عهد السلاطين
الفصل 18 — همساتٌ في الليلِ وصوتٌ في الساحةِ
بقلم محمد الفاروق
الفصل 18 — همساتٌ في الليلِ وصوتٌ في الساحةِ
بدأتْ رياحُ التغييرِ تهبُّ بقوةٍ على "مدينةِ السلامِ". لمْ تعدْ الأجواءُ تحملُ رائحةَ الثلجِ والبردِ فقط، بلْ رائحةَ الأملِ الممزوجِ بروحِ المقاومةِ. في الخفاءِ، كانتْ الأميرةُ "ليلى" والأميرُ "سالمٌ" ينسجانِ خيوطَ مؤامرةٍ مضادةٍ، مؤامرةٍ تهدفُ إلى استعادةِ الحقِّ، وإلى دحرِ الظلمِ.
كانتْ "ليلى" قدْ نجحتْ في نسجِ شبكةٍ واسعةٍ منَ المتعاطفينَ معَ قضيتهمْ. نساءٌ ورجالٌ، كبارٌ وصغارٌ، كلهمْ كانوا ينبضونَ بحبِّ الوطنِ، ويحلمونَ بيومِ الخلاصِ. كانتْ تستغلُّ كلَّ فرصةٍ للتواصلِ معهمْ، لتشجيعهمْ، ولإمدادهمْ بالمعلوماتِ الضروريةِ. في إحدى الليالي، تحتَ جنحِ الظلامِ، تسللتْ "ليلى" إلى منزلٍ متواضعٍ في أحدِ أحياءِ المدينةِ القديمةِ. كانَ المنزلُ يعودُ لـ "أمِّ أحمدٍ"، امرأةٌ معروفةٌ بحكمتها وشجاعتها، وكانتْ قدْ أصبحتْ منْ أشدِّ الموالينَ لـ "ليلى".
"يا أمَّ أحمدٍ"، قالتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، وهي تجلسُ بجانبِ موقدِ النارِ المشتعلِ. "لقدْ وصلَ لنا خبرٌ بأنَّ "جابرًا" يخططُ لعمليةٍ عسكريةٍ كبيرةٍ خلالَ الأيامِ القادمةِ. يريدُ أنْ يدخلَ المدينةَ بالقوةِ، وأنْ يفرضَ سيطرتهُ بالكاملِ."
تنهدتْ "أمُّ أحمدٍ" بعمقٍ، وعيناها الحكيمتانِ تلمعانِ بالقلقِ. "علمتُ يا ابنتي. لقدْ سمعتُ همساتٍ منَ التجارِ الذينَ يأتونَ منْ مملكةِ "الرمالِ". إنهمْ يتحدثونَ عنْ حشودٍ عسكريةٍ ضخمةٍ على الحدودِ."
"هذا يعني أنَّ الوقتَ قدْ حانَ للتحركِ"، قالتْ "ليلى" بعزمٍ. "علينا أنْ نُعلمَ الناسَ، وأنْ نُجهزَهمْ. يجبُ أنْ نُظهرَ لـ "جابرٍ" و "فهدٍ" أنَّ "مدينةَ السلامِ" لنْ تستسلمَ بسهولةٍ."
بدأتْ "أمُّ أحمدٍ" في نقلِ الرسالةِ إلى نساءِ الحيِّ. كنَّ يتناقلنَ المعلومةَ بصمتٍ، يخفينَ قلقهنَّ تحتَ ستارِ الحياةِ اليوميةِ. كنَّ يستعدنَ، ليسَ بالسلاحِ، بلْ بطرقٍ أخرى. بدأتْ بعضهنَّ بتخزينِ المؤنِ والطعامِ، بينما بدأتْ أخرياتٌ بتجهيزِ الأقمشةِ البيضاءِ، التي ستُرفعُ كعلامةٍ على الاستعدادِ للمقاومةِ.
في الوقتِ نفسهِ، كانَ الأميرُ "سالمٌ" يتحركُ بخطى أسرعَ. كانَ قدْ اتصلَ بقادةِ القبائلِ الموالينَ، وحثهمْ على حشدِ رجالهمْ، وعلى الاستعدادِ للتحركِ عندَ الإشارةِ. كانتْ خطتهُ هيَ ضربُ القواتِ المتقدمةِ منْ الخلفِ، وقطعِ خطوطِ إمدادهمْ، وزعزعةِ صفوفهمْ.
"لا تستعجلوا يا شيوخَنا الأفاضلَ"، قالَ "سالمٌ" لأحدِ القادةِ في اجتماعٍ سريٍّ في كهفٍ جبليٍّ. "الصبرُ هوَ مفتاحُ النصرِ. عندما نرى القواتِ تدخلُ المدينةَ، سنضربُ ضربتنا. لنْ نسمحَ لهمْ بأنْ يجدوا المدينةَ خاليةً منَ المقاومةِ. سنُظهرُ لهمْ أنَّ كلَّ شبرٍ منْ أرضنا غالٍ."
كانَ "الحكيمُ زكريا" يلعبُ دورًا محوريًا في هذهِ المرحلةِ. كانَ يقدمُ لـ "سالمٍ" معلوماتٍ قيمةٍ عنْ تحركاتِ جيشِ "جابرٍ"، وعنْ نقاطِ ضعفهمْ. كما كانَ يعملُ على تحضيرِ بعضِ العقاقيرِ التي يمكنُ استخدامها في المعركةِ، سواءً لإسعافِ المصابينَ، أو حتى لتعطيلِ حركةِ الأعداءِ.
"إنَّ هذهِ الأعشابَ التي جمعتُها منْ أعالي الجبالِ تمتلكُ خصائصَ فريدةً"، قالَ "زكريا" لـ "سالمٍ" وهوَ يعرضُ عليهِ مجموعةً منَ الأعشابِ المجففةِ. "يمكنُ استخدامُ بعضِها لإحداثِ تهيجٍ شديدٍ في العيونِ، وبعضِها الآخرِ يمكنُ أنْ يُحدثَ شعورًا بالدوارِ الشديدِ. هذهِ الأدواتُ البسيطةُ يمكنُ أنْ تُحدثَ فرقًا كبيرًا في المعركةِ."
في القصرِ، كانَ الأميرُ "فهدٌ" يعيشُ في دوامةٍ منَ الخوفِ والارتباكِ. كانَ يعلمُ أنَّ "جابرًا" على وشكِ شنِّ هجومٍ، وكانَ يعرفُ أنَّهُ غيرُ قادرٍ على الدفاعِ عنِ المدينةِ. كانتْ قوتهُ العسكريةُ ضعيفةً، وشعبهُ يقفُ ضدهُ.
"لماذا لمْ أستمعْ إلى نصائحِ بدرٍ؟" سألَ نفسه في لحظةِ يأسٍ. "لقدْ كنتُ أعمى، مدفوعًا بالجشعِ والطموحِ."
في إحدى الليالي، قررَ "فهدٌ" أنْ يلتقي بـ "بدرٍ"، كبيرِ الخدمِ. كانَ "بدرٌ" الوحيدُ الذي يثقُ بهِ "فهدٌ" في هذهِ اللحظةِ.
"يا بدرٌ"، قالَ "فهدٌ" بصوتٍ مرتجفٍ، وهوَ يجلسُ في مكتبهِ. "ماذا أفعلُ؟ إنَّ "جابرًا" قادمٌ، وأنا لا أملكُ القوةَ لصدِّهِ. وشعبي يكرهني."
نظرَ إليهِ "بدرٌ" بعينينِ ملؤهما الشفقةُ. "يا مولاي، لقدْ أخطأتَ. لكنَّ الوقتَ لمْ يفتْ بعدُ. لا يزالُ بإمكانكَ أنْ تُصلحَ بعضَ الأخطاءِ. ربما إذا تحدثتَ إلى الشعبِ، واعتذرتَ عنْ أفعالك، واعدتَهمْ بالعدلِ، ربما سيستمعونَ إليكَ."
فكرَ "فهدٌ" في كلامِ "بدرٍ". كانَ الاعترافُ بالخطأِ أمرًا صعبًا، لكنَّهُ كانَ يعلمُ أنَّهُ الخيارُ الوحيدُ المتبقي. قررَ أنْ يخطبَ في الشعبِ منْ شرفةِ القصرِ في اليومِ التالي.
عندما جاءَ الصباحُ، تجمعَ عددٌ كبيرٌ منَ الناسِ في الساحةِ أمامَ القصرِ. كانوا يحملونَ لافتاتٍ كتبوا عليها شعاراتٍ تطالبُ بالعدلِ، وتستنكرُ الظلمَ. وقفَ "فهدٌ" على الشرفةِ، وقلبُهُ يخفقُ بعنفٍ. بدأَ يتحدثُ، وصوتُهُ كانَ يرتعشُ في البدايةِ، ثمَّ استجمعَ قوتهُ.
"يا أهلَ "مدينةِ السلامِ" الأوفياءَ!" بدأَ. "لقدْ أخطأتُ. لقدْ انخدعتُ، وسلكتُ طريقَ الظلمِ. لقدْ خنتُ ثقتكمْ، وخنتُ ذكرى السلطانِ منصورٍ. أقفُ أمامكمْ اليومَ، طالبًا عفوكمْ."
تلاشتْ الدهشةُ على وجوهِ الناسِ، وحلتْ محلها علاماتُ الحيرةِ. لمْ يتوقعوا أنْ يعترفَ "فهدٌ" بخطئه.
"أعلمُ أنَّ "جابرًا" قادمٌ"، استمرَّ "فهدٌ". "وأعلمُ أنَّني لستُ القائدَ الذي تحتاجونَهُ. لذا، أعلنُ تنازلي عنْ العرشِ، وأدعو الأميرَ سالمًا، ابنَ عمي، أنْ يتولى قيادتكمْ، وأنْ يقودَكمْ في هذهِ المعركةِ. إنَّهُ رجلُ الشرفِ والبسالةِ، وهوَ الوحيدُ القادرُ على حمايةِ بلادنا."
هتفَ الجمهورُ بتصفيقٍ حارٍّ. كانتْ كلماتهُمثابةَ الشرارةِ التي أشعلتْ نارَ الأملِ. في هذهِ اللحظةِ، وبينما كانَ "فهدٌ" يتنازلُ عنْ سلطتهِ، ظهرَ الأميرُ "سالمٌ" على الشرفةِ، وبجانبهِ الأميرةُ "ليلى".
"يا أهلَ "مدينةِ السلامِ" الكرامَ!" قالَ "سالمٌ" بصوتٍ قويٍّ. "لقدْ سمعتُمُ اعترافَ ابنِ عمي. إنَّ الشجاعةَ ليستْ في عدمِ ارتكابِ الأخطاءِ، بلْ في الاعترافِ بها، وفي السعيِ لإصلاحها. أنا هنا لأقفَ معكمْ، لأدافعَ عنْ أرضنا، وعنْ كرامتنا. لنْ نسمحَ لأحدٍ بأنْ يدنسَ ترابَ وطننا."
هتفَ الناسُ باسمِ "سالمٍ" وباسمِ "ليلى". لقدْ وجدوا قائدهمْ، ووجدوا الأملَ. في تلكَ اللحظةِ، لمْ يعدْ "فهدٌ" سوى رجلٍ تائهٍ، يبحثُ عنْ مكانٍ لهُ في عالمٍ جديدٍ. كانتْ "همساتٌ في الليلِ" قدْ تحولتْ إلى "صوتٍ في الساحةِ"، صوتٍ قويٍّ، صوتٍ ينادي بالحقِّ، صوتٍ يعدُ بالنصرِ.