الفصل 8 / 20

راية المجد

الفصل 9 — متاهة الجبال

بقلم محمد الفاروق

الفصل 9 — متاهة الجبال

كانت الشمس قد بدأت بالانحدار نحو المغيب، تلقي بظلال طويلة على قرية "وادي الزيتون". وقف فواز وفاطمة وأبو صالح، يحدقون في السلسلة الجبلية الشاهقة التي تقف كحارس صامت، تخفي في طياتها أسرار قلعة مهجورة. لم تكن مجرد جبال، بل كانت متاهة طبيعية، تتخللها أودية عميقة، وقمم صخرية، ودروب ضيقة بالكاد تسع لقدمين.

"هذا هو الطريق." قال أبو صالح، وهو يشير إلى مسار يكاد يختفي بين الأعشاب البرية. "إنه ليس طريقاً سهلاً، ولكنه الأقرب والأكثر أماناً. سنحتاج إلى المشي معظم الطريق. سياراتنا سنتركها هنا، خلف هذه التلال، لن تسترعي الانتباه."

شعر فواز برعشة تسري في جسده، لم تكن من البرد، بل من الإثارة والخوف. "كم يستغرق الوصول إلى القلعة؟"

"إذا سرنا بخطى ثابتة، فقد نصل قبل منتصف الليل. ولكن يجب أن نكون يقظين. الظلام في هذه الجبال يغير كل شيء."

بدأت فاطمة بتقييم ما تحمله. حقيبة صغيرة فيها الضروريات، وبعض الماء. كانت تشعر بأنها غير مستعدة لمثل هذه الرحلة القاسية، لكن صورة والدها كانت تدفعها للأمام. "هل سنكون بأمان؟" سألت بهدوء.

نظر إليها أبو صالح بتفهم. "سنكون بأمان طالما ظللنا معاً. وسأكون أنا عينكم وأذنكم. لدي خبرة في هذه الجبال."

بدأوا رحلتهم. كان أبو صالح يسير في المقدمة، بخطوات ثابتة ورشيقة رغم تقدمه في السن. كان يعرف كل صخرة، وكل شجرة، وكل منعطف. كان فواز يسير خلفه، فاطمة بينهما. كانت الصخور حادة، والتراب يتطاير مع كل خطوة. بدأت الشمس تغيب، وتلونت السماء بألوان برتقالية وحمراء، تبشر بقدوم الليل.

"علينا أن نتوقف للحظة." قال أبو صالح فجأة. "الظلام يقترب، ويجب أن نصل إلى مكان آمن للتخييم قبل أن يشتد الليل."

بحثوا عن مكان مناسب، فوجدوا كهفاً صغيراً، يوفر بعض الحماية من الرياح. أشعلوا ناراً صغيرة، لتضفي دفئاً وبصيص أمل في الظلام المتزايد. جلسوا حول النار، يتناولون بعض التمر والماء.

"هل لديك فكرة عن سبب وجود والدك هنا؟" سأل أبو صالح فواز.

"لا أعرف بالضبط. ولكن الحاج أحمد قال إنه ربما يتعلق بتجارة قديمة، أو بآثار. كان أبي يبحث عن طريقة لاستعادة أمجاد العائلة، ربما بشكل خاطئ."

"هذه المنطقة معروفة ببعض الآثار القديمة. وكان هناك دائماً من يسعى وراءها، بطرق مشروعة وغير مشروعة. ولكن ما يقلقني هو التحذير الذي تلقيته. 'احذروا الطمع'."

"هذا التحذير كان غامضاً جداً. لا أعرف إن كان يعني أن أبي طمع، أو أن هناك من طمع فيه." قال فواز، وهو ينظر إلى اللهب.

"كلتا الاحتمالين وارد. في هذه الأماكن، المال والسلطة يمكن أن يغيرا النفوس."

بدأت فاطمة تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها، رغم دفء النار. كانت تفكر في والدها. هل هو بخير؟ هل هو في خطر؟ هل هو من صنع هذا الخطر؟

"هل تعتقد أن هناك أشخاصاً آخرين في هذه الجبال الآن؟" سألت فاطمة.

"من الممكن. خاصة إذا كانت هناك أخبار عن كنز أو صفقة كبيرة. يجب أن نكون مستعدين لأي لقاء. ولكن هدفنا هو إيجاد والدك، وليس الدخول في صراعات."

استمروا في رحلتهم بعد أن خمدت النار. كانت الظلمة قد استولت على المكان بالكامل، ولم يعد يضيء سوى نور القمر الخافت، وضوء مصباح يدوي صغير حمله أبو صالح. كانت خطواتهم أبطأ، وأكثر حذراً. كانت الأصوات تبدو أعلى وأكثر غرابة في الظلام. صوت الرياح، وصوت حفيف الأشجار، وصوت صدى خطواتهم.

"اقتربنا." قال أبو صالح فجأة، بعد ساعات من المسير. "أرى ضوءاً خافتاً في الأعلى. أعتقد أنها القلعة."

ارتفعت آمالهم. نظروا إلى حيث أشار أبو صالح، ورأوا شكلاً غامضاً يتجسد في الظلام، قمة صخرية تعلوها بقايا بناء قديم. كانت تبدو وكأنها شبح عملاق في ليل الجبال.

"هل نذهب الآن؟" سأل فواز.

"لا. يجب أن نقترب بحذر. قد يكون هناك حراس. دعونا نتسلل. سنتوقف هنا، وسأذهب أنا لأستكشف المكان أولاً. ثم سنتبع إشارتي."

اختبأ فواز وفاطمة خلف صخرة كبيرة، بينما انطلق أبو صالح متسللاً نحو القلعة. مرت دقائق ثقيلة، بدت كأنها ساعات. كانت فاطمة تشعر بقلبها يكاد يخرج من صدرها.

فجأة، سمعت صوتاً خافتاً. كانت إشارة من أبو صالح. نهضوا، واتبعوا طريقه. كانوا الآن يقتربون من أسوار القلعة المهدمة. كانت القلعة قديمة جداً، حجارتها متآكلة، وأسوارها متهدمة في أماكن كثيرة. الهواء كان يحمل رائحة غريبة، مزيجاً من التراب والرطوبة.

"انظروا." همس أبو صالح، مشيراً إلى ضوء قادم من إحدى نوافذ القلعة. "هناك من بالداخل."

اقتربوا ببطء، متجنبين أي صوت. وصلوا إلى نافذة مكسورة، تسللوا منها بحذر شديد. وجدوا أنفسهم في غرفة واسعة، مهجورة، مليئة بالغبار. في وسط الغرفة، كانت هناك طاولة خشبية قديمة، عليها بعض الأوراق، وشمعة مضاءة.

"إنه أبي!" هتفت فاطمة بصوت خافت، وهي ترى رجلاً جالساً على الطاولة، ظهره إليهم، منهمكاً في قراءة الأوراق.

"انتظروا." همس فواز. "ربما ليس وحده."

نظروا بعناية، ورأوا رجلاً آخر يقف بجانب والد فاطمة، يتحدث إليه بصوت منخفض. كان وجه الرجل الآخر غامضاً، وملامحه غير واضحة في ضوء الشمعة الخافت.

"هذا الرجل لا أعرفه." قال فواز. "ليس من الرجال الذين يعملون مع أبي."

"يجب أن نعرف ما الذي يحدث." قال أبو صالح. "سأحاول الاقتراب أكثر."

اقترب أبو صالح بحذر، بينما بقيا فواز وفاطمة في الظل، مستعدين لأي شيء. سمعوا جزءاً من الحوار:

"الصفقة شبه مكتملة، يا أحمد." كان الرجل يتحدث. "المستثمرون راضون. المال سيصل قريباً."

"ولكن... هل أنتم متأكدون من أن هذه القطعة الأثرية لن تسبب لنا مشاكل؟" كان صوت والد فاطمة يبدو قلقاً.

"لا تقلق. كل شيء تم الترتيب له. هذه مجرد قطعة قديمة. لا أحد يهتم بها حقاً. والأهم هو المكاسب."

"ولكن.. سمعة العائلة..."

"سمعة العائلة ستبقى قوية عندما تكون الأموال في حساباتنا. فكر في المستقبل، يا أحمد. فكر في كل ما ستحصل عليه."

تجمد فواز في مكانه. "والد فاطمة اسمه أحمد؟" سأل أبو صالح بصوت خافت. "والحاج أحمد، جد فاطمة، اسمه أيضاً أحمد."

"نعم." أجاب فواز. "هناك خطب ما."

"يجب أن نفهم هذا." قال أبو صالح. "ولكن الآن، علينا أن نخرج من هنا دون أن نكتشف. يبدو أن والدك متورط في شيء أكبر مما كنا نظن."

كانت كلمات الرجل الغريب تثير الشكوك. "قطعة أثرية؟" تساءلت فاطمة. "هل أبي يتاجر في الآثار؟"

"يبدو ذلك." أجاب فواز بمرارة. "ولكن لماذا؟ ومن هو هذا الرجل؟"

"سنكتشف ذلك." قال أبو صالح. "الآن، دعونا نخرج."

خرجوا من النافذة بنفس الحذر الذي دخلوا به. عادوا إلى حيث تركوا حقائبهم. كان الظلام قد أصبح أعمق، والليل في ذروته.

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت فاطمة.

"يجب أن نعود إلى الحاج أحمد، ونخبره بكل ما رأيناه وسمعناه." قال فواز. "وأن نفكر في خطة لإيقاف هذه الصفقة، وإنقاذ والدك."

"ولكن، أين والدك؟ هل هو هنا؟"

"يبدو أنه هنا، ولكنه ليس بمفرده. ويقوم بعمل غير قانوني."

كانت هذه الليلة مليئة بالمفاجآت المروعة. لم يكن الأمر يتعلق فقط بإنقاذ والد، بل يتعلق بالكشف عن حقيقة قد تكون صادمة للعائلة بأكملها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%