الفصل 19 / 24

عهد السلاطين

الفصل 19 — الزحفُ نحو المدينةِ وحصارُ الأملِ

بقلم محمد الفاروق

الفصل 19 — الزحفُ نحو المدينةِ وحصارُ الأملِ

كانَ الهواءُ في "مدينةِ السلامِ" مشحونًا بالترقبِ. بعدَ خطابِ الأميرِ "فهدٍ" وتنازلِهِ عنْ العرشِ، وبعدَ إعلانِ الأميرِ "سالمٍ" عنْ استعدادهِ لقيادةِ المقاومةِ، شعرتْ المدينةُ بنبضٍ جديدٍ بالحياةِ. لكنَّ هذا النبضَ كانَ يرافقهُ خوفٌ متزايدٌ معَ قربِ وصولِ جيشِ مملكةِ "الرمالِ".

بدأتْ أخبارُ اقترابِ جيشِ السلطانِ "جابرٍ" تتسربُ إلى المدينةِ كالنارِ في الهشيمِ. وصفَ الرسلُ القادمونَ منَ الحدودِ مشهدًا مهيبًا؛ مئاتُ الآلافِ منَ الجنودِ، يتقدمهمْ سلاحُ الفرسانِ الثقيلُ، ودباباتٌ بدائيةٌ تمَّ تصميمها في معاملِ "جابرٍ" الحربيةِ، تتقدمُ ببطءٍ نحو أسوارِ المدينةِ. لمْ تكنْ هذهِ مجردَ جيوشٍ، بلْ كانتْ زحفًا هائلًا، يهدفُ إلى سحقِ أيِّ مقاومةٍ.

في القصرِ، اجتمعَ "سالمٌ" و "ليلى" و "الحكيمُ زكريا" وبعضُ القادةِ العسكريينَ الموالينَ. كانتْ وجوههمْ تعكسُ مزيجًا منَ العزيمةِ والقلقِ.

"إنَّ جيشَ "جابرٍ" ضخمٌ جدًا"، قالَ أحدُ القادةِ، وهوَ يشيرُ إلى خريطةٍ مرسومةٍ على طاولةٍ خشبيةٍ. "قوتنا لا تقارنُ بقوتهِ. إذا حاولنا مواجهتهُ مباشرةً خارجَ الأسوارِ، فسوفَ نتعرضُ لإبادةٍ."

"أتفقُ معكُ"، قالَ "سالمٌ" بهدوءٍ. "لا يمكننا المخاطرةَ بمواجهةٍ مفتوحةٍ. خطتنا هيَ الدفاعُ عنِ المدينةِ منْ الداخلِ. استخدامُ الأزقةِ الضيقةِ، والمبانيِ المرتفعةِ، وشلُّ حركةِ العدوِّ. كما أنَّ مجموعاتِ المقاومةِ التي دربتُها في الجبالِ ستكونُ جاهزةً لضربِ خطوطِ إمدادهمْ وقطعِ مؤنهمْ."

"ولديَّ خطةٌ أخرى"، أضافَ "الحكيمُ زكريا". "لقدْ لاحظتُ أنَّ دباباتهمْ البدائيةَ تتحركُ ببطءٍ، وأنَّها تحتاجُ إلى مساحاتٍ واسعةٍ. إذا تمكنَّا منْ جرِّهمْ إلى شوارعِ المدينةِ الضيقةِ، فسوفَ تصبحُ أهدافًا سهلةً."

"وكيفَ سنفعلُ ذلكَ؟" سألَ "ليلى" بفضولٍ.

"سنستخدمُ هذا..." قالَ "زكريا" وهوَ يخرجُ كيسًا صغيرًا مليئًا بغبارٍ رماديٍّ. "هذهِ مادةٌ تتفاعلُ معَ الهواءِ وتُنتجُ دخانًا كثيفًا. يمكنُ استخدامهُ لخلقِ حالةٍ منَ الارتباكِ، ولإخفاءِ تحركاتِ جنودنا. كما أنَّ لديهِ رائحةً نفاذةً قدْ تُربكُ حتى الخيولَ."

كانتْ خطةً جريئةً، تعتمدُ على تكتيكاتِ حربِ العصاباتِ، وعلى استخدامِ المواردِ المتاحةِ بأفضلِ شكلٍ ممكنٍ.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "أمُّ أحمدٍ" ونساءُ المدينةِ الأخرياتُ، يواصلنَ استعداداتهنَّ. كنَّ يجهزنَ المطابخَ المشتركةَ، لتوفيرِ الطعامِ للجنودِ والمقاومينَ. كنَّ يجمعنَ كلَّ ما يمكنُ استخدامهُ كسلاحٍ بدائيٍّ؛ حجارةٍ، وزيوتٍ، وأقمشةٍ. كنَّ يمثلنَ خطَّ الدفاعِ الثاني، خطَّ الصمودِ الداخليِّ.

"لا تخافوا يا بناتِ"، قالتْ "أمُّ أحمدٍ" لمجموعةٍ منَ الشاباتِ وهنَّ يقطعنَ الأقمشةَ. "القوةُ ليستْ في السيفِ فقط. القوةُ في وحدتنا، وفي إيماننا بعدالةِ قضيتنا. سنُظهرُ لهمْ أنَّ نساءَ "مدينةِ السلامِ" لسنَ مجردَ نساءٍ، بلْ هنَّ جدارٌ منيعٌ."

في مخيماتِ جيشِ "جابرٍ"، كانَ الأجواءُ مختلفةً. كانَ الجنودُ يشعرونَ بالثقةِ، بلْ بالغطرسةِ. كانوا يرون في "مدينةِ السلامِ" هدفًا سهلًا، مدينةً ضعيفةً، يحكمها أميرٌ خائنٌ.

"سنكونُ في المدينةِ قبلَ الغروبِ"، قالَ "جابرٌ" لضباطهِ. "هذهِ مجردُ نزهةٍ. أرسلوا هذهِ المدينةَ إلى التاريخِ، وافتحوا الطريقَ نحوَ أراضٍ جديدةٍ."

لكنَّ "جابرًا" كانَ يجهلُ أنَّ الروحَ التي تسكنُ "مدينةَ السلامِ" ليستْ مجردَ جنودٍ، بلْ هيَ روحُ شعبٍ أبيٍّ، مستعدٍّ للتضحيةِ بكلِّ شيءٍ من أجلِ أرضهِ.

بدأتْ طلائعُ جيشِ "جابرٍ" بالاقترابِ منْ أسوارِ المدينةِ. كانتْ أصواتُ أبواقِ الحربِ تدوي في الأفقِ، وصخبُ الجنودِ يرتفعُ. فتحَ "فهدٌ"، الذي بقيَ في المدينةِ بطلبٍ منْ "سالمٍ" ليكونَ رمزًا للتغييرِ، بوابةً صغيرةً، تسمحُ لبعضِ القادةِ الموالينَ بالخروجِ للتفاوضِ.

"يا جابرُ!" صرخَ أحدُ القادةِ. "الأميرُ فهدٌ يعلنُ تنازلَهُ، والأميرُ سالمٌ هوَ الحاكمُ الشرعيُّ الآنَ. لا تضيعْ دماءَ الأبرياءِ. عدْ إلى مملكتكَ."

ضحكَ "جابرٌ" بسخريةٍ. "هلْ يعتقدونَ أنَّني سأتراجعُ عنْ هدفي؟ هذا الأميرُ فهدٌ أحمقٌ، وهذا الأميرُ سالمٌ واهمٌ. سأدخلُ المدينةَ، وسأحكمُها، وسأعاقبُ كلَّ منْ تجرأَ على عصياني."

أمرَ "جابرٌ" بالتقدمِ. بدأتْ الدباباتُ البدائيةُ بالزحفِ، يتبعها جحافلُ الجنودِ. كانَ المشهدُ مروعًا، وكأنَّ الأرضَ تبتلعُ المدينةَ.

عندما وصلَ الجيشُ إلى مشارفِ المدينةِ، أطلقَ "سالمٌ" الإشارةَ. فجأةً، بدأتْ غيومٌ منَ الدخانِ الرماديِّ تتصاعدُ منْ عدةِ نقاطٍ حولَ المدينةِ. انتشرَ الدخانُ بسرعةٍ، مُحدثًا ارتباكًا بينَ صفوفِ جيشِ "جابرٍ". بدأتْ الخيولُ تجمحُ، والجنودُ يكحونَ.

"ما هذا؟!" صرخَ "جابرٌ" غاضبًا. "إنَّها خدعةٌ!"

في الوقتِ نفسهِ، انطلقتْ مجموعاتُ "سالمٍ" منَ الجبالِ، وبدأتْ تهاجمُ مؤخرةَ الجيشِ، وتُشعِلُ النيرانَ في مؤنهمْ.

"هذهِ ليستْ مجردَ خدعةٍ يا جابرُ!" صرخَ صوتُ "سالمٍ" عبرَ مكبراتٍ صوتيةٍ بدائيةٍ. "هذهِ مقاومةُ شعبٍ أبيٍّ لنْ يركعَ!"

بدأتْ المعركةُ الحقيقيةُ. لمْ تعدْ مواجهةً بينَ جيوشٍ، بلْ كانتْ معركةَ شراسةٍ، معركةَ إصرارٍ. نجحَ "سالمٌ" في جرِّ بعضِ الدباباتِ إلى شوارعِ المدينةِ الضيقةِ. انقسمتْ هذهِ الدباباتُ، وأصبحَ منَ الصعبِ عليها المناورةُ. بدأتْ فرقُ المقاومةِ الصغيرةُ، بقيادةِ "ليلى" و "زكريا"، بمهاجمتها باستخدامِ الزيوتِ الملتهبةِ والحجارةِ.

كانَ "فهدٌ" يقفُ في أعلى برجٍ في المدينةِ، يراقبُ المعركةَ. كانَ يشعرُ بالخزيِ، ولكنهُ كانَ يشعرُ أيضًا بفخرٍ غريبٍ تجاهَ "سالمٍ" و "ليلى". لقدْ رأى كيفَ تحولَ شعبُهُ منْ شعبٍ خائفٍ إلى شعبٍ مقاتلٍ.

"لقدْ أردتُ السلطةَ"، تمتمَ لنفسهِ. "لكنَّهمْ أرادوا الحريةَ. إنَّهمْ يستحقونَ النصرَ."

حاولَ "جابرٌ" استعادةَ السيطرةِ، لكنَّ الفوضى كانتْ قدْ انتشرتْ في صفوفِ جيشهِ. كانَ الدخانُ الكثيفُ، وهجماتُ المقاومةِ منْ الخلفِ، وهجماتُ فرقِ "سالمٍ" داخلَ المدينةِ، كلها عواملُ جعلتْ مهمتهُ مستحيلةً.

وبينما كانَ الظلامُ يحلُّ على "مدينةِ السلامِ"، كانَ جيشُ "جابرٍ" يعيشُ في حالةِ حصارٍ، حصارٍ لمْ تفرضهْ الأسوارُ، بلْ فرضتهُ روحُ المقاومةِ. كانتْ المعركةُ مستمرةً، لكنَّ الأملَ كانَ يضيءُ في عيونِ المدافعينَ، بينما بدأَ اليأسُ يتسللُ إلى قلوبِ المهاجمينَ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%