الفصل 17 / 24

عهد السلاطين

الفصل 17 — ريحٌ من الماضي وأملٌ في الغد

بقلم محمد الفاروق

الفصل 17 — ريحٌ من الماضي وأملٌ في الغد

تتالتْ الأيامُ الثقيلةُ على "مدينةِ السلامِ". غطى الثلجُ الأبيضُ قممَ جبالِ "الشهباءِ"، ليضفي عليها هالةً من الصمتِ المهيبِ، وكأنها تحملُ سرًا قديمًا، سرًا عن الصمودِ والتحدي. في الداخلِ، كانتْ الأجواءُ لا تزالُ مشوبةً بالحزنِ والترقبِ. استقرَّ الأميرُ "فهدٌ" على العرشِ، لكنَّ استقرارهُ كانَ هشًا، أشبهَ ببيتٍ من ورقٍ تقفُ على حافةِ الهاويةِ. كانَ يدركُ أنَّ شعبهُ لمْ يبايعهُ عن قناعةٍ، بلْ عن خوفٍ وإكراهٍ، وأنَّ ظلَّ السلطانِ الراحلِ "منصورٍ" لا يزالُ يخيمُ على القلوبِ.

كانَ "فهدٌ" يقضي أيامهُ في قاعةِ العرشِ، محاطًا بحراسِ "جابرٍ"، يشعرُ بأنهُ سجينٌ في قصرهِ. كانتْ الابتسامةُ قدْ اختفتْ من وجههِ، وحلتْ محلها تجاعيدُ القلقِ والشكِّ. كانَ يتلقى الأوامرَ من مملكةِ "الرمالِ" بصمتٍ، كلُّ كلمةٍ من "جابرٍ" كانتْ تزيدُ من شعورهِ بالعجزِ والمهانةِ.

"متى سينتهي هذا؟" سألَ أحدَ المقربينَ منهُ، الذي بقيَ وفياً لهُ، وهوَ "بدرٌ"، كبيرُ الخدمِ الذي خدمَ عائلةَ السلطانِ لسنواتٍ طويلةٍ.

"الصبرُ يا مولاي"، أجابَ "بدرٌ" بصوتٍ منخفضٍ، وعيناهُ تراقبانِ تحركاتِ حراسِ "جابرٍ" بقلقٍ. "لقدْ بدأتَ رحلةً خطيرةً، وعليكَ أنْ تكونَ أكثرَ حذرًا."

كانَ "بدرٌ" يعلمُ أنَّ "فهدًا" ارتكبَ خطيئةً كبرى، لكنهُ لمْ يستطعْ أنْ يتخلى عنه، خاصةً أنهُ كانَ يرى الخوفَ يسيطرُ على الأميرِ الشابِّ. كانَ "بدرٌ" يحاولُ أنْ يقدمَ لهُ النصحَ، وأنْ يحميهِ من شرورِ "جابرٍ"، لكنَّه كانَ يدركُ أنَّ يديهِ مكبلتانِ.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ الأميرةُ "ليلى" والأميرُ "سالمٌ" يعملانِ في الخفاءِ، ينسجانِ شبكةً من المقاومةِ. كانتْ رسائلهما تصلُ إلى ولاةِ الأقاليمِ الموالينَ، وإلى شيوخِ القبائلِ التي ترفضُ الاعترافَ بـ "فهدٍ" حاكمًا شرعيًا. كانتْ مهمةً صعبةً، تتطلبُ ذكاءً ودهاءً، وحذرًا شديدًا، خوفًا من أنْ تكتشفَ جواسيسُ "فهدٍ" و "جابرٍ" تحركاتهما.

بدأتْ "ليلى" تستخدمُ معرفتها الواسعةَ بعاداتِ وتقاليدِ المملكةِ، وشبكةَ علاقاتها النسائيةِ. كانتْ تلتقي بالنساءِ المؤثراتِ في المجتمعِ، تحثهنَّ على الصبرِ، وعلى تربيةِ أبنائهنَّ على حبِّ الوطنِ، وعلى تذكرِ أيامِ العدلِ والرخاءِ التي عاشتها المملكةُ في عهدِ السلطانِ "منصورٍ". كانتْ تؤمنُ بأنَّ المرأةَ يمكنُ أنْ تكونَ عمادَ المقاومةِ، وصانعةَ الأملِ.

"إنَّ أطفالنا همْ مستقبلُ هذهِ البلادِ"، كانتْ تقولُ لهنَّ. "علينا أنْ نزرعَ في قلوبهمْ حبَّ الأجدادِ، وأنْ نُعلمهمْ أنَّ الأرضَ التي نقفُ عليها هيَ أمانةٌ، وأنَّ الواجبَ يقتضي منا الدفاعَ عنها."

أما "سالمٌ"، فقدْ كانَ يعتمدُ على خبرتهِ العسكريةِ. بدأَ في تدريبِ مجموعاتٍ صغيرةٍ من الشبابِ المتحمسينَ في مناطقَ نائيةٍ، يعلمهمْ فنونَ القتالِ، وكيفيةَ نصبِ الكمائنِ، وكيفيةَ التخفيَ. كانَ يدركُ أنَّ هذهِ المجموعاتِ الصغيرةَ لنْ تستطيعَ مواجهةَ جيوشِ "جابرٍ" مباشرةً، لكنها ستكونُ قادرةً على شنِّ ضرباتٍ خاطفةٍ، وزعزعةِ استقرارِ القواتِ المحتلةِ.

"إنَّ العدوَّ يظنُّ أنَّهُ انتصرَ"، قالَ "سالمٌ" لمجموعتهِ الشابةِ، وعيناهُ تلمعانِ بالحماسِ. "لكنَّ روحَ "مدينةِ السلامِ" لنْ تُقهرَ. سنكونُ كالريحِ التي لا تُرى، لكنها تهدمُ الأعمدةَ القويةَ. سنكونُ كالنارِ التي تتأججُ تحتَ الرمادِ، تنتظرُ اللحظةَ المناسبةَ لتشتعلَ."

في إحدى الليالي الباردةِ، وبينما كانَ "سالمٌ" يتفقدُ إحدى القواعدِ السريةِ، التقى بشخصٍ غريبٍ. كانَ الرجلُ يرتدي ملابسَ رحالةٍ، ويحملُ على ظهرهِ حقيبةً قديمةً. تحدثَ الرجلُ بلهجةٍ غريبةٍ، لكنَّ "سالمًا" شعرَ بنوعٍ من الألفةِ تجاههُ.

"لقدْ سمعتُ عنْ ما يحدثُ هنا"، قالَ الرجلُ، وعيناهُ تبدوانِ حكيمتينِ. "وأردتُ أنْ أقدمَ المساعدةَ."

كشفَ الرجلُ عنْ هويتهِ؛ كانَ اسمهُ "الحكيمُ زكريا"، وكانَ قدْ أتى منْ مملكةٍ بعيدةٍ، كانَ قدْ عاشَ فيها لسنواتٍ، يتعلمُ أسرارَ الأعشابِ والعلاجِ، ويراقبُ الأحداثَ السياسيةَ في المنطقةِ. كانَ يعرفُ الكثيرَ عنْ مؤامراتِ "جابرٍ"، وعنْ نواياه الحقيقيةِ.

"لقدْ رأيتُ الظلمَ في أماكنَ كثيرةٍ، يا أميرَ سالمٌ"، قالَ "زكريا". "ولمْ أستطعْ أنْ أبقى مكتوفَ الأيدي. لديَّ معرفةٌ ببعضِ الأماكنِ السريةِ في الجبالِ، التي يمكنُ أنْ تكونَ ملاذًا آمنًا للمقاومينَ. كما أنَّ لديَّ بعضَ الأفكارِ حولَ كيفيةِ إضعافِ جيوشِ "جابرٍ" دونَ الحاجةِ إلى مواجهةٍ مباشرةٍ."

كانَ لقاءُ "سالمٍ" بـ "زكريا" بمثابةِ بشرى خيرٍ. لقدْ وجدَ في هذا الرجلِ الحكيمِ حليفًا قويًا، يمكنُ أنْ يقدمَ لهُ الدعمَ الذي يحتاجهُ. بدأَ "سالمٌ" و "زكريا" في التخطيطِ معًا، يستكشفانِ طرقًا جديدةً لمقاومةِ الاحتلالِ.

في المقابلِ، كانَ "فهدٌ" يشعرُ بالضغطِ يتزايدُ. وصلتْ تقاريرُ عنْ اضطراباتٍ متفرقةٍ في بعضِ المناطقِ، وعنْ حملاتٍ تخريبيةٍ صغيرةٍ. كانَ "جابرٌ" يطالبهُ بقمعِ هذهِ التحركاتِ بشدةٍ، وهددهُ بسحبِ الدعمِ العسكريِّ إذا لمْ يلتزمْ بذلكَ.

"إنَّ هذا الضعفَ لنْ يُغتفرَ لكَ يا فهدٌ"، قالَ "جابرٌ" في رسالةٍ استلمها "فهدٌ". "إذا لمْ تستطعْ السيطرةَ على بلادكَ، فسأضطرُ إلى التدخلِ بنفسي، وسأجعلكَ عبرةً لمنْ يعتبرُ."

ازدادَ خوفُ "فهدٍ"، لكنهُ حاولَ أنْ يُظهرَ بعضَ القوةِ أمامَ حاشيتهِ. أصدرَ أوامرَ صارمةً باعتقالِ كلِّ منْ يشتبهونَ في معارضتهِ. لكنَّ هذهِ الأوامرَ لمْ تزدْ إلا منْ كراهيةِ الشعبِ لهُ.

في إحدى الليالي، بينما كانَ "فهدٌ" يسيرُ في ممراتِ القصرِ المظلمةِ، سمعَ همساتٍ. كانتْ همساتٍ تتحدثُ عنْ "سالمٍ" وعنْ "ليلى"، وعنْ الأملِ الذي بدأَ ينمو في قلوبِ الناسِ. شعرَ "فهدٌ" بالبردِ يتسربُ إلى عظامهِ، أدركَ أنَّهُ قدْ فقدَ السيطرةَ، وأنَّهُ أصبحَ محاصرًا منْ كلِّ جانبٍ.

كانتْ "ريحٌ من الماضي" -ذكرى السلطانِ الراحلِ، وقيمِ العدلِ والوفاءِ- قدْ بدأتْ تهبُّ بقوةٍ، حاملةً معها "أملًا في الغدِ" لمملكةٍ تستحقُّ الأفضلَ. كانتْ المعركةُ بينَ الظلمِ والعدلِ قدْ اشتدتْ، وكانتْ "مدينةُ السلامِ" تستعدُ للانتفاضةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%