عهد السلاطين
الفصل 8 — صدى الأجداد في الحصن
بقلم محمد الفاروق
الفصل 8 — صدى الأجداد في الحصن
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب حين وصلت قافلة السلطان إلى مشارف الحصن الحدودي "قلعة النجوم". بدا الحصن شامخاً على تلةٍ مرتفعة، جدرانه الحجرية السميكة تحكي قصة صمودٍ طويل، وأبراجها المربعة تخترق زرقة السماء. لم يكن الحصن مجرد بناءٍ عسكري، بل كان رمزاً للوجود الأندلسي في هذه الأرض الحدودية، شاهداً على معارك طاحنة وأيامٍ مجيدة.
عندما اقتربوا، خرجت فرقةٌ من الجنود لاستقبالهم. قادهم قائد الحصن، وهو رجلٌ في منتصف العمر، اسمه خالد بن الوليد. كان يمتلك بنيةً قوية، وعينين يقظتين، وشاربين كثيفين يضفيان عليه هيبةً خاصة. بدا عليه الإرهاق، ولكن في عينيه كان هناك بريقٌ من العزيمة.
"أهلاً بك يا مولاي السلطان"، قال القائد خالد، وقد انحنى قليلاً تعظيماً. "لم نتوقع قدومكم. هذا شرفٌ عظيم لنا."
"الشرف لي يا خالد"، أجاب السلطان أحمد، وهو ينظر إلى الحصن بعينين فيهما تقدير. "جئت لأرى بنفسي، ولأسمع منكم مباشرةً. كيف هو الوضع هنا؟"
دخل السلطان والقائد خالد، والأمير يوسف، والحاجب سليمان، إلى قاعة القيادة داخل الحصن. كانت القاعة بسيطة، ولكنها نظيفة ومرتبة. على الجدران، كانت هناك بعض الخرائط العسكرية، وأدوات الحرب القديمة، وربما بعض الصور أو النقوش التي تحكي عن تاريخ الحصن.
"يا مولاي"، بدأ القائد خالد، وهو يشير إلى خريطةٍ على الطاولة. "تحركات قشتالة أصبحت يومية. لديهم وحدات استطلاع تجوب المنطقة، وقد اقتربوا بشكلٍ خطير من القرى الموالية لنا. لقد قمنا بتعزيز الدفاعات، ولكن جنودنا قليلون بالمقارنة مع عددهم."
"ما هو عدد جيشهم التقريبي الذي تراه؟" سأل السلطان أحمد بجدية.
"التقديرات تشير إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف جندي، بالإضافة إلى وحداتٍ من المشاة والفرسان. وهم يتلقون تعزيزاتٍ مستمرة. يبدو أنهم يخططون لشيءٍ كبير."
تنهد السلطان أحمد، وقال: "خمسة آلاف... هذا عددٌ ليس بالهين. وهل حاولوا أي هجومٍ مباشر على الحصن؟"
"لا يا مولاي، حتى الآن. يبدو أنهم يخشون قوة جدراننا، أو ربما ينتظرون لحظةً مناسبة. ولكنهم بدأوا في تضييق الخناق على القرى القريبة، وقطعوا بعض الطرق التجارية. يريدون إضعافنا تدريجياً."
نظر الأمير يوسف إلى والده، ثم سأل القائد خالد: "يا سيدي، كيف يتعامل أهل القرى مع هذا الوضع؟ هل يظهرون الولاء للدولة؟"
ابتسم القائد خالد ابتسامةً حزينة، وقال: "بعضهم ما زال مخلصاً، يا سمو الأمير. إنهم يرفضون دفع الضرائب لقشتالة، ويتحملون الكثير من المشاق. ولكن، هناك أيضاً من بدأ يخاف. والخوف عدوٌ لدودٌ للإيمان. عندما يشعرون أن الدولة بعيدةٌ عنهم، وأن قشتالة قريبةٌ جداً، فقد يميلون إلى المصالح."
"وهل حاولتم إرسال رسائل طمأنة إليهم؟" سأل يوسف.
"نعم يا سمو الأمير. ولكن، كما تعلم، تقاريرنا لا تصل إليهم دائماً، ورسائل قشتالة تصل أسرع. يدعون أنهم سيحررونهم من حكم المسلمين، وأنهم سيجلبون لهم الأمان والازدهار. للأسف، بعض البسطاء يصدقون هذه الادعاءات."
شعر يوسف بمرارةٍ شديدة. كان يدرك الآن أن المعركة ليست فقط على الحدود، بل هي أيضاً في عقول وقلوب الناس.
قال السلطان أحمد: "يجب أن نغير هذا الوضع. يجب أن نرسل رسائلنا الخاصة، وأن نظهر لأهلنا أننا معهم. خالد، هل يمكنك أن توفر لنا بعض الجنود الموثوقين، وبعض الخيول السريعة؟ سنقوم بزيارة بعض القرى الموالية، لنرى بأعيننا، ولنطمئنهم."
"بالتأكيد يا مولاي. سأختار لك أفضل الرجال."
قضى السلطان أحمد والأمير يوسف بقية المساء في الحصن. تحدثوا إلى الجنود، وشاهدوا تدريباتهم، وزاروا المخازن. كان الجو متوتراً، ولكن كان هناك أيضاً شعورٌ بالوحدة والتصميم.
في اليوم التالي، انطلقت فرقةٌ صغيرة بقيادة السلطان، برفقة الأمير يوسف، والقائد خالد، وبعض الجنود. كانت وجهتهم قريةٌ صغيرة تبعد بضعة أميال عن الحصن، معروفةٌ بولائها الشديد للدولة.
عند وصولهم، استقبلهم أهل القرية بحفاوةٍ بالغة. لقد رأوا سلطانهم بنفسه، وهذا كان كافياً لزرع الأمل في قلوبهم. تحدث السلطان إليهم، وطمأنهم، ووعدهم بالحماية. وأكد لهم أن الأندلس لن تسقط.
"يا مولاي"، قالت امرأةٌ مسنة، وقد علت وجهها تجاعيد الخبرة والحكمة. "لقد رأينا كثيراً من السلاطين، وحكمنا كثيراً من العصور. إن قشتالة تأتي وتذهب، ولكن أرضنا باقية. إن الأندلس ليست مجرد دولة، إنها عقيدة. إنها حضارة. إنها تاريخ."
أومأ السلطان أحمد برأسه، وقد تأثر بكلامها. "صدقتِ يا أماه. إنها عقيدةٌ لا تموت. وسنحافظ عليها."
بعد ذلك، توجهوا إلى قريةٍ أخرى، ولكنها كانت مختلفة. كانت تبدو مهجورةً بعض الشيء، وعلى وجوه سكانها علامات الخوف واليأس. كانت هناك علاماتٌ واضحة على اقتراب جنود قشتالة.
"يا مولاي"، قال القائد خالد بصوتٍ خافت. "هذه القرية قريبةٌ جداً من مناطق نفوذهم. ربما يكون من الخطر البقاء هنا طويلاً."
"لا بأس يا خالد"، قال السلطان بهدوء. "علينا أن نعرف الحقيقة. هل دفع هؤلاء الناس الضرائب لقشتالة؟"
"نعم يا مولاي. لقد اضطروا لذلك. يقولون إنهم لم يجدوا بديلاً."
شعر يوسف بغضبٍ مكبوت. كان يشعر بأن الأندلس تضعف، وأن قوتها تتآكل.
"مولاي"، قال يوسف لوالده، وقد علت صوته نبرةٌ من الحزم. "يجب أن نعلن حالة التأهب القصوى. وأن نرسل رسائل استغاثة إلى الإمارات الإسلامية الأخرى. وأن نفعل كل ما في وسعنا لصد هذا الغزو."
نظر إليه السلطان أحمد، وفي عينيه مزيجٌ من الفخر والأسى. "كلامك صحيح يا بني. ولكن، هل سنقف وحدنا؟ هل سيأتينا العون؟"
"إذا لم يأتِ العون، يا مولاي، فسوف نقاتل. وسنقاتل حتى آخر رجل. دفاعاً عن أجدادنا، وعن أبنائنا."
في تلك اللحظة، شعر يوسف بأن شيئاً ما قد تغير فيه. لقد رأى الواقع القاسي، ولكنه شعر بأن الإرادة القتالية قد اشتعلت بداخله. لم يعد يرى الأندلس كدولةٍ محكومة، بل كوطنٍ يستحق التضحية.
عندما عادوا إلى الحصن، كان السلطان أحمد قد اتخذ قراره. نظر إلى الحاجب سليمان، وقال: "اكتب إلى أمير ألمرية. سنقبل عرضه، ولكن بشروطٍ معدلة. نريد ضماناتٍ قوية، وأن لا تكون هناك أي امتيازاتٍ دائمة. وسوف نحدد مناطق نفوذٍ مؤقتة فقط."
"وهل سنرسل رسالة استغاثة إلى الإمارات الأخرى؟" سأل سليمان.
"نعم. ولكن، لا تتوقع الكثير. كلٌ مشغولٌ بنفسه."
أحس يوسف بأن قلبه قد امتلأ بالعزيمة. لقد كانت الأوضاع صعبة، ولكنهم كانوا على استعدادٍ لمواجهتها. لقد سمع صدى الأجداد في جدران الحصن، وكان يشعر بأنهم جزءٌ من تاريخٍ أطول، تاريخٍ يجب أن يحموه.