيقًا ينزل إلى الأسفل. "يبدو أنه كهف، يا فتى."

"أخبرتك!" قال "علي" بابتسامة منتصرة، رغم تعب الرحلة. "ربما نجد هنا الماء الذي نحتاجه، وربما أكثر."

نزل "علي" أولاً، متبوعًا بـ "سالم". كان الممر ضيقًا، والجدران باردة ورطبة. كلما تعمقوا، ازداد الهواء برودة، وزاد صوت تدفق الماء وضوحًا. بعد بضع دقائق، وصلوا إلى غرفة كهف واسعة. وفي وسط الغرفة، كان هناك بئر طبيعي، تتجمع فيه مياه صافية تتلألأ في ضوء المصباح.

"ماء!" صاح "علي" وهو يركع بجانب البئر، ويروي عطشه من المياه النقية. كانت المياه منعشة بشكل لا يصدق، وكأنها تحمل سر الحياة في قلب الصحراء.

"سالم" أيضًا شرب من البئر، وشعر بقوة متجددة تسري في جسده. "لم أكن أعرف بوجود هذا المكان. الصحراء مليئة بالأسرار حقًا."

وبينما كانوا يستريحون بجانب البئر، لاحظ "علي" أن جدران الكهف ليست ملساء. كانت مغطاة بنقوش قديمة، رسومات ورموز غريبة. بدأ ينير المصباح على الجدران، يكشف عن تاريخ غامض. كانت النقوش تصور أشخاصًا يرتدون ملابس غريبة، ويحملون أدوات لم يرها من قبل. كانت هناك رسومات لنجوم، وشمس، وهلال.

"ما هذه النقوش يا سالم؟" سأل "علي".

"لا أعرف،" أجاب "سالم" وهو يفحصها بعناية. "لم أر مثلها من قبل. تبدو قديمة جدًا."

ركز "علي" نظره على إحدى النقوش، كانت تشبه الرسم الذي وجده في الكتاب. دائرة كبيرة، ونقطة في الوسط، ومجموعة من الرموز حولها. لكن هذه المرة، كانت الرموز أكثر تفصيلاً، وبدت وكأنها تشكل كلمات.

"انظر هنا،" قال "علي" وهو يشير إلى النقوش. "هذه النقوش تتحدث عن 'نجمة الشمال'. وهذا الرمز هنا... يبدو وكأنه يصف موقعًا."

بدأ "علي" يربط بين ما يراه أمامه وبين ما قرأه في الرسالة وفي الكتب. همسات الماء في هذا الكهف لم تكن مجرد مياه، بل كانت صوتًا تاريخيًا، صوتًا لأناس عاشوا هنا منذ زمن بعيد. ربما كانوا هم الأجداد الذين تركوا وصيتهم.

"أظن أننا وصلنا إلى جزء من الطريق، يا سالم،" قال "علي" وهو يشعر بقلبه يخفق بالإثارة. "هذا الكهف، وهذه النقوش... هي الدليل الذي كنا نبحث عنه."

أمضوا بقية الليل في الكهف، يستريحون ويرتوون من الماء العذب. في الصباح، بدأ "علي" في رسم النقوش بعناية في دفتر ملاحظاته، محاولًا فك رموزها. شعر بأن الصحراء لم تعد مجرد أرض قاحلة، بل أصبحت كتابًا مفتوحًا، يحمل صفحات من التاريخ تنتظر من يقرأها. همسات الماء التي قادته إلى هنا، بدأت تتحول إلى صوت واضح، صوت الماضي الذي يهمس له بأسراره.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%