صوت التاريخ
الفصل 8 — الأيدي التي نحتت الصخر
بقلم أحمد الرشيد
الفصل 8 — الأيدي التي نحتت الصخر
مع بزوغ أول خيوط الفجر، ترك "علي" و"سالم" الكهف الذي كان بمثابة واحة للحياة والأسرار في قلب الصحراء. ملأوا قربهم بالماء العذب، وشعروا بتجدد في طاقتهم، ليس فقط بفضل الماء، بل بفضل الشعور بأنهم على الطريق الصحيح. كانت النقوش التي رأوها في الكهف لا تزال محفورة في ذهن "علي"، خاصة تلك التي بدت وكأنها خريطة أو دليل.
"تذكرت شيئًا يا سالم،" قال "علي" وهو يقود الجمال عبر الرمال، وقد بدأ وجهه يعكس بعض الثقة. "عندما كنا في مكتبة أبي، رأيت رسمًا مشابهًا لهذه النقوش في كتاب قديم عن الحضارات المفقودة."
"وماذا كان محتوى هذا الكتاب؟" سأل "سالم" بفضول.
"كان يتحدث عن قبيلة قديمة، عاشت في هذه الصحراء منذ آلاف السنين،" أجاب "علي". "كانوا حرفيين بارعين، قادرين على نحت الصخور وتحويلها إلى أعمال فنية. وكانوا يعتقدون أن الصحراء تحمل في جوفها كنوزًا لا تقدر بثمن، ليس ذهبًا أو فضة، بل معرفة وحكمة."
"هل يمكن أن تكون هذه النقوش هي أعمالهم؟" تساءل "سالم".
"أعتقد ذلك،" قال "علي". "والنقوش التي رأيناها في الكهف، خاصة تلك التي تشبه الدائرة والرموز، بدت وكأنها تصف شيئًا ما... ربما مكانًا مهمًا."
استمروا في سيرهم، و"علي" يعود بين الحين والآخر إلى دفتر ملاحظاته، يتأمل الرسومات التي قام بها. كان يحاول فهم العلاقة بين الرموز. كانت هناك رموز تشبه النجوم، ورموز أخرى تشبه الأنهار الجافة. وفجأة، لفت انتباهه رمز معين، بدا وكأنه يمثل جبلًا صغيرًا.
"انظر يا سالم،" قال "علي" وهو يشير إلى الدفتر. "هذا الرمز... يبدو كجبل. وفي الرسم الأصلي، كان هذا الرمز قريبًا من 'النقطة' التي تمثل قلب الصحراء."
"هل تقصد أن هناك جبلًا في هذا الاتجاه؟" سأل "سالم" مشيرًا بيده إلى الأفق.
"ربما،" أجاب "علي" بتفكير. "إذا كانت هذه النقوش تمثل خريطة، فإن هذا الجبل قد يكون علامة مهمة."
قرروا تغيير مسارهم قليلاً، واتباع الاتجاه الذي يشير إليه الرمز. كانت الرحلة نحو الجبل صعبة، فقد كانت الرمال تزداد خشونة، والصخور بدأت تظهر على السطح. بعد ساعات من السير، بدأت ملامح جبل صغير تظهر في الأفق، جبل لم يكن يبدو كبيرًا، ولكنه كان فريدًا في شكله، يرتفع بشكل حاد من بين الرمال.
عندما وصلوا إلى سفح الجبل، شعر "علي" بضيق في صدره. كان الجبل يبدو هادئًا، وكأنه يحرس سرًا قديمًا. بدأ "علي" و"سالم" في البحث عن أي مدخل، أي علامة تدل على وجود شيء ما.
"هل ترى شيئًا يا علي؟" سأل "سالم" وهو يتفحص الصخور.
"لا شيء واضح،" أجاب "علي" وهو يتلمس جدار الجبل. "لكنه يبدو وكأنه... مهدوم من بعض الجهات."
وبينما كان "علي" يتفحص أحد جوانب الجبل، لمح شيئًا غريبًا. كانت هناك مجموعة من الصخور تبدو وكأنها مرتبة بشكل غير طبيعي، وكأنها حجبت مدخلًا قديمًا. بدأ في إزاحة الصخور بحذر، بمساعدة "سالم". كان العمل شاقًا، ولكن الإصرار كان يدفعهم.
بعد جهد جهيد، تمكنوا من إزاحة جزء كافٍ من الصخور ليكشفوا عن مدخل ضيق، بالكاد يسمح لشخص بالمرور. وكان الهواء الذي يخرج من المدخل باردًا، يحمل رائحة غبار قديم.
"هذا هو،" قال "علي" بابتهاج. "هذا هو المكان الذي تشير إليه النقوش!"
نزل "علي" أولاً، حاملًا المصباح. وجد نفسه في ممر منحوت في الصخر، يؤدي إلى غرفة واسعة. وعندما دخل "سالم"، أضاء المصباح على جدران الغرفة، لتظهر أعمال نحت مذهلة. كانت الغرفة كلها منحوتة بالكامل، تصور مشاهد من حياة هذه القبيلة القديمة. كانت هناك صور للمعابد، والمحاصيل، والحيوانات، وحتى صلبان ونجوم.
"لا أصدق هذا..." تمتم "سالم" بانبهار. "هذه ليست مجرد نقوش، هذه فن حقيقي! إنهم حقًا منحوتو الصخر."
"وهذا ليس كل شيء،" قال "علي" وهو يشير إلى وسط الغرفة. "انظر هناك."
في وسط الغرفة، كان هناك حجر كبير منحوت بعناية، يشبه المنصة. وفوق المنصة، كانت هناك قطعة معدنية لامعة، تشبه القرص، عليها رموز محفورة بدقة.
"ما هذا؟" سأل "سالم".
"لا أعرف،" أجاب "علي". "لكنني أشعر أن هذا هو 'قلب الصحراء' الذي كان يتحدث عنه أبي. وهذه القطعة المعدنية... ربما تكون هي 'نجمة الشمال'."
اقترب "علي" من القرص المعدني. كانت النقوش عليه متشابكة، تبدو وكأنها لغة قديمة. بدأ "علي" يقارن الرموز على القرص بالرموز التي رسمها من الكهف، ومن الرسالة. شعر بأن عقله يعمل بأقصى سرعته، محاولًا فك الشفرة.
"هذه الرموز... تشبه تلك التي في رسالة أبي،" قال "علي" بتوتر. "وهذا الشكل هنا... يشبه 'نجمة الشمال' التي وصفها."
وجد "علي" في جيبه قلادة والده، التي كان يرتديها دائمًا. كانت القلادة عبارة عن نجمة صغيرة من الفضة. عندما وضع النجمة بجانب القرص المعدني، بدت الرموز على القرص وكأنها تتفاعل، وكأنها تنير قليلاً.
"يبدو أن النجمة هي المفتاح،" قال "علي". "النجمة التي وصفها أبي، هي المفتاح لفك هذا اللغز."
بدأ "علي" في تدوير النجمة في مكانها المخصص على القرص المعدني. ومع كل دوران، كان يسمع صوتًا خافتًا، كأنه صوت طقطقة قديمة. وعندما وضع النجمة في الوضعية الصحيحة، سمع صوتًا أعلى، كأنه صوت انزلاق صخرة.
ارتعش الجبل قليلاً، ثم فتح جزء من الجدار خلف القرص المعدني، كاشفًا عن ممر سري جديد. كان الممر مظلمًا، ولم يكن يعرفان ما الذي ينتظرهما في الداخل.
"هذا أعمق من مجرد كهف،" قال "سالم" وهو ينظر إلى الممر. "يبدو أن هؤلاء القوم بنوا حضارة كاملة تحت الأرض."
"نعم،" قال "علي" وهو يشعر بإثارة لا توصف. "وأعتقد أن كل هذا يقودنا إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها أبي."
نظر "علي" إلى "سالم" بتصميم. "هل أنت مستعد يا سالم؟"
أومأ "سالم" برأسه. "معك يا فتى، حتى النهاية."
دخلا الممر السري، تاركين وراءهما غرفة النحاتين المذهلة، ومتجهين نحو المجهول، مدفوعين بصوت التاريخ، وصوت والده، وصوت الأجداد الذين نحتوا الصخر ليتركوا لنا رسالة.