عهد السلاطين
الفصل 3 — رسالةٌ من وراء الحدود
بقلم محمد الفاروق
الفصل 3 — رسالةٌ من وراء الحدود
مرت أيامٌ قليلةٌ على قصر الحمراء، كانت مليئةً بالنشاط والتخطيط. لم يكن الصمت يخيم على المدينة، بل كان هناك تحضيرٌ مستمر، وتأهبٌ دائم. كانت الأخبار الواردة من الحدود الشرقية تزداد إلحاحاً، وتشير إلى أن جيوش قشتالة تقترب.
في أحد الأيام، وبينما كان السلطان سليمان يتفقد أحوال الجنود في معسكرٍ قريبٍ من حدود مملكة "برشلونة" الصديقة، وصلت إليه رسالةٌ مستعجلة. كانت الرسالة مختومةً بختمٍ غريب، لم يره من قبل. فتح الرسالة بفضول، وبدأت عيناه تتجولان بين السطور المكتوبة بلغةٍ لم يكن يفهمها تماماً، ولكن المترجم المرافق له، وهو رجلٌ عالمٌ باللغات القديمة، بدأ بترجمتها له.
"يا صاحب الجلالة، السلطان سليمان، ملك الأندلس العظيم." بدأ المترجم يقرأ بصوتٍ جهوري. "نحن، حراس "وادي الظلال"، نكتب إليك هذه الرسالة، محذرين إياك من خطرٍ وشيكٍ يهدد مملكتك، وربما العالم بأسره. لقد رأينا في رؤى الليل، وفي همسات الرياح، أن جيوش "سيد الظلام" بدأت تتحرك من وراء الجبال الغربية. إنه يسعى لاستعادة قوته المفقودة، ويسيطر على الأراضي، ونشر الفوضى والفساد. لقد بدأ بجيوش قشتالة، مستغلاً طمع ملكهم، ليشق طريقه نحو قلب الأندلس. إن نواياه تتجاوز مجرد الحرب، فهو يسعى إلى تدمير كل ما هو جميل ونقي في عالمنا."
توقف المترجم، ونظر إلى السلطان بعينين متسعتين. كان السلطان سليمان، رغم صلابته، يشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. لم يكن يؤمن كثيراً بالخرافات، ولكنه كان يعلم أن هناك قوىً في هذا العالم لا يمكن تفسيرها بالعقل وحده.
"من هم هؤلاء 'حراس وادي الظلال'؟" سأل السلطان.
"يا مولاي، هم قومٌ قديمون، عاشوا في عزلةٍ تامةٍ في جبالٍ بعيدة. يقال إنهم يمتلكون حكمةً عميقة، وقدراتٍ خارقة، وأنهم يراقبون الأحداث في العالم لحماية التوازن. لم نسمع عنهم شيئاً منذ قرون." أجاب المترجم.
"وما هو 'سيد الظلام'؟" سأل السلطان بجدية.
"لا أدري يا مولاي، لم يرد في تاريخنا ذكرٌ لشخصيةٍ بهذا الاسم، بهذه القوة المرعبة." قال المترجم.
تابع السلطان قراءة الرسالة، والتي استمرت في التحذير من خطرٍ أكبر، وتدعو السلطان إلى توحيد الصفوف، وطلب المساعدة من كل من يؤمن بالخير. كانت الرسالة تتحدث عن نبوءةٍ قديمة، تتنبأ بسقوط مملكةٍ عظيمة، إلا إذا اتحدت قوى النور.
"هذا أمرٌ غريبٌ جداً." قال السلطان وهو يفكر. "هل يمكن أن يكون ألفونسو مجرد أداةٍ في يد قوةٍ أكبر؟"
"من الممكن يا مولاي." قال القائد زكريا، الذي كان حاضراً. "فطمع ألفونسو لا يبرر حجم الحشد العسكري الذي رأيناه. ربما هناك ما هو أكثر من ذلك."
"يجب أن نتحقق من هذا الأمر." قال السلطان. "علينا أن نرسل وفداً سرياً إلى تلك المنطقة، لنتأكد من صحة هذه المزاعم. أريد أن أعرف من هو هذا 'سيد الظلام'، وما هي خططه الحقيقية."
"ولكن يا مولاي،" قال القائد طارق، "إذا كان ألفونسو يخطط للهجوم، فمن الأفضل أن نركز جهودنا على الدفاع عنه. قد تكون هذه الرسالة خدعةً من أجل إلهاءنا."
"قد تكون خدعة، وقد تكون الحقيقة." قال السلطان. "ولكن، لا يمكنني تجاهل هذا التحذير. إن كان هناك خطرٌ يهدد مملكتنا، يجب أن نعرفه. سنرسل وفداً صغيراً، بقيادة شخصٍ موثوق به، لتقصي الحقائق. أما بالنسبة للحرب، فسنواصل استعداداتنا. لن نتهاون في الدفاع عن أرضنا."
عاد السلطان إلى قصر الحمراء، وعينيه لا تفارقان الرسالة. كان يشعر بثقلٍ جديدٍ يضاف إلى همومه. لم تعد المعركة مجرد صراعٍ بين مملكتين، بل ربما كانت صراعاً بين الخير والشر.
في تلك الليلة، لم ينم السلطان سليمان كثيراً. كان يقلب في رأسه ألف احتمال. هل كانت هذه مجرد أسطورة؟ أم كان هناك خطرٌ حقيقيٌ يتربص بالأندلس؟ تذكر وجه ابنه يوسف، وتمنى مرةً أخرى لو أن العالم كان مكاناً أكثر أمناً.
في صباح اليوم التالي، استدعى السلطان "جابر"، وهو أحد أمهر رجاله، والذي كان معروفاً بشجاعته وولائه، وقدرته على التخفي والتنكر.
"يا جابر." قال السلطان، وهو ينظر إليه بعمق. "أمامك مهمةٌ حساسة. أريد منك أن تأخذ معك فريقاً صغيراً، وأن تسافروا سراً إلى المنطقة التي ورد ذكرها في هذه الرسالة. ابحثوا عن 'حراس وادي الظلال'، وتحدثوا معهم. اعرفوا المزيد عن هذا 'سيد الظلام' وعن نواياه. كونوا حذرين، ولا تظهروا أنفسكم لأحدٍ إلا لمن تثقون بهم. إذا شعرتم بأي خطر، عودوا فوراً."
"أمرك يا مولاي." قال جابر، وهو ينحني. "سأقوم بالمهمة على أكمل وجه."
أعطى السلطان لجابر بعض التعليمات الإضافية، ثم انصرف الرجل. كان السلطان يعلم أن هذه المهمة محفوفةٌ بالمخاطر، ولكنها كانت ضرورية. كان يجب أن يعرف الحقيقة، مهما كانت.
في غضون ذلك، كانت الأخبار تتوالى من الجبهة الشرقية. كانت قوافل الإمدادات تتحرك، والجنود يتدربون، وكانت روح العزيمة تملأ المكان. كان القادة العسكريون يعملون بجد، ولكنهم كانوا يشعرون أيضاً بالقلق. كانوا يعرفون أن معركةً كبيرةً على وشك الوقوع.
في أزقة غرناطة، استمر الشعب في متابعة الأخبار. كانت الشائعات تنتشر، ولكنها كانت تتنوع بين الخوف والأمل. كان الجميع ينتظرون ما سيحدث. كانوا يعلمون أن مصيرهم مرتبطٌ بمصير مملكتهم.
كانت رحلة جابر قد بدأت، وكانت هذه الرحلة تحمل في طياتها إمكانية تغيير مسار التاريخ. هل سيكتشف الحقيقة؟ هل سيتمكن من منع الكارثة؟ أم أن "سيد الظلام" كان أقوى مما يتخيل الجميع؟