الفصل 12 / 24

عهد السلاطين

الفصل 12 — لقاءٌ تحت النجوم

بقلم محمد الفاروق

الفصل 12 — لقاءٌ تحت النجوم

انطلق فخر الدين في النفق الذي أشار إليه الحكيم بدر. كان الظلام يلتف حوله كالكفن، والصمت يثقل الآذان، لا يكسره سوى صوت أنفاسه المرتعشة ووقع خطواته على الأرض الرطبة. كانت رائحة التراب القديم تختلط برائحةٍ غامضةٍ، كأنها رائحة الزمن نفسه، رطبةٌ ومثقلةٌ بأسرارٍ لا حصر لها. في كل خطوةٍ كان يشعر بأنه يدخل إلى عالمٍ آخر، عالمٍ أبعد ما يكون عن أسوار القلعة المعهودة، عالمٍ يحمل معه تهديدًا غامضًا وقدرًا مجهولًا.

بعد مسافةٍ بدت وكأنها دهور، بدأ الضوء الخافت يتسرب من نهاية النفق. كان ضوء النجوم، يتلألأ كالجواهر في سماءٍ صافيةٍ. تقدم فخر الدين بحذر، حتى خرج أخيرًا إلى فضاءٍ مفتوحٍ، تتخلله نسمةٌ باردةٌ حملت معها عبق الصحراء. لقد وصل إلى خارج أسوار "المرابطين"، في منطقةٍ نائيةٍ، بعيدًا عن أعين الحراس والجواسيس.

كانت الصحراء تمتد أمامه في امتدادٍ لا نهاية له، تضيئها أشعة القمر الفضية. بدا كل شيءٍ هادئًا، لكن فخر الدين كان يعلم أن هذا الهدوء هو مجرد غطاءٌ يخفي تحته عواصف وأحداثًا قادمة. كانت النجوم ترشده، كأنها عين السماء تراقب رحلته.

لم تمضِ دقائق حتى لمح في الأفق خيامًا قليلة، متناثرةً على رمال الصحراء كأنها زهورٌ بريةٌ. اقترب فخر الدين، وقلبه يعتصر من مزيجٍ من الترقب والحذر. لقد وصل إلى المكان الذي حدده له الحكيم بدر للقاء الشيخ سالم.

عندما اقترب أكثر، رأى رجلًا طويل القامة، يقف أمام إحدى الخيام، تتخلل خصلات شعره البياض، وتغطي وجهه تجاعيدٌ عميقةٌ، تحكي قصة حياةٍ مليئةٍ بالصراعات والحكمة. كان هذا هو الشيخ سالم، زعيم قبيلة "الرمال الذهبية". بدا وكأنه منحوتٌ من رمال الصحراء نفسها، قويًا وثابتًا.

"أنت هو فخر الدين؟" سأل الشيخ سالم بصوتٍ جهوريٍّ، خالٍ من أي تردد.

أومأ فخر الدين، وشعر بارتياحٍ غريبٍ لوجود هذا الرجل. "نعم، أنا هو. لقد أرسلني الحكيم بدر."

"الحكيم بدر رجلٌ أقدره وأحترمه،" قال الشيخ سالم، وهو يقترب من فخر الدين. "وله كلمته معي. لقد أخبرني بما سيحدث، وبما تحتاج إليه. تفضل، تعال إلى الخيمة. لا يليق بنا أن نقف تحت السماء نتحدث في أمورٍ كهذه."

دعاه الشيخ سالم إلى الخيمة، حيث كانت رائحة القهوة العربية تفوح. استقبله بخبزٍ ساخنٍ وتمرٍ حلوٍ. جلسا على سجادٍ تقليديٍّ، ودار بينهما حديثٌ طويلٌ تحت ضوءٍ خافتٍ من الفوانيس.

"لقد سمعت عن والدك، الأمير سيف الدين،" قال الشيخ سالم، وهو يرتشف من فنجان قهوته. "كان حاكمًا عادلاً، ورجلًا شجاعًا. خسارته كانت كبيرةً على بلادنا. ولكن، كما يقول المثل: 'الأرض لا تبقى بلا راعٍ'."

"لقد تعرض للخيانة، يا شيخ سالم،" قال فخر الدين، وبدأ يشرح ما سمعه من الحكيم بدر. روى له قصة الوزير غالب، وصفقته المشبوهة مع أعداء المملكة، وخيانته لوالده. كل كلمةٍ كانت تخرج من فمه تحمل وزنًا أثقل، وثقلًا أكبر مع كل تفصيلٍ يكشفه.

استمع الشيخ سالم بتركيزٍ شديدٍ، وعلامات الغضب بدأت تظهر على وجهه. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ حادٍّ، كأنها تجسيدٌ لغضب الصحراء.

"غالب؟ ذلك الثعبان الملتوي؟" قال الشيخ سالم، وصوته يحمل نبرةً من الازدراء. "لطالما شككت في نواياه. لقد رأيت كيف يداعب السلطة، وكيف يتاجر بالضعفاء. لم أكن أعرف أن خيانته تصل إلى هذا الحد. أن يبيع دماء أميرٍ لعدوه… هذا أمرٌ لا يغتفر."

"لقد أعطاني الحكيم بدر أدلةً تثبت تورطه،" قال فخر الدين، وهو يخرج حزمة الأوراق من جرابه. "لكنني أحتاج إلى دعمكم، يا شيخ سالم. أحتاج إلى جيشٍ قويٍّ يواجه هذه الخيانة، ويستعيد الحق لأهله."

نظر الشيخ سالم إلى الأوراق، ثم إلى فخر الدين. "الأدلة وحدها لا تكفي أحيانًا، يا فخر الدين. القوة هي لغةٌ يفهمها أمثال غالب. قبائلنا في الصحراء، على الرغم من أنها لا تحكم المملكة، إلا أنها تملك قوةً لا يستهان بها. لقد عانت من ظلم الحكام، ومن فسادهم. ورجالنا مستعدون للوقوف مع الحق، ومع من يدافع عن كرامة البلاد."

"وكم عدد الرجال الذين يمكنك حشدهم؟" سأل فخر الدين، وبدأت بذور الأمل تنمو في قلبه.

"قبيلة 'الرمال الذهبية' وحدها تضم مئات المقاتلين الأشداء،" أجاب الشيخ سالم. "وإذا أضفت إليهم قبائل 'الواحة الخضراء' و'جبال الظلال'، التي تربطني بها علاقاتٌ قديمةٌ، يمكننا جمع جيشٍ لا يستهان به. لكننا نحتاج إلى قيادةٍ واضحةٍ، وإلى هدفٍ نبيلٍ. والأهم من ذلك، نحتاج إلى أن يرى الشعب أنك الأحق بالعرش، وأنك تقف في وجه الظلم."

"لقد بدأت في التفكير في كيفية كسب ولاء الشعب،" قال فخر الدين. "ولكن أولًا، يجب أن نواجه غالب، وأن نكشف عن وجهه الحقيقي. يجب أن نخبر الشعب بالخيانة التي تعرضت لها المملكة."

"هذا هو عين العقل،" وافق الشيخ سالم. "ولكن تذكر، يا فخر الدين، أن غالب ليس عدوًا ضعيفًا. إنه يملك السلطة، ويملك الحرس، ويملك المال. يجب أن تكون خطوتك الأولى محسوبةً بدقة. إذا فشلت، ستكون الخسارة فادحة."

"أنا أدرك ذلك،" قال فخر الدين. "ولكنني لن أستسلم. والدتي، الأميرة 'ليلى'، لا تزال محتجزةً في القلعة. لقد وعدت نفسي بأنني سأحررها، وأنني سأعيد الحق لأهلها."

تغيرت ملامح الشيخ سالم، حيث تراءت عليه علامات الرحمة. "الأميرة ليلى… امرأةٌ قويةٌ وصابرة. لقد سمعت عن صمودها. لا تقلق، يا فخر الدين. سنحررها. سنعيد كل شيءٍ إلى مكانه الصحيح."

"ولكن كيف سنبدأ؟" سأل فخر الدين. "ألمرية تقترب، وغالب مستعدٌ للتحرك."

"بالفعل،" أكد الشيخ سالم. "لذلك، يجب أن نتحرك بسرعة. سأقوم بجمع زعمائنا في الأيام القادمة، وسأخبرهم بخطتنا. وسأحاول نشر كلمةٍ بين الناس، بأن الأمير فخر الدين هو الأمل الجديد للمملكة. لكنك تحتاج إلى أن تقوم بشيءٍ يثبت للناس قوتك وجدارتك. شيءٌ يظهر لهم أنك وريثٌ شرعيٌّ للأمير سيف الدين."

فكر فخر الدين في الأمر. كان يفكر في عرض ألمرية، في الابتزاز الذي قدمه لهم غالب. ربما كان هناك حلٌّ آخر.

"ماذا لو… ماذا لو استطعت أن أواجه عرض ألمرية بنفسي؟" قال فخر الدين، مفكرًا بصوتٍ عالٍ. "ماذا لو استطعت أن أرفض هذا العرض، وأن أثبت أنني لن أبيع أرض بلادي؟"

"هذه فكرةٌ جريئة،" قال الشيخ سالم، وهو ينظر إلى فخر الدين بتقدير. "ولكنها خطيرةٌ جدًا. غالب قد يستخدم هذا ضدك."

"لا،" قال فخر الدين، وقد لمعت عيناه بتصميم. "بل قد يستخدمه هذا لصالحه. إذا أظهرت أنني قويٌّ، وأنني لا أخشى ألمرية، فإن ذلك سيغير نظرة الناس إليّ. وسيجعل غالب يضطر إلى التحرك بسرعةٍ أكبر، وربما يرتكب خطأً."

"هذا احتمالٌ وارد،" قال الشيخ سالم. "ولكن يجب أن تكون مستعدًا لكل شيء. إذا ذهبت إلى القلعة لمواجهة ممثلي ألمرية، يجب أن تكون معك قوةٌ تحميك، وقوةٌ تظهر قوتك. ربما يمكننا أن نرافقك ببعض رجالنا، متخفين، ولكن كافين لتأمين سلامتك."

"هذا سيكون رائعًا،" قال فخر الدين. "ولكن الأهم هو أن نبدأ بتجهيز جيشنا. أريد أن أكون مستعدًا عندما يأتي الوقت المناسب. أريد أن أحمي بلادي، وأن أستعيد حقي."

تحدثا حتى حل الصباح، وبدأت الشمس ترسل خيوطها الأولى عبر الصحراء. ودع فخر الدين الشيخ سالم، وهو يحمل معه أملًا جديدًا، ووعدًا بالدعم. كانت رحلته قد بدأت للتو، وكانت النجوم ترشده نحو مصيرٍ لم يكن يعلمه، ولكنه كان على استعدادٍ لمواجهته بكل ما أوتي من قوة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%