عهد السلاطين
الفصل 20 — شروقُ شمسٍ جديدةٍ وعهدُ سلامٍ
بقلم محمد الفاروق
الفصل 20 — شروقُ شمسٍ جديدةٍ وعهدُ سلامٍ
امتدَّ الليلُ طويلًا فوقَ "مدينةِ السلامِ"، لكنهُ لمْ يكنْ ليلَ سكونٍ أو استسلامٍ. كانَ ليلَ صراعٍ مريرٍ، ليلَ صمودٍ أسطوريٍّ. استمرتْ المعركةُ بلا هوادةٍ؛ جنودُ "جابرٍ" يقاتلونَ في الشوارعِ الضيقةِ، تحتَ وابلٍ منَ الحجارةِ والدخانِ، وفِرقُ المقاومةِ الصغيرةِ بقيادةِ "سالمٍ" و "ليلى" و "الحكيمِ زكريا"، تضربُهمْ ضرباتٍ موجعةً، ثمَّ تتلاشى في الأزقةِ الملتويةِ، تاركةً ورائها فوضى عارمةً.
كانَ "جابرٌ" يدركُ أنَّ خطتهُ الأصليةَ قدْ فشلتْ فشلًا ذريعًا. جيشُهُ، الذي كانَ يُفترضُ أنْ يفتحَ المدينةَ في ساعاتٍ، أصبحَ عالقًا في فخٍّ، يتعرضُ لخسائرَ فادحةٍ. كانتْ الدباباتُ البدائيةُ، التي كانتْ رمزَ قوتهِ، أصبحتْ الآنَ هياكلَ محترقةً في شوارعِ المدينةِ، تعيقُ حركةَ جنودهِ وتُزيدُ منَ الارتباكِ.
"هذهِ ليستْ مدينةً، هذهِ فخٌّ!" صرخَ "جابرٌ" في وجهِ أحدِ ضباطهِ، وعيناهُ تشتعلانِ بالغضبِ والإحباطِ. "كيفَ لمْ ندركْ أنَّ هذا الشعبَ مستعدٌّ للتضحيةِ إلى هذا الحدِّ؟"
"لقدْ قللْنا منْ شأنهمْ يا مولاي"، أجابَ الضابطُ بصوتٍ متهدجٍ. "لقدْ كانوا مستعدينَ، بينما كنا نحنُ واثقينَ أكثرَ منَ اللازمِ."
في هذهِ الأثناءِ، استمرَّ "سالمٌ" في قيادةِ رجالهِ ببراعةٍ. كانَ ينتقلُ منْ جبهةٍ إلى أخرى، يُلهمُ الجنودَ، ويُوجهُهمْ. كانتْ "ليلى" تعملُ بالقربِ منهُ، تنظمُ الإسعافاتِ الأوليةَ، وتُشجعُ المدنيينَ على الصمودِ. أما "الحكيمُ زكريا"، فكانَ يُشرفُ على استخدامِ الموادِّ المُعطِّلةِ، وعلى تطويرِ تكتيكاتٍ جديدةٍ باستخدامِ الدخانِ والرائحةِ النفاذةِ.
"سنُجبرُهمْ على الانسحابِ"، قالَ "سالمٌ" لـ "ليلى" وهما يراقبانِ منْ نافذةٍ علويةٍ كيفَ يحاولُ جنودُ "جابرٍ" تنظيمَ صفوفهمْ. "لنْ يجدوا في هذهِ المدينةِ سوى الهزيمةِ."
معَ بزوغِ الفجرِ، وبدءِ خيوطِ الشمسِ الأولى تتسللُ عبرَ فجواتِ المبانيِ المدمرةِ، بدأتْ معنوياتُ جيشِ "جابرٍ" تنهارُ. كانتْ خسائرهمْ كبيرةً، وإمداداتهمْ مقطوعةً. لمْ يعدْ هناكَ أيُّ أملٍ في السيطرةِ على المدينةِ.
"علينا الانسحابُ، يا مولاي"، قالَ الضابطُ لـ "جابرٍ". "إذا بقينا هنا، فلنْ ينجوَ أحدٌ."
ترددَ "جابرٌ" للحظةٍ، ثمَّ أدركَ الحقيقةَ المريرةَ. لقدْ كانَ هذا أولَ هزيمةٍ كبرى في حياتهِ، هزيمةٌ مُذلةٌ.
"انسحبوا!" أمرَ بصوتٍ أجشَّ. "أمروا الجميعَ بالانسحابِ. هذهِ المدينةُ أصبحتْ لعنةً."
بدأَ جيشُ "جابرٍ" بالانسحابِ المذلِّ، تاركًا وراءهُ المعداتِ المحترقةَ، والجرحى، والأملَ المفقودَ. هتفَ سكانُ "مدينةِ السلامِ" ابتهاجًا، وهمْ يرون العدوَّ يتراجعُ. لمْ تكنْ مجردَ مدينةٍ تمَّ الدفاعُ عنها، بلْ كانتْ روحُ شعبٍ استعادتْ كرامتها.
خرجَ "سالمٌ" و "ليلى" إلى الساحةِ الرئيسيةِ. استقبلهمُ الشعبُ بتصفيقٍ حارٍّ وهتافاتٍ مدويةٍ. رفعَ "سالمٌ" يدهُ، ودعا الجميعَ إلى الهدوءِ.
"يا أهلَ "مدينةِ السلامِ" الأوفياءَ!" قالَ بصوتٍ جهوريٍّ. "لقدْ أثبتُّمُ اليومَ أنَّكمْ شعبٌ لا يُقهرُ. لقدْ دافعتمْ عنْ أرضكمْ، وعنْ حريتكمْ، وعنْ كرامتكمْ. إنَّ هذهِ المعركةَ لمْ تكنْ مجردَ معركةٍ بالسيوفِ، بلْ كانتْ معركةَ إرادةٍ، معركةَ أملٍ."
التفتَ إلى "ليلى" قائلاً: "وهنا، أودُّ أنْ أعلنَ أمامَكمْ جميعًا، أنَّ الأميرةَ ليلى، بفضلِ حكمتها وشجاعتها، وبفضلِ إلهامها للشعبِ، هيَ التي ستقفُ بجانبي، ولنْ أقولَ حاكمةً، بلْ شريكةً في بناءِ مستقبلِ هذهِ البلادِ."
هتفَ الشعبُ باسمِ "ليلى" وباسمِ "سالمٍ". لقدْ رأوا في هذهِ الشراكةِ رمزًا لعهدٍ جديدٍ، عهدٍ يقومُ على التعاونِ، وعلى الاحترامِ المتبادلِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ "فهدٌ" يقفُ في زاويةٍ منَ الساحةِ، يراقبُ المشهدَ. اقتربَ منهُ "بدرٌ".
"ماذا ستفعلُ الآنَ يا مولاي؟" سألَ "بدرٌ" بلطفٍ.
"لا أدري يا بدرٌ"، أجابَ "فهدٌ" بصوتٍ حزينٍ. "لقدْ فقدتُ كلَّ شيءٍ. لكنني سأحاولُ أنْ أعيشَ حياةً جديدةً، حياةً تليقُ بما تعلمتُهُ منْ هذهِ التجربةِ."
قررَ "سالمٌ" و "ليلى" أنْ يتناولا الأمورَ بجديةٍ. أولُ مهمةٍ كانتْ إعادةِ بناءِ ما دمرتهُ الحربُ. بدأَ العملُ فورًا، بمشاركةِ جميعِ سكانِ المدينةِ. استخدموا الخبرةَ التي اكتسبوها في الحربِ، في تنظيمِ العملِ الجماعيِّ.
"سنبني مدينةً أقوى منَ ذي قبلَ"، قالتْ "ليلى" لـ "سالمٍ" وهما يتفقدانِ ورشةَ بناءٍ. "مدينةً لا تتذكرُ فقطْ أيامَ الظلمِ، بلْ تتذكرُ أيضًا أيامَ الصمودِ والنصرِ."
كما قررَ "سالمٌ" و "ليلى" أنْ يعفوا عنْ "فهدٍ"، لكنْ بشرطِ أنْ يعيشَ بعيدًا عنْ السلطةِ، وأنْ يُكرسَ حياتهُ للعملِ التطوعيِّ وخدمةِ المجتمعِ. وافقَ "فهدٌ" على ذلكَ، شاعرًا بالراحةِ لعدمِ تعرضهِ للعقابِ القاسي.
بدأتْ "مدينةُ السلامِ" تستعيدُ عافيتها، وبدأتْ تبنيَ مجدًا جديدًا. لمْ يعدْ عرشُ السلطنةِ مجردَ رمزٍ للسلطةِ، بلْ أصبحَ رمزًا للشراكةِ، والمسؤوليةِ، والعدلِ.
في إحدى الأمسياتِ، بينما كانتْ الشمسُ تغربُ، حاملةً معها آخرَ خيوطِ النهارِ، وقفَ "سالمٌ" و "ليلى" على شرفةِ القصرِ، يراقبَانِ المدينةَ التي استعادتْ سلامها.
"لقدْ كانتْ رحلةً صعبةً، يا ليلى"، قالَ "سالمٌ". "لكننا نجحنا."
"لقدْ نجحنا لأننا كنا معًا"، أجابتْ "ليلى" بابتسامةٍ هادئةٍ. "ولأنَّ شعبنا صدَّقَ بأنَّ هناكَ مستقبلًا أفضلَ."
كانتْ "مدينةُ السلامِ" قدْ اجتازتْ عاصفةً هوجاءَ، واستقبلتْ "شروقَ شمسٍ جديدةٍ". لقدْ وُلدَ "عهدُ سلامٍ"، عهدٌ وُلدَ منْ رحمِ الألمِ، وازدهرَ بفضلِ الشجاعةِ، والوحدةِ، والإيمانِ بأنَّ الخيرَ سينتصرُ دائمًا. كانتْ جبالُ "الشهباءِ" الشاهقةُ تبتسمُ، وكأنها تحتفلُ بهذا الانتصارِ، وهذا العهدِ الجديدِ.