راية المجد
الفصل 18 — العودة إلى أحضان الماضي
بقلم محمد الفاروق
الفصل 18 — العودة إلى أحضان الماضي
بعد خروجه من وادي الأصداء، لم يكن فارس متأكداً مما يجب عليه فعله. لم يجد الجوهرة، ولكن ما وجده – الحجاب المنقوش ونقش العين – جعله يفكر ملياً. هل كانت هذه الجوهرة مجرد شيء مادي، أم أنها رمز لشيء أعمق؟
تذكر كلام شيخ القرية، سالم، عن أن البحث عن الضائع قد يكون رحلة نحو الحقيقة أو السلام. هل كانت هذه الرحلة تجبره على النظر إلى الماضي، إلى جذوره، لفهم معنى هذا الإرث الذي يحمله؟
كانت النقوش على الحجاب وعلى ختم والده تشبه تلك الموجودة على بعض الآثار القديمة التي رآها في قصر والده، والتي كانت تُروى عنها الأساطير. كان هناك مكان واحد يضم الكثير من هذه الآثار، ويحتفظ بأسرار العائلة المالكة. إنه "مكتبة الأجداد" في القصر القديم، والتي لم يزرها منذ زمن طويل.
"ربما تكون الإجابة هناك،" قال فارس لنفسه. "ربما يجب أن أعود إلى حيث بدأت."
كان قرار العودة إلى القصر القديم قراراً صعباً. كان القصر يمثل له ذكريات مؤلمة، ذكريات فقدان والده، وذكريات حياة مضت. ولكنه كان يعلم أن هذا هو الطريق الوحيد لفهم ما يحدث، ولإيجاد الجوهرة.
بدأ فارس رحلته عائداً نحو المدينة. كان المسير أسهل هذه المرة، فقد أصبح يعرف الطريق. ولكن قلبه كان مثقلاً بالتفكير. كان يتساءل عما إذا كان لديه ما يكفي من القوة والشجاعة لمواجهة ما قد يجده في القصر، وما قد يكشفه من أسرار.
عندما وصل إلى أسوار المدينة، شعر بغرابة. كل شيء بدا كما هو، ولكن كل شيء بدا مختلفاً. الناس يسيرون في الشوارع، ولكن نظراتهم كانت تحمل قلقاً وخوفاً. كانت أصداء اختفاء الجوهرة قد انتشرت في كل مكان، وأصبحت الهمسات والخوف سيد الموقف.
توجّه فارس مباشرة إلى القصر القديم. كان القصر يبدو مهيباً، ولكنه كان يفتقر إلى الحيوية. استقبله الحراس الذين عرفوه، ولكن نظراتهم كانت تحمل شيئاً من الشفقة.
"مولاي فارس، مرحباً بعودتك،" قال قائد الحرس، "لكن أخباراً سيئة قد سبقتك."
"أعلم،" أجاب فارس بصوت هادئ. "لهذا عدت."
دخـل فارس إلى القصر، وكل خطوة كانت تعيده إلى الوراء. مرّ بالبهو الكبير، حيث كان يحتفل والده بأعياد النصر. مرّ بحدائق القصر، حيث كان يلعب في طفولته. كل زاوية كانت تحمل ذكرى.
توجه فارس مباشرة إلى مكتبة الأجداد. كانت المكتبة مكاناً مهيباً، مليئاً بالكتب القديمة والمخطوطات التي تعود لقرون. كان المكان هادئاً، يشع بالمعرفة والتاريخ. كان والده يحب هذه المكتبة كثيراً، وكان يقضي فيها ساعات طويلة.
وجد الحجاب الذي أحضره معه، ثم بدأ يبحث في الكتب المتعلقة بالآثار القديمة، والرموز، والأساطير. كان الأمر أشبه بالغوص في بحر من المعلومات. كانت الساعات تمر، ولكنه لم يكن يشعر بالوقت.
كان يبحث عن أي إشارة إلى "جوهرة النور"، أو إلى النقش الذي يشبه العين. كان يعرف أن والده كان مهتماً جداً بهذه الجوهرة، وكان يحاول فهم قواها وأسرارها.
بعد ساعات طويلة من البحث، وجد ما كان يبحث عنه. في كتاب قديم، مزين برسوم غريبة، وجد وصفاً لـ "جوهرة النور". لم تكن الجوهرة مجرد قطعة مجوهرات، بل كانت مفتاحاً، أو رمزاً، لشيء أكبر. كانت مرتبطة بـ "عهد النور"، وهو اتفاق قديم بين الحكام وأهل الأرض، لضمان السلام والازدهار.
"إذن، ليست مجرد جوهرة،" تمتم فارس. "إنها تمثل عهداً، مسؤولية."
ثم وجد النقش الذي يشبه العين. كان هذا النقش يمثل "حارس العهد"، وهو شخصية أسطورية كانت مسؤولة عن حماية هذا العهد. وكان النقش يظهر على ختم العائلة المالكة.
"والدي... هل كان يحاول أن يقول لي شيئاً؟" تساءل فارس. "هل كان اختفاء الجوهرة مرتبطاً بنهاية هذا العهد؟"
بينما كان فارس غارقاً في تفكيره، سمع صوتاً خفيفاً قادماً من زاوية مظلمة في المكتبة.
"من هناك؟" سأل فارس بحذر، وهو يرفع الفانوس.
ظهرت امرأة مسنة، ترتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهها تجاعيد عميقة. كانت هي "أمينة"، المشرفة على المكتبة منذ زمن طويل، وكانت تعرف والده جيداً.
"مولاي فارس،" قالت بصوت متعب، "لم أتوقع رؤيتك هنا مرة أخرى."
"أمينة،" قال فارس، "لقد عدت لأفهم. هذه الجوهرة... وهذا العهد..."
جلست أمينة بجواره، وبدأت تحدثه. "والدك، رحمه الله، كان رجلاً حكيماً. كان يعرف أن هذا العهد على وشك الانهيار. كان يخشى أن يأتي يوم يضيع فيه نور العهد، وتعود الظلمة."
"ولماذا اختفت الجوهرة؟" سأل فارس.
"الجوهرة لم تُسرق بالمعنى الحرفي، يا بني،" قالت أمينة. "لقد تم إخفاؤها. إخفاؤها من قبل شخص أراد أن يحميها من السقوط في الأيدي الخاطئة. ولكن هذا الإخفاء جعل العهد يبدو كأنه قد انكسر."
"ومن هو هذا الشخص؟" سأل فارس بعينين متسعتين.
نظرت أمينة إلى فارس، وقالت بهدوء، "والدك هو من أخفى الجوهرة. لقد أراد أن يمنحك أنت، يا فارس، مهمة العثور عليها. مهمة فهم معناها، وإعادة بناء العهد. لقد ترك لك درباً، وترك لك الألغاز لتجد الحل بنفسك."
صُدم فارس. لم يتوقع أبداً أن يكون والده هو من أخفى الجوهرة. كل شيء كان منطقياً الآن. لماذا لم يخبره والده؟
"لماذا لم يخبرني؟" سأل بصوت متهدج.
"لأن هذه المهمة لك وحدك، يا بني،" أجابت أمينة. "لقد أراد أن يراك قوياً، حكيماً، قادراً على تحمل هذه المسؤولية. لقد أراد أن تثبت لنفسك، وللأرض، أنك تستحق أن تحمل راية المجد."
جلست فارس صامتاً، يستوعب هذه الحقيقة. لم تكن مجرد مطاردة، بل كانت اختباراً. اختباراً من والده، ومن الأجداد. كان عليه أن يثبت أنه جدير بهذا الإرث.
"إذن، أين هي الجوهرة الآن؟" سأل فارس.
ابتسمت أمينة ابتسامة خفيفة. "ربما تكون الإجابة ليست في مكان بعيد، يا فارس. ربما تكون في مكان قريب جداً، في قلبك، وفي فهمك لمعنى العهد. والدك ترك لك دليلاً أخيراً."
قامت أمينة، وتوجهت إلى رف قديم، وأخرجت منه صندوقاً خشبياً مزخرفاً. كان الصندوق هو نفس الصندوق الذي كان والده يحتفظ به دائماً في مكتبه الخاص.
"هذا الصندوق،" قالت أمينة، "يحتوي على آخر رسالة من والدك لك، وعلى شيء آخر... شيء سيساعدك على إيجاد الجوهرة."
أخذ فارس الصندوق، وشعر بقلبه يخفق بقوة. كانت هذه هي اللحظة الحاسمة. كانت عودته إلى الماضي قد كشفت له الحقيقة، والآن، حان الوقت للانطلاق نحو المستقبل، مسلحاً بالفهم، والعزيمة، وحب والده الذي لا يموت.