الفصل 12 / 26

نجم الصحراء

الفصل 12 — ظل الماضي وهمسات الخيانة

بقلم محمد الفاروق

الفصل 12 — ظل الماضي وهمسات الخيانة

تسلل الغسق ببطء على واحة "العين الصافية"، مرسماً بألوانه القرمزية والبنفسجية لوحة بديعة على صفحة السماء. لكن جمال المنظر لم يكن كافياً ليبدد القلق الذي بدأ يتسلل إلى قلوب سكان الواحة. كانت الأنباء عن تحركات غريبة للقبائل المجاورة قد بدأت تنتشر كالنار في الهشيم، مصحوبة بقصص عن تجار غامضين يزورون مضارب الأعداء، وعن أسلحة جديدة لم يعهدوها من قبل.

كان بدر، الذي استمر في تدريب شبابه وزيادة قوتهم، يشعر بثقل هذه الأنباء. كانت رؤاه تزداد وضوحاً، لم تعد مجرد صور عابرة، بل أصبحت مشاهد شبه حقيقية لجنود يرتدون دروعاً داكنة، وسهاماً تحلق في الظلام. كان يدرك أن الخطر قريب، وأن ما كان يتوقعه بدأ يتجلى.

في إحدى الليالي، وبينما كان بدر يراقب النجوم من أعلى تلة مرتفعة، لمح وميضاً خافتاً في الأفق البعيد. لم يكن وميض نار عادية، بل كان متقطعاً، ومنظماً، كما لو أنه لغة سرية. استمر في المراقبة، وقلبه يدق بعنف. شعر بأن هذا الوميض يحمل رسالة، ولكنه لم يستطع فك رموزها.

عاد إلى خيمته، حيث كانت والدته فاطمة في انتظاره. كان وجهها يعكس قلقاً عميقاً، رغم محاولتها إخفاءه. "ماذا رأيت يا بني؟" سألت بصوت خفيض، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد.

"رأيت وميضاً في الأفق، يا أمي،" أجاب بدر، وشرح لها طبيعته. "لم يكن عشوائياً. كان منظماً، كأنه إشارة."

نظرت فاطمة إلى السقف الخشبي لخيمتها، ثم قالت: "في الصحراء، كل وميض له معنى. قد يكون إشارة للمساعدة، وقد يكون فخاً. ولكن وجوده في هذا الوقت بالذات، يعني أن هناك شيئاً ما يحدث."

كانت فاطمة تمتلك معرفة عميقة بتاريخ القبائل وعاداتها. كانت تعلم أن بعض القبائل كانت تستخدم إشارات ضوئية للتواصل في أوقات الحروب أو للتحذير. ولكن تنظيم الإشارات بهذه الطريقة كان يثير قلقها.

في تلك الأثناء، كان الشيخ سالم يجتمع سراً مع بعض الشيوخ الموثوقين به. كانت وجوههم تعكس قلقاً شديداً. "التجار الذين وصلوا بالأمس،" قال أحدهم، وهو رجل ذو لحية بيضاء كثيفة، "كانوا يحملون معهم قطعاً معدنية غريبة، لم أر مثلها من قبل. قالوا إنها من 'أرض بعيدة'، وأنها تزيد من قوة السهام."

أضاف شيخ آخر: "وسمعت همسات عن أن 'صقر الصحراء'، زعيم قبيلة 'الشوك الأسود'، قد أعلن عن تحالف جديد مع قبائل الشمال. وهو يجمع جيشاً قوياً."

كان اسم "صقر الصحراء" يثير الرعب في قلوب الكثيرين. كان معروفاً بقسوته، وبطموحه الجامح. كانت سمعته قد سبقته، وكان يعرف كيف يستغل نقاط ضعف الآخرين.

فكر الشيخ سالم في بدر. كان الشاب قد عاد محملاً ببعض الأسرار، وكان يتحدث عن خطر قادم، ولكنه لم يكشف عن طبيعته كاملة. هل كان ما يقوله صحيحاً؟ هل كان هذا الوميض الذي رآه بدر مرتبطاً بهذه التحركات؟

"علينا أن نتأكد من مصدر هذه الأنباء،" قال الشيخ سالم بحزم. "يجب أن نرسل جواسيسنا بحذر. لا يمكننا أن نقع فريسة للخوف أو للتضليل."

في يوم لاحق، بينما كان بدر يتفقد أطراف الواحة، وجد آثار أقدام غريبة لم يعهدها. لم تكن آثار جمال أو خيول، بل كانت آثار أحذية جلدية، تشبه تلك التي يرتديها التجار. تبع الآثار بحذر، وقادته إلى مخبأ صغير خلف بعض الصخور. وجد هناك عبوة جلدية صغيرة، وعندما فتحها، وجد بداخلها قطعة معدنية تشبه تلك التي وجدها سابقاً، ولكنها أكبر حجماً، وعليها نقوش مشابهة.

لم تكن قطعة معدنية عادية. كانت باردة الملمس، وثقيلة، وبدت وكأنها تحمل طاقة غريبة. شعر بدر بوخز خفيف في يده عند لمسها. عاد بها إلى فاطمة، التي نظرت إليها بدهشة.

"هذه... هذه مثل القطع التي تحدث عنها التجار الذين يبيعون أدوات الحرفيين القديمة،" قالت فاطمة. "يقولون إنها مصنوعة من معدن خاص، وأنها كانت تستخدم في صناعة السيوف القديمة لزيادة قوتها. ولكن لم أرها بهذه النقاء والجودة من قبل."

بدأت علامات استفهام كبيرة تتشكل في ذهن بدر. هل كانت القطع التي يجدها دليلاً على تهديد قادم؟ هل كانت هذه الأسلحة الجديدة هي ما رأته في رؤاه؟

في هذه الأثناء، بدأت تظهر بوادر الخلاف داخل الواحة. بعض الشيوخ، الذين لم يثقوا ببدر، بدأوا يتساءلون عن سبب تدريبه للشباب بهذه الشدة. "هل يجهزهم للحرب؟" كانوا يتساءلون. "هل يريد أن يفرض سيطرته؟"

كان "حارس الظل"، وهو رجل كان يكن ضغينة قديمة لبدر بسبب ما حدث في الماضي (سبب غير محدد بعد في الرواية)، يغذي هذه الشكوك. كان يتحدث مع الشيوخ المترددين، يذكرهم بغياب بدر الطويل، ويلمح إلى أن عودته قد لا تكون خالصة النوايا.

"الفتى عاد فجأة،" كان يقول بصوت خبيث. "ومن أين أتى بكل هذه المعرفة بالقتال؟ ومن أين له هذه الأسرار؟ علينا أن نكون حذرين. قد يكون هدفه أكبر من مجرد حماية الواحة."

كانت كلمات "حارس الظل" تقع على آذان بعض الشيوخ كالسم. كانوا يرون في بدر تهديداً لسلطتهم، وكانوا يفضلون التمسك بالوضع الراهن بدلاً من المخاطرة بالثقة في شاب يعتقدون أنه يحمل أجندة خفية.

شعر بدر بالضغوط تتزايد. لم يكن فقط يواجه تهديداً خارجياً، بل كان عليه أيضاً أن يصارع الشكوك والانقسامات الداخلية. كانت همسات الخيانة تتسلل بين جدران خيمته، وتلقي بظلالها على مستقبل الواحة. كان يعلم أن عليه أن يجد طريقة لكشف الحقيقة، ليس فقط عن الخطر القادم، بل أيضاً عن دوافع أولئك الذين يحاولون تقويض وحدته. كانت الصحراء تتغير، وكان عليه أن يتغير معها، وأن يجد القوة ليتجاوز ظلال الماضي، ويضيء الطريق نحو مستقبل آمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%