الفصل 9 / 25

صوت التاريخ

الفصل 9 — شفرة الزمن المفقود

بقلم أحمد الرشيد

الفصل 9 — شفرة الزمن المفقود

توغل "علي" و"سالم" في الممر السري، الذي كان يبدو وكأنه ينزل عميقًا في باطن الجبل. الهواء فيه كان باردًا، محملاً برائحة التراب القديم، ورائحة غامضة لم يستطيعا تحديدها. لم يكن هناك ضوء سوى ضوء المصباح الذي كان يحمله "علي"، والذي كان يلقي بظلال متحركة على جدران الممر الضيقة، المرسومة بنقوش مشابهة لتلك التي رأوها في الغرفة السابقة.

"هذا المكان يبدو أنه لم يطأه أحد منذ قرون،" قال "سالم" وهو يتنفس بصعوبة. "أشعر وكأننا ندخل إلى عالم آخر."

"وهذا هو ما أردته،" أجاب "علي" بنبرة عميقة. "أبي لم يكن يبحث عن مجرد كنز، بل عن المعرفة. عن قصة هؤلاء الناس الذين عاشوا هنا."

بعد مسيرة طويلة، وصلوا إلى نهاية الممر. وجدوا أنفسهم أمام باب حجري ضخم، يبدو وكأنه لا يمكن فتحه بقوة بشرية. كان الباب مزينًا برموز غريبة، تشبه نجومًا وكواكب.

"كيف سنفتح هذا؟" سأل "سالم" وهو يضع يده على سطح الباب البارد.

"لا أعرف،" قال "علي" وهو يتأمل الرموز. "لكنني أشعر أن هذه الرموز ليست مجرد زخرفة. ربما تكون مفتاحًا."

بدأ "علي" يقارن الرموز على الباب بالنقوش التي سجلها في دفتره. كانت هناك رموز مشابهة لرموز "نجمة الشمال" التي وجدوها. بدأ يلمس الرموز بترتيب معين، مسترشدًا بالرسومات التي جمعها.

"ربما الأمر يتعلق بترتيب معين،" قال "علي" بتفكير. "ربما علينا أن نتبع تسلسلًا معينًا."

بدأ "علي" يضغط على الرموز بترتيب يبدو له منطقيًا، مستندًا إلى ما فهمه من الرسالة والنقوش. في كل مرة كان يضغط على رمز، كان يسمع صوتًا خافتًا، كأنه صوت نقرة معدنية. استمر في ذلك لبضع دقائق، حتى شعر بأن هناك شيئًا ما قد تغير.

وفجأة، سمع صوتًا مدويًا، كأنه صوت انزلاق صخور ضخمة. وبدأ الباب الحجري الضخم في الانفتاح ببطء، كاشفًا عن ضوء خافت قادم من الداخل.

"لقد فعلناها!" صاح "علي" بابتهاج.

"لم أكن أعتقد أن هذا ممكن،" قال "سالم" بانبهار.

دخلا الباب المفتوح، فوجدا أنفسهما في قاعة واسعة، أكثر اتساعًا من أي مكان رأوه من قبل. كانت القاعة مغمورة بضوء غريب، ينبعث من بلورات كبيرة منتشرة في السقف، تضيء المكان بنور هادئ. وفي وسط القاعة، كانت هناك منصة دائرية، يعلوها هيكل معدني معقد، يشبه جهازًا غريبًا.

"ما هذا المكان؟" سأل "سالم" وهو يدور حوله بنظره.

"لا أعرف،" أجاب "علي". "لكنه يبدو وكأنه مختبر، أو ربما مرصد."

اقترب "علي" من الجهاز المعدني. كان يتكون من العديد من التروس والعجلات، وبعض الشاشات الغريبة التي كانت تعرض رسومًا متحركة. وفوق الجهاز، كانت هناك كرة زجاجية شفافة، تتوهج بنور خافت.

"انظر إلى هذه الرموز،" قال "علي" وهو يشير إلى حافة المنصة. "إنها نفس الرموز التي رأيناها على الباب، وعلى القرص المعدني."

بدأ "علي" يفحص الجهاز بعناية. وجد كتابًا قديمًا، موضوعًا بجانب الجهاز. كان الكتاب مغلفًا بالجلد، ويحمل عنوانًا مكتوبًا بلغة قديمة.

"هذا هو الكتاب الذي تحدث عنه أبي في رسالته،" قال "علي" بشعور عميق. "هذا هو 'كتاب الزمن'. إنه يحمل شفرة الماضي."

فتح "علي" الكتاب. كانت صفحاته مليئة بالرسومات المعقدة، والجداول، والرموز. كان الكتاب يتحدث عن علم الفلك، وعن حركة النجوم، وعن تقويم قديم لم يسمع به من قبل.

"إنهم كانوا علماء فلك،" قال "علي" بانبهار. "لقد درسوا النجوم والكواكب بعمق. وهذا الجهاز... أعتقد أنه جهاز لتتبع حركة الزمن، أو ربما لقياسه."

وجد "علي" في الكتاب فصلًا يتحدث عن "نجمة الشمال" التي ذكرها والده. كانت النجمة ليست مجرد نجمة في السماء، بل كانت نقطة مرجعية تستخدم في تحديد الوقت والمكان بدقة لا متناهية. وكانوا يستخدمونها لتحديد مواعيد زراعة المحاصيل، وللتنبؤ بالظواهر الفلكية.

"لقد استخدموا النجوم لتحديد شفرة الزمن،" قال "علي" وهو يشعر وكأن قطعة جديدة من اللغز قد وضعت في مكانها. "هذا الجهاز... ربما يمكنه أن يخبرنا بالمزيد عن تاريخهم، وعن سبب اختفائهم."

بدأ "علي" في محاولة تشغيل الجهاز، مسترشدًا بالتعليمات الموجودة في الكتاب. كانت العملية معقدة، وتتطلب تركيزًا عاليًا. بينما كان "علي" منهمكًا في عمله، شعر "سالم" بأن هناك شيئًا غير عادي يحدث.

"علي، انظر إلى الكرة الزجاجية!" ناداه "سالم".

نظر "علي" إلى الكرة الزجاجية. كانت تظهر صورًا متحركة، كأنها عرض ثلاثي الأبعاد. كانت الصور تصور حياة هذه القبيلة القديمة: بنائهم للمعابد، احتفالاتهم، وحتى لحظات اختفائهم المفاجئ.

"إنهم يخبروننا قصتهم،" همس "علي". "إنهم يخبروننا بما حدث."

بدأت الصور تتكشف، وتحكي قصة حضارة ازدهرت ثم اختفت. لم يكن اختفاؤهم بسبب كارثة طبيعية، بل بدا وكأنهم اختاروا الذهاب. كانت هناك صور لهم وهم يصعدون إلى السماء، في مركبات غريبة تشبه تلك التي يرونها في الخيال العلمي.

"لقد رحلوا،" قال "علي" بصوت متأثر. "لم يموتوا، بل رحلوا. ربما إلى عالم آخر، أو إلى مكان آخر في الكون."

كانت الحقيقة صادمة. لم يكن والده يبحث عن كنز مادي، بل عن قصة حضارة اختارت أن ترتقي. كانت رسالته، ونقوش الكهف، والجهاز في هذه القاعة، كلها أدلة على هذا الارتقاء.

"لكن لماذا تركت لي هذه الرسالة يا أبي؟" تساءل "علي" في نفسه. "لماذا أردتني أن أعرف هذا؟"

شعر "علي" بأن هناك شيئًا ناقصًا. كانت القصة كاملة، لكن المغزى كان لا يزال غامضًا. نظر مرة أخرى إلى الكتاب، وإلى الجهاز.

"ربما هناك المزيد،" قال "علي" وهو يقلب في صفحات الكتاب. "ربما هناك شيء تركه لي أبي ليجد أثره."

وجد "علي" في نهاية الكتاب قسمًا أخيرًا، لم يكن مكتوبًا بلغة قديمة، بل بخط والده. كانت هناك صفحة واحدة، تحمل كلمات قليلة.

"يا بني،" قرأ "علي" بصوت مرتجف. "لقد أردت لك أن تعرف الحقيقة. ليس فقط حقيقة ماضينا، بل حقيقة أنفسنا. القدرة على الارتقاء ليست مجرد قصة، بل هي قدرتنا على الفهم، وعلى التطور، وعلى الحب. لا تدع الماضي يثقل كاهلك، بل استخدمه نورًا ليومك. ابحث عن 'نجمة الشمال' في قلبك. إنها دليل الروح."

دمعت عينا "علي". لقد فهم الآن. لم يكن الأمر يتعلق بمكان أو بكنز، بل كان يتعلق بالروح. كان والده يريد منه أن يفهم أن الإرث الحقيقي ليس في ما نتركه، بل في ما نكون.

"لقد وجدت الحقيقة يا أبي،" همس "علي" وهو ينظر إلى الكرة الزجاجية التي تعرض صور رحيل أجداده. "والآن، سأجد 'نجمة الشمال' في قلبي."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%