الفصل 9 / 24

عهد السلاطين

الفصل 9 — شبح ألمرية

بقلم محمد الفاروق

الفصل 9 — شبح ألمرية

عادت قافلة السلطان إلى قصر الحمراء بعد أيامٍ من الرحلة المضنية. كانت الأجواء في القصر مشحونةً بالقلق والترقب. أخبار الحدود كانت تتدفق، وتقارير الاستخبارات ترسم صورةً قاتمةً لوضعٍ يزداد سوءاً. كان السلطان أحمد قد اجتمع بمستشاريه المقربين، وكان النقاش هذه المرة يدور حول العرض الذي قدمته إمارة ألمرية.

"يا مولاي"، قال الحاجب سليمان، وقد وضع رسالةً من ألمرية أمامه. "لقد وافق أمير ألمرية على شروطنا المعدلة، ولكنه يطلب ضماناتٍ إضافية. يصر على أن تكون له الأولوية في تجارة التوابل لسنواتٍ طويلة، وأن تكون بعض القلاع الحدودية تحت إشرافه المباشر لحماية قواته."

تنهد السلطان أحمد، ونظر إلى الأميرة زينب التي كانت تجلس بجانبه، وعيناها تعكسان قلقه العميق. "هذه شروطٌ خطيرة يا سليمان. إن منحهم هذه الامتيازات سيجعلهم قوةً مهيمنة في الأندلس. قد نصبح عبيداً لمن أنقذنا."

"ولكن يا مولاي"، قال الأمير خالد، وهو يفرك لحيته. "إن قواتنا لا تكفي لمواجهة جيش قشتالة وحده. إن عرض ألمرية، على الرغم من مخاطره، قد يكون الفرصة الوحيدة لتجنب كارثةٍ وشيكة. إنهم يطلبون أربعين ألف قطعة ذهبية، وثلاثة آلاف جندي مدرب، بالإضافة إلى قوة بحرية لدعم سواحلنا."

"وهل نحن متأكدون من ولاء ألمرية؟" سأل السلطان. "إنهم يطمعون في السلطة بقدر ما تطمع قشتالة."

"هذا هو الخطر الأكبر يا مولاي"، أجاب الحاجب سليمان. "لقد سمعنا همساتٍ عن طموحات أمير ألمرية. إنه رجلٌ طموح، وقد يرى في هذه الأزمة فرصةً لتوسيع نفوذه."

في تلك اللحظة، دخل الأمير يوسف إلى القاعة، وقد بدا عليه الإصرار. "يا مولاي، لقد تحدثت مع بعض التجار والمراقبين. يقولون إن ألمرية لم تعد كما كانت. لقد تأثرت بالثقافة القشتالية أكثر من اللازم. وقادتها يميلون إلى عقد صفقاتٍ معهم في الخفاء."

اتسعت عينا السلطان أحمد. "هل لديك دليلٌ على هذا الكلام يا يوسف؟"

"ليس دليلاً قاطعاً يا مولاي، ولكن الشائعات قوية. وخاصةً بعد أن أصبحت علاقاتهم مع بعض الممالك المسيحية أفضل من علاقاتهم مع بقية الإمارات الإسلامية."

"هذا أمرٌ جلل"، قال السلطان بصوتٍ فيه قلقٌ بالغ. "إذا كانت ألمرية تميل إلى قشتالة، فإن مساعدتهم قد تكون خيانةً لنا."

"ولكن ماذا نفعل؟" تساءلت الأميرة زينب بصوتٍ فيه يأس. "هل نترك غرناطة تواجه مصيرها وحدها؟"

"لا يا زينب، لن نفعل ذلك. ولكن يجب أن نكون حذرين. يجب أن نفكر في خطةٍ بديلة."

"ما هي الخطة البديلة يا مولاي؟" سأل الأمير خالد. "الوقت يضيق، وجيش قشتالة يقترب."

"سوف نرسل سفيراً إلى مملكة ليون"، قال السلطان أحمد. "إن مملكة ليون كانت دائماً عدوةً لقشتالة. ربما يمكننا عقد تحالفٍ معهم، على الرغم من الاختلاف الديني. إنها خطوةٌ جريئة، ولكن ربما تكون هي الوحيدة الممكنة."

ارتفعت علامات الدهشة على وجوه الحاضرين. التحالف مع مملكة مسيحية؟ كان هذا أمراً غير مسبوق.

"مولاي"، قال الحاجب سليمان بتردد. "هذا القرار قد يثير استياءً كبيراً بين علمائنا وشعبنا."

"أعلم يا سليمان"، أجاب السلطان بحزم. "ولكن، هل لدينا خيارٌ آخر؟ إنقاذ الأندلس أهم من أي استياء. إنني أرى في عيون شعبنا الخوف. والخوف يدفع إلى اليأس. إذا لم نجد حليفاً، فسنكون وحدنا في مواجهة العاصفة."

"ومن سيكون هذا السفير؟" سأل يوسف.

"سوف أختار رجلاً حكيماً، لديه خبرةٌ في التعامل مع الأوروبيين. وسوف أسلمه وثيقةً رسميةً مفصلةً بالشروط التي يمكننا قبولها، والشروط التي لا يمكننا التنازل عنها."

"ولكن، كيف نضمن أن ليون ستقبل؟" سأل الأمير خالد. "قد يرون أننا في موقف ضعف، ويطلبون شروطاً أكثر إذلالاً."

"هذا هو الخطر"، اعترف السلطان. "ولكن، يجب أن نجرب. إننا ندخل مرحلةً جديدة، مرحلةً تتطلب منا الشجاعة للتفكير خارج الصندوق. مرحلةٌ قد نضطر فيها إلى عقد تحالفاتٍ غير متوقعة."

في هذه الأثناء، كانت الأميرة زينب تراقب ابنتها، الأميرة ليلى، التي كانت تجلس في زاوية الغرفة، وقد بدت شاردة الذهن. كانت ليلى، الفتاة الرقيقة والعاطفية، تشعر بثقل الأحداث المحيطة بها. كان قلبها يخفق بقوة كلما سمعت عن اقتراب الحرب.

"يا أمي"، قالت ليلى بصوتٍ خافت، وقد بدت عيناها لامعتين بالدموع. "هل حقاً ستكون هناك حرب؟ هل سيأتي الأعداء إلى غرناطة؟"

أمسكت الأميرة زينب بيد ابنتها، وقالت بحنان: "لا تخافي يا حبيبتي. والدكِ وجنودنا الأبطال سيحموننا. إن الله معنا."

"ولكن، ماذا لو لم يكفِ الأمر؟"

"إذا لم يكفِ الأمر، فسنلجأ إلى كل ما نستطيع. لقد رأيتِ كيف أن والدكِ يحاول إيجاد حلولٍ لكل شيء. إنه يفكر في ألمرية، ويفكر في ليون. إنه يفعل كل ما في وسعه."

كانت ليلى تفكر في الشاب يوسف، الذي كانت ترى فيه الأمل والقوة. كانت تتذكر حديثه مع والدها، وشعرت بإعجابٍ كبيرٍ بشجاعته.

"يا أمي"، قالت ليلى فجأة. "هل تعلمين أن هناك شائعاتٍ عن خطوبةٍ بيني وبين أحد أمراء ألمرية؟"

تجمدت الأميرة زينب. لم تكن تتوقع هذا السؤال. "من أين سمعتِ هذا الكلام يا ابنتي؟"

"لقد سمعت بعض الخادمات يتحدثن. إنه أميرٌ قوي، ويقال إنه يريد توطيد العلاقة بين ألمرية وغرناطة."

نظرت زينب إلى ابنتها بعينين مليئتين بالقلق. "ليلى، إن هذه الأمور ليست سهلة. إنها تتعلق بمستقبل مملكتنا."

"ولكن، هل يجب أن أتزوج شخصاً لا أعرفه؟ شخصاً قد يكون عدواً لنا في الخفاء؟"

"هذا هو ما يقلق والدكِ أيضاً. إن القرارات التي نتخذها الآن، تتعلق بمصيرنا جميعاً. ولكن، لا تقلقي. والدكِ لن يسمح بأن تُضحي بكِ من أجل مكاسبٍ زائفة."

كانت الغرفة تعج بالأفكار المتضاربة. عرض ألمرية، وشبح الخيانة، والحاجة الملحة للحلفاء، ومخاطر التحالف مع العدو القديم. كان كل شيء يبدو معقداً، وكل قرارٍ يبدو محفوفاً بالمخاطر.

قال السلطان أحمد أخيراً، وقد علت وجهه علامات الإرهاق: "لقد اتخذت قراري. سنرسل سفيراً إلى ليون. وسوف نكثف مفاوضاتنا مع ألمرية، ولكن بحذرٍ شديد. وسوف نبدأ في تعزيز دفاعات غرناطة فوراً. علينا أن نستعد لكل الاحتمالات."

كانت ليلةً طويلة في قصر الحمراء. كانت الظلال تتراقص على الجدران، وكأنها تعكس أشباح الماضي والمستقبل. كان شبح ألمرية يلوح في الأفق، ولم يكن أحدٌ يعلم ما إذا كان سيحضر النجدة، أم سيجلب الخيانة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%