عهد السلاطين
الفصل 5 — هدير العاصفة
بقلم محمد الفاروق
الفصل 5 — هدير العاصفة
كانت الأمطار تهطل بغزارةٍ على قصر الحمراء، وكان صوت الرعد يدوي كأنه هديرٌ عظيم. كانت النوافذ تهتز بفعل الرياح العاتية، والنيران في المواقد تتراقص، ترسم ظلالاً شبحيةً على الجدران. في وسط هذا الاضطراب، كان السلطان سليمان يقف أمام خريطةٍ كبيرةٍ للمملكة، ينظر إليها بتفكيرٍ عميق.
وصلت أنباءٌ جديدةٌ تفيد بأن جيوش قشتالة قد اخترقت الحدود الشرقية، وأنها تتقدم بسرعةٍ نحو الداخل. كانت وحدات الفرسان السريعة التي أرسلها القائد زكريا تقاتل ببسالة، ولكنها لم تكن قادرةً على إيقاف الزحف الهائل.
"يا مولاي،" قال الوزير عبد الله، الذي دخل الغرفة ووجهه يحمل علامات القلق. "وصلتني أخبارٌ سيئة. قواتنا على الجبهة الشرقية تكبدت خسائر كبيرة. القائد زكريا يطلب تعزيزاتٍ عاجلة."
"تعزيزات؟" قال السلطان، وهو يشعر بالغضب يتصاعد في صدره. "جيوش الشمال ما زالت في الطريق. متى سيصل القائد طارق؟"
"يقال إنه سيصل خلال يومين، يا مولاي." أجاب عبد الله. "ولكن، هل سيكون الوقت كافياً؟"
"هذا ما يقلقني." قال السلطان. "إذا سقطت المدن الشرقية، فإن الطريق إلى قلب الأندلس سيكون مفتوحاً."
رفع السلطان بصره نحو النافذة، حيث كانت قطرات المطر تتسابق على الزجاج. كان يتذكر كلمات جابر عن "سيد الظلام" و "العاصفة الحقيقية". هل كانت هذه هي العاصفة التي تحدث عنها؟
"يا مولاي،" قال الوزير عبد الله، "لقد وصلت رسالةٌ أخرى من القائد زكريا. يقول إنه يعتقد أن الهجوم قد يكون مدبراً بشكلٍ أفضل مما توقعنا. يبدو أن العدو لديه معلوماتٌ عن تحركاتنا."
"معلومات؟" كرر السلطان. "كيف؟"
"لا أدري يا مولاي. ولكن، يبدو أن هناك خائناً بيننا."
شعر السلطان ببرودةٍ تسري في عروقه. فكرة الخيانة كانت أشد إيلاماً من أي هزيمةٍ عسكرية.
"يجب أن نتحقق من هذا الأمر." قال السلطان بجدية. "سنقوم بتحقيقٍ سري. لا أريد أن ينتشر الذعر بين الناس."
وبينما كان السلطان يناقش مع وزيره، دخل جابر الغرفة، وهو يبدو متعباً ولكنه يحمل في عينيه بريقاً من الأمل.
"يا مولاي." قال جابر، وهو ينحني. "لقد عدت. لقد تحدثت مع حراس وادي الظلال."
"وماذا أخبروك؟" سأل السلطان بلهفة.
"أخبروني أن ألفونسو ليس هو العدو الحقيقي، يا مولاي. إنه مجرد بيدق. هناك قوةٌ قديمة، 'سيد الظلام'، يسعى للسيطرة على العالم. لقد استغل طمع ألفونسو ليشن هذا الهجوم. العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد."
روى جابر للسلطان ما سمعه من مالك، عن خطط "سيد الظلام"، وعن الحاجة إلى الوحدة والإيمان.
استمع السلطان بانتباه، وشعر بأن كل شيءٍ بدأ يتضح. لم يكن الأمر مجرد حربٍ تقليدية، بل كان صراعاً أعمق.
"إذن، يجب أن نكون مستعدين لكل شيء." قال السلطان. "لا يكفي أن ندافع عن أرضنا، بل يجب أن نحارب الظلام نفسه."
"ولكن كيف يا مولاي؟" سأل الوزير عبد الله. "نحن لا نعرف كيف نواجه هذا 'سيد الظلام'."
"سنعرف." قال السلطان بثقة. "لقد أخبرنا جابر أن القوة الحقيقية تكمن في الوحدة والإيمان. سنحتشد، وسنثق بالله، وسنقاتل بكل ما لدينا. سنرسل رسائل إلى كل الدول الصديقة، لنطلب منهم المساعدة. وسنعلن للشعب أننا نواجه خطراً عظيماً، ولكننا لن نستسلم."
"ولكن يا مولاي،" قال جابر، "حراس وادي الظلال قالوا إن هناك نقطة ضعف لدى سيد الظلام. لقد أعطوني هذه."
مد جابر يده، وفيها قطعةٌ من حجرٍ غريب، يتلألأ بضوءٍ خافت.
"ما هذا؟" سأل السلطان، وهو يأخذ الحجر.
"قالوا إنه 'حجر النور'، يا مولاي. إنه يمتلك قوةً سحرية، ويمكن أن يساعدنا في مواجهة الظلام."
نظر السلطان إلى الحجر، وشعر بدفءٍ غريبٍ ينتشر في يده. كانت هذه نهاية المطاف، وبداية قصةٍ جديدة.
"إذن،" قال السلطان، وهو يرفع رأسه، وعيناه تلمعان بالعزيمة. "سنحتشد. سنعلن الحرب على الظلام. وسنقاتل من أجل مستقبل الأندلس."
في الخارج، استمرت العاصفة في هبوبها. كانت الرياح تعوي، والأمطار تتساقط، وكأن العالم كله كان على وشك الانهيار. ولكن، في قلب قصر الحمراء، كان هناك تصميمٌ وإصرار. كانت الأندلس تستعد لمواجهة أعظم تحدٍ في تاريخها. كانت عاصفة الظلام قد بدأت، ولكن عاصفة الأمل كانت على وشك الانطلاق.