الفصل 10 / 24

عهد السلاطين

الفصل 10 — العرض الأخير

بقلم محمد الفاروق

الفصل 10 — العرض الأخير

عادت الأجواء في قصر الحمراء إلى التوتر الذي سبق عاصفةً وشيكة. كانت تقارير الاستخبارات تزداد سوءاً. جيوش قشتالة تتقدم، واقتربت من حدود مملكة غرناطة بشكلٍ لم يسبق له مثيل. كان السلطان أحمد، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، يجلس في مكتبه الخاص، تحيط به الخرائط والوثائق. كان يفكر بعمق في كل الخيارات المتاحة، وكان يعرف أن الوقت ينفد.

دخل الحاجب سليمان، وقد بدا عليه القلق. "مولاي، لقد تلقينا رداً رسمياً من مملكة ليون. إنهم يوافقون على إرسال سفيرٍ إلينا، ولكنه يطلب تأميناً قوياً على حسن نواياكم. كما يطلبون معلوماتٍ تفصيلية عن خططكم العسكرية."

"هذا جيد"، قال السلطان أحمد بصوتٍ خفيض. "على الأقل، لدينا فرصة. ولكن، هل لدينا معلوماتٌ عسكرية يمكننا مشاركتها؟"

"بعض المعلومات العامة يا مولاي. ولكن، لا شيء قد يكشف عن نقاط ضعفنا الحقيقية."

"افعل ما يلزم يا سليمان. أظهر لهم أننا جادون. ولكن، لا تكشف عن أسرار دفاعاتنا."

"وبالنسبة لعرض ألمرية؟" سأل سليمان.

تنهد السلطان أحمد، ونظر إلى صورته في مرآةٍ كبيرة. "لقد أصبحت الأمور معقدةً جداً. شائعات الخيانة لا تتوقف. هل نثق بهم؟ أم نضع أنفسنا في خطرٍ أكبر؟"

"لقد طلب أمير ألمرية لقاءً سرياً معك يا مولاي، خارج أسوار المدينة، في مكانٍ محايد."

"لقاءً سرياً؟" تعجب السلطان. "لماذا؟"

"يقول إنه يريد مناقشة تفاصيلٍ لا يمكن طرحها في العلن. ولكنه لم يحدد المكان أو الزمان."

"هذا يثير الشكوك يا سليمان. أخشى أن يكون هذا عرضاً خادعاً."

"ولكن، يا مولاي، ماذا لو كان صادقاً؟ إن قواته يمكن أن تكون حاسمة في هذه المعركة."

"أعلم. ولكن، أخشى أن يكون لديه أجندةٌ خفية."

في تلك اللحظة، دخل الأمير يوسف، وقد بدا عليه التصميم. "يا مولاي، لقد تحدثت مع بعض جواسيسنا في ألمرية. المعلومات التي لدي تدعم الشائعات. يبدو أن أمير ألمرية يجري مفاوضاتٍ سرية مع قشتالة. يريد أن يضمن موقعه بغض النظر عمن ينتصر."

ارتسمت صدمةٌ على وجه السلطان أحمد. "هل أنت متأكد يا يوسف؟"

"نعم يا مولاي. لقد أكد لي المصدر أن أمير ألمرية يرى أن هذه فرصته للتوسع. وهو مستعدٌ لبيعنا بثمنٍ بخس إذا لزم الأمر."

شعر السلطان أحمد ببرودةٍ تسري في جسده. لقد كانت هذه ضربةً قاصمة. "إذاً، فليكن. لن نثق في ألمرية. ولكن، لا يمكننا الاستغناء عن مساعدتهم العسكرية. علينا أن نلعب لعبةً خطرة."

"ماذا تقصد يا مولاي؟" سأل سليمان.

"سنقبل عرض ألمرية، ولكن بشروطٍ صارمة. وسوف نضع لهم جواسيسنا الخاصين، وسنكون على أهبة الاستعداد لأي خيانة. أما بالنسبة للقاء السري، فسوف أذهب إليه، ولكن مع حراسةٍ مشددة، وسوف نتخذ كافة الاحتياطات الأمنية."

"مولاي، هذا مخاطرةٌ كبيرة!" صاح الأمير خالد.

"كل شيءٍ في هذه الأوقات مخاطرة يا خالد. ولكن، يجب أن نواجه الخطر بشجاعة. إن لم نفعل، فسنخسر كل شيء."

أعدت الأميرة زينب، بمساعدة خادماتها، ملابس بسيطة للسلطان، تخفي هويته قدر الإمكان. كانت ليلى، وقد علمت باللقاء، قد قدمت لوالدها قلادةً فضيةً صغيرة، كانت هديةً من جدتها.

"يا أبي"، قالت ليلى بصوتٍ مرتجف. "أتمنى أن تعود سالماً. هذه القلادة، أتمنى أن تجلب لك الحظ."

قبل السلطان أحمد رأس ابنته، وقال بحنان: "شكراً لكِ يا ابنتي. سأحتفظ بها دائماً."

في منتصف الليل، انطلق السلطان أحمد، برفقة الحاجب سليمان، وقائد الحرس الخاص، وعدد قليل من الجنود، متخفين، نحو المكان الذي حدده أمير ألمرية. كانت السماء ملبدةً بالغيوم، ولم يكن هناك قمر. كان الظلام يوحي بالخطر.

وصلوا إلى مكانٍ مهجورٍ على مشارف المدينة. كان هناك ضوءٌ خافتٌ يأتي من كهفٍ صغير. اقتربوا بحذر.

"مولاي، يبدو أن أمير ألمرية ينتظرنا"، قال سليمان بصوتٍ خافت.

"كن على أهبة الاستعداد"، أمر السلطان.

دخل السلطان أحمد، برفقة قائده، إلى الكهف. كان أمير ألمرية، رجلٌ ضخم الجثة، ذو وجهٍ قبيح، ينتظره. بدا عليه الغضب والغطرسة.

"تأخرت يا سلطان غرناطة"، قال أمير ألمرية بصوتٍ أجش.

"كنت أريد أن أتأكد من أنني آتٍ بمفردي"، أجاب السلطان بهدوء. "فلا أثق بأحدٍ هذه الأيام."

"هذا جيد. لأنني أيضاً لا أثق بأحد."

"ماذا تريد يا أمير؟" سأل السلطان.

"أريد غرناطة"، قال أمير ألمرية بابتسامةٍ ماكرة. "أريد أن أكون حاكم الأندلس بأكملها. قشتالة قوية، ولكنها لا تستطيع أن تهزمنا وحدنا. ولكن، إذا تعاونا، يمكننا أن نقسم الأندلس بيننا."

"تقسم الأندلس؟" تعجب السلطان. "وهل نسيت كل ماضينا؟ كل حضارتنا؟"

"الماضي للقصص يا سلطان. المستقبل للطموح. أنا أريد أن أكون قوياً. وقشتالة، في الوقت الحالي، هي أقوى قوة. إذا تعاونت معهم، يمكنني أن أحصل على ما أريد."

شعر السلطان أحمد بالغضب، ولكنه كتمه. "إذاً، فخيانتي هي عرضك؟"

"ليس خيانة، بل تحالفٌ استراتيجي. أنت بحاجةٍ إلى المساعدة، وأنا أحتاجها أيضاً. ولكن، أنا أريد أن أضمن أنني سأحصل على نصيبي الأكبر."

"لن أفعل ذلك أبداً"، قال السلطان بثبات. "لن أسلم أمتي لمن يبيعها لمن يريد تدميرها."

"إذاً، فالنصر لقشتالة"، قال أمير ألمرية بابتسامةٍ واسعة. "ولكن، لا تقلق. سأبذل قصارى جهدي لأضعك في منصبٍ محترمٍ تحت حكم قشتالة. ربما سيسمحون لك بالبقاء كسلطانٍ اسمي."

"لن أكون عبداً لأحد"، قال السلطان أحمد، وقد اختلط صوتُه بالغضب والحزن. "سوف ندافع عن غرناطة حتى آخر قطرة دم. وسنرى من الذي سيضحك في النهاية."

ترك السلطان أحمد الكهف، وقد اتخذ قراره النهائي. لم يكن هناك مجالٌ للشك. ألمرية كانت خائنة، وكان عليهم أن يستعدوا للقتال بمفردهم.

عند عودته إلى القصر، اجتمع بالسلطان بالمستشارين. "يا سادة"، قال بصوتٍ فيه عزيمةٌ لا تعرف الكلل. "لقد تأكدت. ألمرية تخوننا. لن نعتمد عليهم. سوف نواجه قشتالة بقواتنا، وبإيماننا، وبالتحالف الذي سنعقده مع ليون. سوف نقاتل من أجل الأندلس، من أجل شرفنا، من أجل مستقبل أبنائنا."

كانت العيون تتطلع إليه، وقد اختلط الخوف بالعزيمة. لقد كان العرض الأخير قد تم تقديمه، وكان الرد عليه هو الاستعداد للمعركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%