الفصل 6 / 24

عهد السلاطين

بالتأكيد، إليك الفصول الستة التالية من رواية "عهد السلاطين":

بقلم محمد الفاروق

بالتأكيد، إليك الفصول الستة التالية من رواية "عهد السلاطين":

الفصل 6 — نورٌ يتسلل عبر الظلام

كانت الليلة قد أرخت سدولها على مدينة غرناطة، لكن في قصر الحمراء، لم يكن الظلام كثيفاً كما يبدو في الخارج. كانت الأضواء الخافتة للشموع ترسم ظلالاً راقصة على الجدران المزخرفة، وتلقي بوهج دافئ على وجوه من كانوا يجلسون في المجلس الخاص للسلطان أحمد. كان الهواء مشبعاً بعبق البخور الممزوج برائحة الورود التي كانت تزين القاعة.

جلس السلطان أحمد، وقد اختلطت ملامح القلق على وجهه الوقور بتصميمٍ لا يلين. إلى جانبه، جلست زوجته، الأميرة زينب، وعيناها تتابعان كل حركة يقوم بها زوجها، تحمل في نظراتها مزيجاً من الحب والدعم والقلق العميق على مستقبل دولته. وعلى مقربة منهما، كان الأمير الشاب، يوسف، يجلس بصمت، يستمع بانتباه شديد إلى النقاشات الدائرة، وقد انعكست على وجهه علامات النضج المبكر والتفكير العميق، وهو يستوعب ثقل المسؤولية التي باتت تلقي بظلالها عليه.

كان الحاضرون من كبار رجال الدولة والمستشارين. كان الوزير الأعظم، الحاجب سليمان، رجلاً قدماه راسختان في وحل السياسة، يمتلك حكمة السنين وخبرة المعارك. بجانبه، كان القائد العسكري، الأمير خالد، ذو البنية القوية والهيبة التي تفرض نفسها، وعيناه الحادتان لا تفوتان شيئاً. كما كان هناك رجال الدين والفقهاء، وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن، الذي كان صوته الهادئ يحمل وقار العلم وسكينة الإيمان.

قال الحاجب سليمان بصوتٍ هادئ ولكنه حازم: "مولاي السلطان، التقارير التي وردت إلينا مؤخراً من الحدود الشرقية لا تبعث على الارتياح. تحركات جيوش قشتالة أصبحت أكثر جرأة، والأنباء تتحدث عن حشدٍ كبيرٍ لم يشهده أحدٌ منذ سنوات."

أومأ السلطان أحمد برأسه ببطء، وقال بصوتٍ عميقٍ فيه بحةٌ من الأسى: "أعلم يا سليمان. لطالما استنزفتنا حروب الحدود. كلما ظننا أننا نجد بعض الراحة، عاد شبح الحرب ليطاردنا. لكن هذه المرة، يبدو الأمر مختلفاً. الاستخبارات تشير إلى أن النوايا أعمق من مجرد استعادة بعض الأراضي."

تحدث الأمير خالد، وعيناه تلمعان بشيءٍ من التحدي: "إذا كانت قشتالة تفكر في غزوٍ شامل، فهي لم تدرس تاريخنا جيداً. شعب الأندلس واحد، ولن نسمح لهم بتقسيمنا. جيوشنا مستعدة، وقد دربت تدريباً قاسياً. لكن يا مولاي، يجب أن نعترف بأنهم يمتلكون عدداً أكبر."

تدخل الشيخ عبد الرحمن بصوتٍ يرتل كالنهر الهادئ: "يا سيدي، النصر من عند الله. علينا أن نتوكل عليه، وأن نعد العدة، وأن ندعو الله بقلوبٍ صافية. الأمة التي تتحد في إيمانها وتجتمع على كلمة الحق، لا يغلبها عدوٌ مهما علا شأنه. يجب أن نذكر شعبنا ببطولات أجدادهم، وبأنهم يحمون أرضاً مباركة."

نظرت الأميرة زينب إلى زوجها، ثم قالت بصوتٍ رقيق ولكنه يحمل قوةً كامنة: "مولاي، لا ننسى أن قوتنا ليست فقط في السيف والرمح. إنها أيضاً في وحدتنا، في تكاتفنا، وفي إيماننا. إن كان لا بد من الحرب، فعلينا أن نحشد قلوب شعبنا قبل أن نحشد جنودنا. وأن نزرع فيهم الأمل، لا الخوف."

كان الأمير يوسف، الذي كان صامتاً حتى تلك اللحظة، يشعر بثقل الكلمات التي تُقال. كانت هذه أول مرة يشارك فيها بجدية في مثل هذه المناقشات. كان يتذكر جدته، السلطانة فاطمة، وحكاياتها عن أيام العز والمجد، وعن التضحيات التي قدمها أسلافهم. كان يشعر بشيءٍ من الخجل لضعف خبرته، ولكنه كان مدفوعاً برغبةٍ جامحةٍ في أن يكون قوياً، أن يكون سنداً لوالده ولبلاده.

قال يوسف بصوتٍ متردد ولكنه واضح: "يا مولاي، لقد سمعت همساتٍ من بعض التجار الذين وصلوا من الحدود. يقولون إن هناك بعض القرى قد بدأت تظهر عليها علامات اليأس. والخوف يسيطر على القلوب. ربما يكون من المفيد أن نرسل رسائل طمأنينة، وأن نؤكد لهم أن حماية الدولة لن تتخلى عنهم."

نظر إليه السلطان أحمد بعينين فيهما فخرٌ ممزوجٌ بالعتاب الخفيف، وقال: "كلامك صحيح يا بني. يجب أن يشعر الناس بأننا معهم. وأننا لن ندخر جهداً في الدفاع عنهم. ولكن كيف يمكننا أن نطمئنهم ونحن لا نملك إلا القليل؟"

ابتسم الحاجب سليمان ابتسامةً خبيثة، وقال: "مولاي، لعل لدينا ما يكفي من الأوراق التي يمكن أن نلعب بها. لقد تلقينا رسالةً أخرى، هذه المرة من إمارة ألمرية. إنهم يعرضون علينا المساعدة، ولكن بثمن."

ارتفعت حاجب السلطان أحمد قليلاً، وقال: "بثمن؟ وما هو هذا الثمن؟"

"إنهم يطلبون حصرية تجارة التوابل في السواحل الشمالية، مقابل تقديم قوةٍ عسكريةٍ مساندة. كما يطلبون بعض الأراضي الحدودية كمناطق نفوذ."

صمت الجميع للحظات، يفكرون في عرض ألمرية. كان عرضاً مغرياً من حيث المساعدة العسكرية، لكن الثمن كان باهظاً.

قال الأمير خالد بحذر: "إن منح ألمرية هذه الامتيازات سيمنحهم نفوذاً اقتصادياً وسياسياً خطيراً. قد يصبحون أقوى منا في المستقبل."

قالت الأميرة زينب: "ولكن، هل لدينا خيار آخر؟ إن انتظار قشتالة حتى تصل إلى أبواب غرناطة سيكون كارثة. ألمرية، على الأقل، هي دولة إسلامية. ربما يمكننا التفاوض معهم على شروطٍ أفضل."

كان السلطان أحمد يفكر بعمق. كانت القرارات التي يتخذها الآن ستحدد مصير مملكته. كان يشعر بثقل التاريخ على كتفيه. تذكر جده، السلطان يوسف الأول، الذي بنى الحمراء، والذي عاش عصراً ذهبياً. كان يأمل أن يكون جديراً بإرثه.

قال السلطان بصوتٍ فيه عزم: "سننظر في عرض ألمرية. ولكن قبل ذلك، أريد أن أرى بنفسي حالة الحدود. سنقوم برحلةٍ استطلاعيةٍ سريعة، لنطمئن على جنودنا، ولنرى بأعيننا ما يحدث."

نظر الحاجب سليمان إليه بقلق: "مولاي، إنها مخاطرة كبيرة. قد تكون الحدود غير آمنة."

"لقد حان الوقت يا سليمان لأظهر لشعبي أن سلطانهم ليس مجرد حاكمٍ يجلس على عرشٍ بعيد. بل هو معكم، في الميدان. وأنني مستعدٌ للمخاطرة بحياتي من أجلهم."

في تلك الليلة، وبينما كانت غرناطة تغفو، كان قلب السلطان أحمد ينبض بالهموم ولكن أيضاً بالأمل. كان يشعر بمسؤوليةٍ عظيمة، ولكنه كان يجد في ذلك الدافع ليقود. وكان يعلم أن الظلام لن يدوم طويلاً، وأن هناك دائماً نوراً يتسلل عبر شقوق الظلام، يضيء طريق الأبطال.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%