الفصل 13 / 24

عهد السلاطين

الفصل 13 — غدرٌ في قاعة العرش

بقلم محمد الفاروق

الفصل 13 — غدرٌ في قاعة العرش

عادت رائحة البخور القوي وعبق الزهور الفاخرة إلى قاعة العرش، ممزوجةً بالتوتر الذي بدأ يتصاعد كالدخان. جلس فخر الدين على العرش، وقلبه يخفق بقوةٍ، ليس من رهبة المكان، بل من ثقل المسؤولية التي أصبحت تقع على عاتقه. كان يتذكر والده، الأمير سيف الدين، وهو يجلس على نفس العرش، مفعمًا بالحكمة والشجاعة. كان يشعر بوجوده، كأنه ظلٌّ يحثه على الثبات.

كان الوزير غالب يقف بجانبه، يرتدي أفضل ما لديه من ثياب، ووجهه يبتسم بابتسامةٍ براقةٍ تخفي وراءها غدرًا عميقًا. كانت عيناه تراقبان فخر الدين بحذر، كأنه يخشى أن يكشف شيءٌ ما.

"يا صاحب السمو،" قال غالب بصوتٍ مهدئ، "إننا في لحظةٍ تاريخية. هذه هي فرصتك لتظهر للعالم أنك قادرٌ على قيادة هذه المملكة. ألمرية تنتظر ردك. يجب أن تظهر قوتك، وأن تتخذ القرار الصحيح."

كان ممثلو ألمرية، الذين وصلوا في اليوم السابق، يجلسون في الصفوف الأمامية، وجوههم جامدةٌ، وقلوبهم تترقب. كانوا يمثلون تهديدًا صريحًا، لكن فخر الدين كان يعلم أن الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج، بل من داخل هذه القاعة، من الرجل الواقف بجانبه.

"لقد درست عرضكم،" قال فخر الدين، وكلماته كانت مدروسةً بعنايةٍ، وهو يقلد هدوء والده. "وأنا أقدر صراحتكم في تقديم هذا العرض."

كان غالب يبتسم، وهو يظن أن فخر الدين سيقبل العرض. لكن فخر الدين كان يرى في عينيهما بريقًا من الانتصار المزعوم.

"ومع ذلك،" تابع فخر الدين، "لا يمكنني قبول عرضكم."

تجمد وجه غالب. اختفت الابتسامة، وحلت محلها علامات الذهول والغضب المكبوت. لم يكن يتوقع هذا.

"ماذا؟" قال غالب، بصوتٍ يحاول أن يبدو مستنكرًا، لكنه كان يحمل نبرةً حادةً. "يا صاحب السمو، هل أنت متأكدٌ مما تقول؟ هذا العرض فرصةٌ لا تعوض! إنهم يقدمون لك الكثير من المال، مقابل جزءٍ بسيطٍ من أرضنا!"

"أرضنا ليست للبيع، يا وزير غالب،" قال فخر الدين، وقد ارتفع صوته قليلًا، وهو ينظر مباشرةً إلى غالب. "إنها أمانةٌ في أعناقنا، ولن نتنازل عنها أبدًا. إن استقلال مملكتنا وكرامتها أغلى من أي كنزٍ في العالم."

كانت نظرات ممثلي ألمرية تتغير. لقد كانوا يتوقعون ضعفًا، فإذا بهم يرون قوة.

"إذاً، هل ترفض العرض بشكلٍ قاطع؟" سأل ممثل ألمرية الرئيسي، وهو رجلٌ ذو لحيةٍ كثيفةٍ، وعينين ثاقبتين.

"نعم، أرفضه،" قال فخر الدين، وقد انتصب ظهره. "ولن نرضخ للتهديدات، ولن نبيع مبادئنا. إننا شعبٌ حرٌّ، وسنقاتل من أجل حريتنا، ومن أجل أرضنا."

كانت القاعة تسودها لحظةٌ صمتٍ مطبق. كان غالب يحاول استيعاب ما حدث. لقد كان متأكدًا من أن فخر الدين سيقبل العرض، وأن هذا سيمنحه فرصةً لاتهامه بالخيانة والضعف.

"ولكن، يا صاحب السمو،" قال غالب، وهو يحاول استعادة رباطة جأشه، "إذا كنت ترفض عرضهم، فماذا عن حماية حدودنا؟ ألمرية قوةٌ لا يستهان بها. كيف سنواجههم؟"

"سنواجههم بقوتنا، يا وزير غالب،" قال فخر الدين، وهو يشعر بأن كل كلمةٍ يلفظها تزيد من قوة موقفه. "سنواجههم بشجاعتنا، وبإيماننا بقضيتنا. وسأقود بنفسي جيشنا للدفاع عن كل شبرٍ من أرضنا."

رفع فخر الدين يده، وأشار إلى حزمة الأوراق التي كانت على الطاولة. "ولكي لا يكون هناك شكٌ في نواياكم، ولتكون هذه اللحظة شاهدةً على صدقنا، أعلن أننا لن نمنحكم أي شيء. وستجدون أنفسكم في مواجهة شعبٍ لن يرضخ."

كانت كلمات فخر الدين قويةً، تحمل ثقلًا لم يكن غالب يتوقعه. لقد شعر بأن خطته قد بدأت تنهار.

"يا صاحب السمو،" قال غالب، وهو يحاول أن يبدو هادئًا، "أعتقد أنك تتخذ قرارًا متسرعًا. ربما يجب أن نفكر أكثر في الأمر."

"التفكير قد فات، يا وزير غالب،" قال فخر الدين، وقد لمعت عيناه ببريقٍ من التحدي. "لقد اتخذت قراري. وكلمتي هي كلمةٌ نهائية."

نهض فخر الدين من العرش، والتفت إلى ممثلي ألمرية. "عليكم المغادرة، وإبلاغ قادتكم بأننا لن نخاف، ولن نرضخ. إذا كنتم تسعون للحرب، فالحرب ستكون نهايتكم."

بدا ممثلو ألمرية يشعرون بأنهم قد فقدوا فرصتهم. نظروا إلى غالب، الذي كان وجهه عابسًا، ثم إلى فخر الدين، الذي كان يقف بثباتٍ كالجبل.

"كما تشاء، يا صاحب السمو،" قال ممثل ألمرية الرئيسي، وهو ينهض. "لكن تذكر، أنك قد أعلنت الحرب."

خرج ممثلو ألمرية، ومعهم شعورٌ بأنهم قد أخطأوا في تقدير هذا الشاب.

عندما غادر آخر ممثلٍ لألمرية، التفت فخر الدين إلى الوزير غالب. كان غالب يقف هناك، وجهه شاحبٌ، وعيناه تطلقان شررًا.

"لقد أخطأت في تقديري يا فخر الدين،" قال غالب ببرودٍ قاتل. "ظننتك طفلًا يمكن التلاعب به. لكنك أثبت أنك تحمل دماء والدك، الشجاعة والعناد."

"لم أكن طفلًا يومًا، يا وزير غالب،" قال فخر الدين، وقد اقترب منه. "ولم أكن سأسمح لك بأن تستغل ضعفي. لقد عرفت الحقيقة. لقد عرفت أنك أنت من بعت والدي للأعداء."

تجمد غالب. كانت عيناه تتسع دهشةً ورعبًا. لقد ظن أن سريته آمنة.

"ما الذي تتحدث عنه؟" قال غالب، محاولًا أن يبدو بريئًا.

"أتحدث عن الخيانة، يا وزير غالب،" قال فخر الدين، وقد أخرج حزمة الأوراق من جيبه. "أتحدث عن الرسائل التي كتبتها، وعن الأموال التي تلقيتها. أتحدث عن مؤامرتك لقتل والدي، وللسيطرة على هذه المملكة."

كان غالب ينظر إلى الأوراق، ثم إلى فخر الدين، كأنه يرى شبحًا.

"هذه… هذه أكاذيب!" صرخ غالب، لكن صوته كان يرتجف.

"إنها الحقيقة،" قال فخر الدين. "وقد جمعت الأدلة الكافية لإثباتها. لقد كان الحكيم بدر دائمًا على حق. لقد كان يراقبك، ويجمع الأدلة ضدك."

"الحكيم بدر؟" تمتم غالب. "لقد ظننت أنه مات."

"لم يمت،" قال فخر الدين. "بل كان يخطط، وينتظر الوقت المناسب. والوقت قد حان الآن."

تقدم فخر الدين، ووقف وجهًا لوجه مع غالب. "لقد استغللت ثقتي، وخنت عهدك. لقد قتلت والدي، وحاولت أن تسيطر على مملكتنا. ولكنك لم تنجح."

"أنت… أنت مجرد طفل! كيف تجرؤ؟" صرخ غالب، وقد بدأ يفقد أعصابه.

"أنا وريث هذا العرش،" قال فخر الدين، بصوتٍ قويٍّ وثابت. "وأنا من سيحكم هذه المملكة. وأنت، الوزير غالب، ستدفع ثمن خيانتك."

تقدم فخر الدين نحو الحراس الذين كانوا يقفون في نهاية القاعة. "أمسكوا بالوزير غالب! لقد ثبتت خيانته!"

اندفع الحراس، وأحاطوا بالوزير غالب الذي كان يصرخ ويقاوم. لكن المقاومة كانت بلا جدوى. لقد انهار عالمه.

نظرت فخر الدين إلى الحشود التي كانت تتجمع خارج القاعة، تسمع ما يحدث. كان يعلم أن هذه مجرد بداية. الحرب مع ألمرية لم تنتهِ، والصراع مع بقايا مؤامرة غالب لم يبدأ بعد. لكنه كان واثقًا من شيءٍ واحد: لقد اتخذ الخطوة الأولى، وأثبت أنه قادرٌ على مواجهة الظلم، والدفاع عن الحق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%