عهد السلاطين
الفصل 15 — عاصفةٌ على الأسوار
بقلم محمد الفاروق
الفصل 15 — عاصفةٌ على الأسوار
بدأت السماء تمطر، وليس مجرد مطرٍ خفيف، بل مطرٌ غزيرٌ يصاحبه عصفٌ شديدٌ. كانت الأمطار تهطل بغزارةٍ على أسوار قلعة "المرابطين"، كأنها دموع السماء تنعى ما هو قادم. لم يكن هذا المطر مجرد ظاهرةٍ طبيعية، بل كان يبدو وكأنه نذيرٌ بالحرب، بـ"عاصفة" ألمرية التي بدأت تلوح في الأفق.
كان فخر الدين يقف على أعلى برجٍ في القلعة، يراقب الأفق. كانت الأمطار تغطي رؤيته، لكنه كان يستطيع تمييز الظلال الداكنة التي بدأت تتجمع في الأفق، ظلال جيشٍ جرارٍ يقترب. كانت الأصوات تصل إليه، أصوات قرع الطبول، وأصوات صراخ الجنود، وأصوات صليل السيوف. كانت هذه هي "عاصفة" ألمرية.
"إنهم يقتربون، يا صاحب السمو،" قال رجلٌ يقف بجانبه، وكان من جنود الشيخ سالم. "جيشهم كبيرٌ جدًا."
"نحن نعرف ذلك،" قال فخر الدين، بصوتٍ هادئٍ لكنه يحمل قوةً لا تتزعزع. "ولكننا مستعدون."
كان الحكيم بدر يقف على مقربةٍ منه، وعيناه تراقبان كل شيءٍ بدقة. "لقد أرسلتُ فرقنا لتنفيذ الهجمات المباغتة. نأمل أن يكون ذلك قد أبطأ تقدمهم، وزرع بعض الفوضى في صفوفهم."
"آمل ذلك،" قال فخر الدين. "لكننا لا نستطيع الاعتماد على ذلك وحده. يجب أن ندافع عن هذه الأسوار بكل ما نملك."
بدأت قذائف الحصار تنهال على أسوار القلعة، تضرب الحجارة وتحدث دويًا مرعبًا. كانت الأسوار تتصدع، ولكنها صامدةٌ بفضل صلابتها، وبفضل الرجال الذين يقفون عليها.
"ابدأوا بإطلاق السهام!" أمر فخر الدين. "صوبوا نحو قاذفات الحصار!"
بدأت السهام تنطلق من الأقواس، كأنها أسرابٌ من الطيور الغاضبة، تتجه نحو العدو. كان هناك جنودٌ ألمرية يسقطون، ولكن القذائف استمرت في الهطول.
"إنهم يحاولون إضعاف الأسوار،" قال الحكيم بدر. "يجب أن نمنعهم من ذلك."
"أرسلوا المزيد من الرجال إلى الجدران!" أمر فخر الدين. "وسرّعوا بإعداد السوائل الحارقة!"
بدأت النساء والرجال الذين لم يكونوا مقاتلين، ولكنهم كانوا مستعدين للتضحية، في جلب الدلاء المملوءة بالزيوت والمواد القابلة للاشتعال. كانوا يلقونها على الجنود الألمان الذين يحاولون تسلق الأسوار، وعلى عربات الحصار.
كان القتال شرسًا، وحشيًا. لم يعد هناك مكانٌ للضعف أو الخوف. كل جنديٍّ على السور كان يقاتل بشراسةٍ، بدافعٍ من حبه لوطنه، وبدافعٍ من رغبته في الانتقام لوالده.
في خضم المعركة، لمح فخر الدين حركةً مريبةً عند أحد الأبواب الجانبية للقلعة. كانت هناك مجموعةٌ صغيرةٌ من الجنود، حاولوا فتح الباب خفيةً.
"من هناك؟!" صرخ فخر الدين، وهو يشير بسيفه.
"إنهم أتباع غالب!" صاح أحد الجنود. "لقد حاولوا فتح الباب!"
"اوقفوا هؤلاء الخونة!" أمر فخر الدين. "لا تدعوهم يدخلون!"
اندفع الحراس نحو الباب، وبدأت معركةٌ أخرى، معركةٌ داخليةٌ، ضد الخيانة. كان فخر الدين يشعر بالأسف، لأن المعركة لم تكن فقط ضد عدوٍ خارجي، بل أيضًا ضد أعداءٍ في الداخل.
"لقد نجحنا في صد محاولة فتح الباب، يا صاحب السمو،" قال أحد الجنود، وهو يعود إلى جانبه. "ولكنهم قتلوا بعضًا من حراسنا."
"تضحياتٌ لا تذهب سدى،" قال فخر الدين، وقد شعر بالألم لوفاة جنوده. "سننتقم لهم."
استمرت المعركة لساعاتٍ طويلة. كانت السماء لا تزال تمطر، ولكنها بدأت تخف قليلًا، تاركةً وراءها جوًا ضبابيًا.
وفجأةً، ظهرت عربةٌ تحمل شعار ألمرية، واتجهت نحو بوابة القلعة الرئيسية. كان يقف عليها رجلٌ يرتدي ثيابًا فاخرة، وبجانبه بعض الجنود.
"من هذا؟" سأل فخر الدين، وهو يحدق في الرجل.
"يبدو أنه يتفاوض، يا صاحب السمو،" قال الحكيم بدر. "ربما يريد أن يقدم عرضًا جديدًا."
"لن أقبل أي عرضٍ منهم،" قال فخر الدين. "سأواجههم بالحديد والنار."
"ولكن، يا صاحب السمو،" قال الحكيم بدر، "ربما يجب أن تسمع ما لديه. ربما لديه معلوماتٌ تفيدنا."
تردد فخر الدين لحظةً. كانت فكرة التفاوض مع عدوه مرفوضةً لديه، ولكن ربما كانت هناك فرصة.
"أرسلوا له رسالة،" قال فخر الدين. "أبلغوه أنني على استعدادٍ لمقابلته، ولكن هنا، على السور. وأن عليه أن يأتي وحيدًا."
بعد فترةٍ قصيرةٍ، وصل الرجل إلى السور. كان هو قائد جيش ألمرية، "القائد 'زهران'". كان رجلًا قويًا، ذو نظرةٍ حادةٍ.
"لماذا تطلب مني القدوم إلى هنا، أيها الأمير الشاب؟" قال زهران بصوتٍ جهوريٍّ.
"لأني أريد أن أرى وجه عدوي،" قال فخر الدين. "ولأني أريد أن أقول لك مباشرةً، أنك لن تأخذ شيئًا من هذه المملكة."
ضحك زهران. "أنت تتحدث بجرأةٍ، أيها الأمير. ولكنك تقف على أسوارٍ متصدعة، وجيشك منهكٌ. لا تخدع نفسك."
"جيشي لن ينهار،" قال فخر الدين. "وسنقاتل حتى آخر رجل. لقد رفضت عرضكم، ولن نقبل أي شيءٍ سوى أن ترحلوا."
"رحيل؟" سخر زهران. "لقد جئنا لنبقى. لقد سمعت عن خيانة الوزير غالب. لقد استغللت هذا الضعف، وأردت أن أستولي على مملكتك."
"غالب خانني، وخان بلاده،" قال فخر الدين. "ولكن هذا لا يعني أنني سأسمح لك بالاستيلاء عليها. لقد أصبحت الآن في مواجهة شعبٍ موحدٍ، وشابٍّ لن يرضخ."
"شابٌّ؟" قال زهران، وهو يحدق في فخر الدين. "لقد رأيت والدك، كان رجلًا قويًا. ولكنك… أنت ما زلت صغيرًا. لا تملك خبرة المعارك."
"لقد تعلمت من أفضل المعلمين،" قال فخر الدين، وهو ينظر إلى الحكيم بدر. "والآن، لدي جيشٌ يؤمن بي، وشعبٌ مستعدٌ للتضحية. هل لديك ما تقوله، أم أنك ستعود إلى جيشك المنهك؟"
كان زهران ينظر إلى فخر الدين، ثم إلى الجنود المستعدين على السور. لقد رأى الإصرار في عيونهم، ورأى العزيمة في قلوبهم.
"لقد أخطأت في تقديرك، أيها الأمير،" قال زهران، بصوتٍ أقل حدةً. "ربما يجب أن نعيد النظر في هذه الحرب."
"النظر في الحرب؟" قال فخر الدين. "لا مجال للنظر. لقد أعلنت الحرب، والآن ستواجه نتائجها."
"ولكن، إذا استمرت هذه الحرب، فسيخسر كلانا الكثير،" قال زهران. "ربما يمكننا التوصل إلى اتفاقٍ."
"الاتفاق الوحيد الذي سأقبله، هو أن ترحلوا، وتتركوا هذه المملكة وشأنها،" قال فخر الدين.
نظر زهران إلى فخر الدين، وقد لمعت عيناه ببعض الاحترام. "أنت رجلٌ شجاعٌ، أيها الأمير. ولكنك ما زلت تحتاج إلى التعلم. هذه الحرب ستكون طويلةً ودمويةً."
"ونحن مستعدون لذلك،" قال فخر الدين. "إذا كانت هذه هي إرادة الله."
"حسنًا،" قال زهران، وهو يتراجع. "سأعود إلى جيشي. ولكن تذكر، أن هذه نهاية البداية فقط."
عاد زهران إلى عربته، وانطلقت مرةً أخرى نحو جيشه.
وقف فخر الدين على السور، يراقب انسحاب جيش ألمرية. لم يكن النصر قد تحقق بعد، بل كانت مجرد هدنةٍ مؤقتة. كانت "عاصفة" ألمرية قد مرت، ولكنها تركت وراءها دمارًا، وأتت معها بتهديداتٍ جديدة.
"لقد كانت معركةً صعبة،" قال الحكيم بدر، وقد وضع يده على كتف فخر الدين.
"لم تنتهِ المعركة بعد، يا حكيم،" قال فخر الدين، وهو ينظر إلى الأفق. "هذه مجرد بداية. ولكننا صمدنا. صمدنا أمام الهجوم الأول."
كان المطر قد توقف، وبدأت الشمس تظهر من بين الغيوم، وكأنها تمنحهم بصيصًا من الأمل. كانت قلعة "المرابطين" قد صمدت، ولكن الثمن كان باهظًا. كان فخر الدين يعلم أن الطريق ما زال طويلًا، وأن المعارك القادمة ستكون أشد قسوة. ولكن في قلبه، كان هناك شعورٌ بالثقة، شعورٌ بأنه قادرٌ على حماية هذه المملكة، وأن يعيد لها مجدها.