الفصل 7 / 24

عهد السلاطين

الفصل 7 — رحلةٌ إلى المجهول

بقلم محمد الفاروق

الفصل 7 — رحلةٌ إلى المجهول

كان الفجر قد بدأ للتو يلقي بظلاله الوردية على قمم جبال سييرا نيفادا، عندما انطلقت قافلةٌ صغيرة من قصر الحمراء. لم تكن قافلةً ملكيةً فخمة، بل كانت عبارة عن فرقةٍ من الحرس الخاص للسلطان، ترافق السلطان أحمد، والأمير يوسف، وقليلٌ من مستشاريه المقربين، وعلى رأسهم الحاجب سليمان. كانت الملابس بسيطة، والخيول قوية، والهدف واضح: الوصول إلى الحدود الشرقية، ومعرفة الحقيقة بأنفسهم.

كان الأمير يوسف يشعر بمزيجٍ من الحماس والقلق. كانت هذه أول رحلةٍ له خارج أسوار غرناطة منذ سنوات، وكانت تحمل في طياتها طابعاً رسمياً هاماً. كان يرى في هذه الرحلة فرصةً ليثبت لوالده، ولنفسه، أنه قادرٌ على تحمل المسؤولية. كان ينظر إلى والده، الذي بدا عليه الإرهاق من قلة النوم، ولكنه كان يتمتع بعزيمةٍ فولاذية.

قال السلطان أحمد، وهو يشد لجام فرسه: "يا يوسف، إن هذه الأرض التي نسير عليها هي أمانةٌ في أعناقنا. يجب أن نفهم هموم أهلها، وأن نعرف ما يقلقهم، حتى نستطيع أن نحكم بالعدل وأن ندافع عنهم بصدق."

أجاب يوسف بصوتٍ فيه قوةٌ متزايدة: "أعلم يا أبي. ولذلك، أنا هنا لأتعلم، ولأرى بعيني ما لا تصفه التقارير."

كانت الطريق وعرة في بعض الأحيان، ولكن المناظر الطبيعية كانت تخطف الأنفاس. الحقول الخضراء التي بدأت تنضج، والوديان الهادئة، وقرى صغيرة تتناثر هنا وهناك. كان الجنود على أهبة الاستعداد، وعيونهم تتفحص الأفق باستمرار.

عندما وصلوا إلى قريةٍ صغيرة، أوقف السلطان القافلة. كان أهل القرية قد خرجوا لاستقبالهم، وقد ارتسمت على وجوههم الدهشة ممزوجةً بالأمل. لقد رأوا سلطانهم بين ظهرانيهم، وهذا بحد ذاته كان مصدر عزاءٍ كبير.

"السلام عليكم أيها الناس الطيبون"، قال السلطان بصوتٍ ودود، وهو ينزل عن فرسه. "جئتكم لأرى أحوالكم، ولأطمئن عليكم."

تقدم شيخ القرية، وهو رجلٌ كبير السن يرتدي ملابس بسيطة، وقال بصوتٍ يرتجف قليلاً: "أهلاً بك يا مولاي السلطان. إن قدومكم هو بحد ذاته بركة. نحن نشعر بالأمان حين نرى وجه سلطاننا. ولكن، القلق يساورنا. نسمع عن تحركاتٍ في الشمال، ونرى دورياتٍ لقشتالة تقترب أكثر فأكثر. الخوف يسيطر على قلوبنا."

استمع السلطان أحمد بعناية، وطرح أسئلةً محددة حول تحركات الجنود، وطبيعة اقترابهم، وما إذا كانوا قد تعرضوا لأي مضايقات. كان يوسف يراقب والده، ويتعلم كيف يتحدث إلى الناس، وكيف يستمع إلى مخاوفهم.

قال أحد المزارعين، وقد علت وجهه علامات الشدة: "يا مولاي، لقد بدأوا يفرضون ضرائب جديدة علينا. يقولون إنها رسوم حماية. ونحن بالكاد نستطيع أن نؤمن قوت يومنا. إن لم تتداركنا برعايتك، فسنضطر إلى ترك أرضنا."

شعر يوسف بوخزةٍ في قلبه. لقد كانت هذه الكلمات أقسى من أي تقريرٍ قرأه. كانت تمثل حقيقةً مؤلمةً لا يمكن إنكارها.

أجاب السلطان أحمد بحزم: "أقسم لكم بالله، لن أسمح بذلك. إن كنتم تدفعون الضرائب للدولة، فلا يحق لأحدٍ أن يبتزكم. سأتأكد من أن هذه الممارسات تتوقف فوراً. وسأرسل لكم الحماية اللازمة."

تحدثت امرأةٌ شابة، وقد علت وجهها علامات الأسى: "يا مولاي، لقد أخذوا ابني الأكبر، الشاب عبد الله، قبل أسبوعين. قالوا إنه يجب أن يخدم في جيوشهم، ولكننا نعلم أنهم يقتلون شبابنا. أرجوك، أعد لي ابني."

ارتعش السلطان من الأسى، ونظر إلى الحاجب سليمان، الذي أومأ برأسه بتفهم.

قال السلطان للمرأة: "يا ابنتي، أعرف أن الألم كبير. سأبذل قصارى جهدي لمعرفة مصير ابنك. وإذا كان في أيدي قشتالة، فسأعمل على استعادته. ولكن عليكِ أن تتحلي بالصبر والقوة."

بعد أن استمع إلى أهل القرية، ووزع بعض المساعدات المادية التي كانت معهم، استأنف السلطان رحلته. كان الطريق إلى الأمام لا يزال طويلاً، وكان الهدف هو الوصول إلى أقرب حصنٍ عسكري على الحدود.

في المساء، نصبوا خيامهم في منطقةٍ آمنة نسبيًا، تحت حراسة مشددة. كانت السماء مليئةً بالنجوم، ولكنها لم تكن تمنع القلق الذي كان يساور قلوب الجميع.

قال يوسف لوالده، بينما كانوا يجلسون قرب النار: "يا أبي، لقد رأيت اليوم ما لم أكن أتخيله. مدى المعاناة التي يعانيها شعبنا. أشعر بأنني عاجز."

وضع السلطان يده على كتف ابنه، وقال: "يا بني، الشعور بالعجز هو الخطوة الأولى نحو القوة. عندما تدرك حجم المشكلة، تبدأ في البحث عن الحلول. إن مهمتنا ليست سهلة، ولكنها مهمةٌ نبيلة. يجب أن نتعلم من أخطاء الماضي، وأن نقوي عزيمتنا. إن هذه الأرض، وهذه الحضارة، تستحق منا كل التضحيات."

"ولكن، كيف سنواجه قشتالة؟ إنهم أقوياء جداً."

"القوة ليست دائماً في العدد يا يوسف. إنها في الإيمان، وفي الوحدة، وفي الشجاعة. إن شعبنا الأندلسي قد واجه تحدياتٍ أكبر من هذه. إننا نحمل إرثاً عظيماً، ويجب أن نكون أهلاً له. لقد رأيت في عيون أهل تلك القرية أملاً عندما رأوا سلطانهم. هذا الأمل هو وقودنا. يجب أن نغذيه، وأن ننميه."

"وماذا عن عرض ألمرية؟ هل سنقبله؟"

تنهد السلطان أحمد، وقال: "إنها ورقةٌ أخيرة. لا أحبذ أن نبيع أراضينا أو امتيازاتنا لأحد. ولكن، إذا كان ذلك سيمنع سقوط الأندلس، فقد نضطر إلى التفكير فيه. ولكن، قبل أن نتخذ أي قرار، أريد أن أتحدث مع قائد الحصن الحدودي. أريد أن أعرف منه الوضع العسكري بالتفصيل."

تغلغل في قلب يوسف شعورٌ جديد. لم تعد مجرد مسؤولية، بل أصبحت مهمةً مقدسة. كان يرى والده، ليس فقط كسلطان، بل كأبٍ يسعى لحماية أبنائه. وكان يشعر بأنه يريد أن يكون قوياً، أن يكون درعاً لوالده ولبلاده.

استمرت الرحلة لعدة أيام، كل يوم يكشف عن طبقةٍ جديدة من الواقع الأندلسي. رأوا القرى التي قد بدأت تتخلى عن أراضيها، وشهدوا الحقول المهجورة، وسمعوا قصصاً عن شبابٍ اختفوا أو تم تجنيدهم قسراً. ولكنهم رأوا أيضاً بعض القرى التي ما زالت تقاوم، والتي ما زالت ترفع راية الأمل.

عندما اقتربوا من الحصن الحدودي، أصبح المناخ أكثر توتراً. كانت المنطقة تبدو كأنها على حافة بركان. الجنود على الأسوار كانوا أكثر يقظة، وعلامات الاستعداد للحرب باديةٌ على كل شيء.

كان السلطان أحمد يشعر بأن قلبه يثقل. لقد كانت هذه رحلةً إلى المجهول، ولكنها كانت أيضاً رحلةً نحو الحقيقة. وكان يدرك أن القرارات التي سيتخذها بعد هذه الرحلة ستكون أصعب القرارات في حياته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%