الفصل 11 / 24

عهد السلاطين

بالتأكيد، إليك الفصول من 11 إلى 15 من رواية "عهد السلاطين":

بقلم محمد الفاروق

بالتأكيد، إليك الفصول من 11 إلى 15 من رواية "عهد السلاطين":

الفصل 11 — همساتٌ في سراديب القلعة

كانت ظلمة سراديب قلعة "المرابطين" تتسلل إلى روح فخر الدين، تحمل معها برودة لا تشبه برودة الحجر، بل برودة شعورٍ غامضٍ بالإثم. استيقظ على وقع خطواتٍ خفيةٍ تقترب، وصوتٍ مكتومٍ يتردد كأنه صدىً من ماضٍ سحيق. نهض فخر الدين بسرعة، متسلحًا بالسيف الذي لم يفارقه يومًا، وعيناه تبحثان في العتمة عن مصدر الصوت. كان الضوء الوحيد الذي يرتعش في الأفق هو شعلةٌ خافتةٌ يحملها ظلٌ بشريٌّ يتقدم بحذر.

"من هناك؟" نادى فخر الدين بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا، لكن ارتعاشةً خفيفةً خانته.

توقف الظل، ثم تقدم ببطءٍ أكبر. انحسر ضوء الشعلة قليلًا ليكشف عن وجهٍ عجوزٍ، محفورٍ على جبينه خطوط الزمن، وتلمع في عينيه نظرةٌ قديمةٌ، مزيجٌ من الحكمة والقلق. كان الرجل هو "الحكيم بدر"، كبير مستشاري الأمير الراحل، والذي اختفى منذ زمنٍ طويلٍ بعد الأحداث الأخيرة.

"لا تخف يا فخر الدين،" قال الحكيم بدر بصوتٍ هادئٍ، لكنه كان يحمل نبرةً ثقيلةً بالأسرار. "إنني هنا لأحدثك، ولأكشف لك ما دفنته الأيام."

اقترب الحكيم بدر، وجلس فخر الدين أمامه على حجرٍ باردٍ. كانت رائحة التراب والرطوبة تملأ المكان، ممزوجةً بعبيرٍ خفيفٍ من البخور القديم الذي يبدو أن الحكيم بدر قد أحضره معه.

"أين كنت يا حكيم؟" سأل فخر الدين، وقد زال بعضٌ من خوفه ليحل محله فضولٌ عميق. "لقد ظننا أنك رحلت عنا إلى الأبد."

تنهد الحكيم بدر، وأشعل فتيل شمعةٍ صغيرةٍ وضعت بجانبه، لتنير وجهيهما في دائرةٍ ضيقةٍ من الضوء. "لقد كنت أراقب، يا بني. أراقب من الظل، وأستمع إلى الهمسات. لم يكن لديَّ الوقت المناسب لأظهر، ولم تكن الظروف مواتيةً للكشف عن الحقيقة. لكن الآن، وقد بدأت خيوط المؤامرة تنسج نفسها من جديد، أصبح واجبي أن أتحرك."

"مؤامرة؟" كرر فخر الدين، وقلبه يخفق بقوة. "ما الذي تتحدث عنه يا حكيم؟"

"الحديث هنا ليس عن مكائد الأعداء الخارجيين فحسب، يا فخر الدين. بل عن خيانةٍ غائرةٍ، عن طعناتٍ في الظهر أتت ممن كنا نظنهم أقرب الناس إلينا. تذكر ذلك اليوم الذي استشهد فيه والدك، الأمير سيف الدين؟"

أومأ فخر الدين، وشعورٌ بالمرارة انتابه. "نعم، لا أنساه أبدًا. كانت وقعةً أليمةً، وخسارةً فادحةً للمملكة."

"كانت تلك الـ'وقعة' مدبرةً بعنايةٍ فائقة،" قال الحكيم بدر، وكلماته كانت تنساب كالسهم. "لم تكن شهادته نصرًا للأعداء، بل كانت نتيجةً لخيانةٍ داخليةٍ جسيمة. رجلٌ وثق به والدك، رجلٌ كان يضع أكاليل النصر على رأسه، هو من باعه للأعداء بمالٍ قليلٍ ووعودٍ واهية."

اتسعت عينا فخر الدين دهشةً وغضبًا. "من تقصد يا حكيم؟ تكلم بوضوح!"

"إنه الوزير 'غالب'،" أجاب الحكيم بدر، وصوته هذه المرة كان يحمل قسوةً لم يعتدها فخر الدين من هذا الرجل الهادئ. "نفس الرجل الذي يقف الآن بجانبك، يزين لك دروب الحكم، ويطالب بحقوقك. لقد كان هو العقل المدبر وراء مقتل الأمير سيف الدين. لقد تلاعب بالأحداث، وزود الأعداء بمعلوماتٍ حيويةٍ، كل ذلك ليضعف الدولة ويحكمها من وراء الستار."

شعر فخر الدين وكأن الأرض تميد به. الوزير غالب؟ الرجل الذي كان يدعمه، الرجل الذي أظهر له كل الولاء؟ كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟

"لكن… كيف؟ ولماذا؟" تمتم فخر الدين، وعقله يعجز عن استيعاب هذه الحقيقة الصادمة.

"لقد طمع في السلطة، يا بني. أراد أن يكون هو الحاكم الفعلي، وأن يجعل منك مجرد واجهةٍ. بعد استشهاد والدك، سعى لتقويض أي فرصةٍ لك في إثبات جدارتك، ونشر الشكوك حول قدرتك على الحكم. وقد نجح في ذلك كثيرًا، حتى أصبحت الأمور كما تراها الآن."

"ولماذا لم تظهر أنت في الوقت المناسب؟" سأل فخر الدين، وقد بدأ يستوعب خيوط المؤامرة. "لماذا تركت كل هذا يحدث؟"

"لقد كنت أجمع الأدلة، يا فخر الدين. كنت أبحث عن الحقيقة الكاملة، عن كل من تورط في هذه الخيانة. لقد كان غالب ذكيًا، وكان يحيط نفسه بظلالٍ كثيرة. لقد اضطررت للاختباء، لحماية نفسي ولحماية الأدلة التي جمعتها. لقد كان الأمر أشبه بلعبة شطرنجٍ خطيرة، حيث كل خطوةٍ محسوبةٌ وكل حركةٍ يمكن أن تكون الأخيرة."

"وماذا عن ألمرية؟" سأل فخر الدين، متذكرًا التهديد القادم. "هل لهذا كله علاقةٌ بما يحدث الآن؟"

"بالتأكيد،" أكد الحكيم بدر. "إن هجوم ألمرية ليس مجرد رغبةٍ في الاستيلاء على أرضٍ جديدة. إنه جزءٌ من خطة غالب الأكبر. لقد عقد صفقاتٍ سريةٍ مع قادة ألمرية، ووعدهم بتسهيل دخولهم إلى بلادنا مقابل أن يضمنوا له البقاء في السلطة بعد سقوطي وسقوطك. لقد أصبحت أنت الآن عقبةً في طريقه، ووجودك كأميرٍ قويٍّ ومحبوبٍ لدى الشعب يهدد مصالحه."

شعر فخر الدين بثقلٍ جديدٍ يقع على كتفيه. لم تكن المعركة مع ألمرية معركةً تقليديةً، بل كانت جزءًا من صراعٍ أعمق وأكثر شراسةً.

"وماذا تريد مني الآن يا حكيم؟" سأل فخر الدين، وقد استعاد رباطة جأشه.

"أريدك أن تستعيد حقك، وأن تنتقم لوالدك، وأن تحمي مملكتك من هذه الخيانة. لقد جمعت لك الأدلة التي تثبت تورط غالب. لديَّ رسائلٌ موقعةٌ منه، وشهاداتٌ من بعض الجواسيس الذين تمكنت من كسب ولائهم. هذه الأدلة كافيةٌ لقلب الطاولة عليه، لكنها تحتاج إلى قوةٍ وشجاعةٍ منك لتستخدمها."

مد الحكيم بدر يده إلى جرابٍ جلديٍّ قديمٍ كان مربوطًا بحزامه. أخرج منه حزمةً من الأوراق المغبرة، مختومةً بالشمع الأحمر.

"هذه هي الحقيقة، يا فخر الدين. هذه هي الأسلحة التي ستحارب بها أشد أعدائك. كن حذرًا، فإن غالب لا يرحم، وسيفعل أي شيءٍ ليبقي على عرشه. لا تثق بأحدٍ ممن حوله، ولا تكشف عن خطتك إلا لمن تثق بهم ثقةً عمياء."

أخذ فخر الدين الأوراق، وشعر ببرودةٍ تسري في يديه. كانت هذه الأوراق أثقل من أي سيفٍ حمله. كان يعلم أن هذه اللحظة هي نقطة التحول، وأن مساره قد تغير إلى الأبد.

"سأفعل ما يجب فعله، يا حكيم،" قال فخر الدين، وقد ارتسم على وجهه تصميمٌ صلبٌ. "لن أسمح لهذه الخيانة أن تدمر مملكتنا، ولن أدع ذكرى والدي تذهب سدى."

ابتسم الحكيم بدر ابتسامةً خفيفة، لكنها كانت تحمل الكثير من الأمل. "أعلم ذلك يا بني. لقد رأيت في عينيك نفس الشجاعة والعزيمة التي رأيتها في عين الأمير سيف الدين. أنت الأمل الوحيد لهذه البلاد."

وقفا معًا، والحكيم بدر يشير إلى نفقٍ جانبيٍّ لم يلاحظه فخر الدين من قبل. "هذا النفق يؤدي إلى خارج أسوار القلعة. اخرج منه، واذهب لمقابلة 'الشيخ سالم'، زعيم قبيلة 'الرمال الذهبية'. لقد أقسمت له بالولاء، وهو مستعدٌ لتقديم المساعدة لك. أخبره أنني أرسلتك، وأن الوقت قد حان."

"الشيخ سالم؟" قال فخر الدين. "لقد سمعت عنه، لكنني لم ألتق به قط."

"إنه رجلٌ شريفٌ، وذو كلمة. سيساعدك في جمع القوات، وفي مواجهة غالب. والآن، اذهب، ولا تضيع الوقت. الأيام القادمة ستكون حاسمة."

نظر فخر الدين إلى الحكيم بدر، ثم إلى الأوراق في يده، ثم إلى الظلام الذي يكتنف الممر. كان يشعر بمزيجٍ من الخوف والرجاء، من الثقل والمسؤولية. لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا على وجه اليقين: لم يعد هناك مجالٌ للتراجع. رحلةٌ جديدةٌ، أكثر خطورةً وصعوبةً، قد بدأت للتو في سراديب القلعة المظلمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%