عهد السلاطين
الفصل 4 — عاصفةٌ تقترب
بقلم محمد الفاروق
الفصل 4 — عاصفةٌ تقترب
تسللت رياحٌ باردةٌ إلى قصر الحمراء، حاملةً معها رائحة المطر القادم. كانت السماء قد تحولت إلى لونٍ رماديٍ قاتم، وبدأت الغيوم تتلبد، مبشرةً بعاصفةٍ وشيكة. كان هذا الجو يعكس حالة الترقب والقلق التي كانت تسود المملكة.
في مجلس الوزراء، كان السلطان سليمان يجلس مع وزرائه وقادته العسكريين. كانت وجوههم تحمل علامات الإرهاق والقلق، ولكنها كانت أيضاً مليئةً بالإصرار.
"وصلتني تقاريرٌ جديدة." قال الوزير عبد الله، وهو يفتح وثيقةً أمامه. "جيوش قشتالة تقترب من حدودنا الشرقية. يقدر عددهم بما لا يقل عن خمسين ألف جندي. إنهم يتقدمون بسرعةٍ كبيرة."
"خمسون ألفاً؟" تمتم القائد زكريا، بذهول. "هذا عددٌ هائل. لم أتوقع أبداً أن يجمع ألفونسو هذه القوة."
"هل لدينا ما يكفي من القوات لمواجهتهم؟" سأل السلطان، وصوته هادئٌ ولكنه يحمل نبرةً من التحدي.
"يا مولاي، قواتنا على الجبهة الشرقية تقدر بحوالي ثلاثين ألف جندي مدرب. لدينا أيضاً قواتٌ إضافيةٌ في المدن الرئيسية، ولكنها ليست مستعدةً للمعارك الميدانية الكبيرة." أجاب زكريا. "إذا هاجم ألفونسو بقوته الكاملة، فإننا سنواجه صعوبةً كبيرة."
"وماذا عن قوات الشمال؟" سأل السلطان.
"القائد طارق يجهز جيشه." قال القائد طارق. "نحن مستعدون للانطلاق في غضون يومين، ولكن الوصول إلى الجبهة الشرقية سيستغرق وقتاً."
"يومان؟" قال السلطان. "في يومين، قد يكون ألفونسو قد اخترق دفاعاتنا. يجب أن نجد حلاً."
بدأ النقاش احتدم. اقترح البعض إرسال فرسانٍ سريعين لمحاولة إبطاء تقدم العدو، بينما اقترح آخرون الانسحاب إلى المدن الحصينة وانتظار وصول تعزيزات. كان السلطان يستمع بانتباه، ويدرس كل اقتراح.
"أيّها السادة." قال السلطان أخيراً، وهو يقف. "لا يمكننا أن نسمح لألفونسو بالتقدم بهذه السهولة. الخطة هي كالتالي: سنرسل وحداتٍ سريعةٍ من سلاح الفرسان، بقيادة القائد زكريا، لمحاولة إرباك صفوف العدو وإبطاء تقدمه. وفي الوقت نفسه، سيقوم القائد طارق ببدء تحرك جيوش الشمال بأقصى سرعة ممكنة، وسيتحرك نحو الجبهة الشرقية. أما أنا، فسأبقى هنا في قصر الحمراء، لأشرف على تحركاتنا، ولإرسال رسائل استغاثة إلى الدول الصديقة."
"ولكن يا مولاي،" قال الوزير عبد الله، "إذا كان ألفونسو يخطط لهجومٍ شامل، فقد يكون هذا غير كافٍ. هل نفكر في الهجوم الاستباقي؟"
تردد السلطان قليلاً. كان يعلم أن الهجوم الاستباقي محفوفٌ بالمخاطر، ولكنه قد يكون الخيار الوحيد.
"لا." قال السلطان ببطء. "لن نشن هجوماً استباقياً. لقد تلقينا تحذيراً بشأن خطرٍ أكبر، ونحن لسنا متأكدين من طبيعته. يجب أن نحافظ على قواتنا، وأن نكون مستعدين لكل الاحتمالات. سنركز على الدفاع، وسننتظر وصول القائد طارق. لا نريد أن نكشف عن كامل قوتنا قبل الأوان."
كانت العاصفة قد بدأت تهب بقوة، وصوت الرعد يدوي في الأرجاء. بدت وكأن الطبيعة نفسها تستجيب للتوتّر الذي يسود المملكة.
في تلك الأثناء، كان جابر وفريقه قد وصلوا إلى أطراف "وادي الظلال". كانت المنطقة وعرةً وجبلية، ولم يكونوا متأكدين من طريقهم. كانت الغيوم تتلبد فوق رؤوسهم، وكان الجو بارداً بشكلٍ غير مألوف.
"هل أنت متأكدٌ من هذا الطريق يا جابر؟" سأل أحد رجاله، وهو يرتجف من البرد.
"نعم." أجاب جابر. "لقد تذكرت وصف الطريق من الرسالة. يجب أن نكون قريبين."
وبينما هم يتحدثون، لمحوا ضوءاً خافتاً يتسلل من بين الأشجار الكثيفة. اتجهوا نحو الضوء بحذر، حتى وصلوا إلى كهفٍ صغيرٍ مخفيٍ خلف شلالٍ متجمد. كان هناك رجلٌ عجوزٌ يجلس عند مدخل الكهف، يرتدي ملابس بسيطة، وعيناه تلمعان بنورٍ غريب.
"من أنتم؟" سأل العجوز بصوتٍ هادئ. "وما الذي أتى بكم إلى هذا المكان المقدس؟"
"نحن رسلٌ من السلطان سليمان، ملك الأندلس." قال جابر. "لقد أرسلنا السلطان لنستفسر عن رسالةٍ وصلته، وعن خطرٍ وشيكٍ يهدد مملكته."
نظر العجوز إلى جابر بعينيه الثاقبتين، وكأنه يرى في أعماقه. "لقد كنت أنتظركم. اسمي 'مالك'، وأنا أحد حراس هذا الوادي. لقد رأينا ما سيحدث، ورأينا أن السلطان هو الأمل الوحيد."
بدأ مالك يحكي لجابر وفريقه عن "سيد الظلام". أخبرهم أنه كان ساحراً قديماً، يسعى للسيطرة على العالم، ولكنه هُزم في الماضي وسُجن. ولكن، يبدو أن قوته بدأت تعود، وأنه وجد طريقةً للتأثير على عقول البشر، مستغلاً ضعفهم وطمعهم. لقد استغل طمع الملك ألفونسو، ليجعله أداةً في يده.
"إن ألفونسو ليس هو العدو الحقيقي." قال مالك. "إنه مجرد بيدقٍ في لعبةٍ أكبر. سيد الظلام يسعى إلى إشعال حربٍ شاملة، ليتمكن من استعادة قوته الكاملة، ثم يسيطر على العالم بأسره. إنه يريد أن ينشر الظلام والخوف، وأن يدمر كل ما هو جميل ونقي."
شعر جابر بالبرد يتسلل إلى عظامه، ولم يكن ذلك بسبب الجو. كانت هذه الحقيقة أشد رعباً من أي شيءٍ يمكن أن يتخيله.
"وماذا يمكن أن نفعل؟" سأل جابر. "كيف يمكننا إيقافه؟"
"الأندلس هي القلب النابض للنور في هذه المنطقة." قال مالك. "إذا سقطت الأندلس، فإن الظلام سينتشر. يجب على السلطان سليمان أن يكون قوياً، وأن يوحد شعبه. يجب أن يتذكر أن القوة الحقيقية ليست في السلاح، بل في الإيمان، والوحدة، والعدل."
أعطى مالك لجابر بعض النصائح، وتحدث عن نقاط ضعف "سيد الظلام"، وعن بعض الأشياء التي يمكن أن تساعد السلطان في معركته. ثم طلب منه أن يعود فوراً إلى السلطان، وينقل له هذه المعلومات.
"الوقت قصير." قال مالك. "العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد. أخبر السلطان أن يحذر، وأن يثق بنفسه. الأمل موجود، ولكنه يحتاج إلى قوةٍ للدفاع عنه."
عاد جابر وفريقه، وهم يشعرون بثقلٍ هائلٍ على أكتافهم. كانت مهمتهم قد انتهت، ولكن مهمة السلطان قد بدأت للتو. كانت العاصفة قد بدأت، وكان على الأندلس أن تصمد.