لغز الحضارة
الفصل 2 — النقوش الغامضة والبصيرة المتجددة
بقلم محمد الفاروق
الفصل 2 — النقوش الغامضة والبصيرة المتجددة
ارتعشت أصابع الأستاذ عبد الرحمن وهو يمسك بالقطعة المعدنية، التي بدت وكأنها تحمل في طياتها ثقل قرون مضت. لم يكن مجرد المعدن، بل الرموز المنحوتة عليها، تلك الرموز التي عانت من فعل الزمن، لكنها ظلت واضحة، تدعو العين العارفة إلى استكشاف ما وراءها. كانت أشبه بلغة قديمة، لغة لا يزال صداها يتردد في أذن التاريخ، بانتظار من يفك شيفرتها.
"هذه النقوش..." تمتم الأستاذ عبد الرحمن، وهو يمرر إصبعه فوق أحد الرموز. "تبدو لي مألوفة، وكأنها جزء من شيفرة قديمة جداً. لكنها ليست كأي لغة عرفتها أو درستها."
تأمل علي القطعة عن كثب. كان شاباً عملياً، يميل إلى التفكير المنطقي، لكنه كان أيضاً يحمل روح المغامرة التي ورثها عن عائلته. "هل يمكن أن تكون لغة حضارة قديمة لم يتم اكتشافها بعد؟"
"كل شيء ممكن يا علي." أجاب الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه لم تفارق القطعة. "لكنني أشعر أن هذه الرموز تحمل مفتاحاً. مفتاحاً ربما يقود إلى مكان، أو إلى معلومة."
نورة، بعقلها العلمي، كانت تحاول الربط بين ما تراه وما تعرفه. "هل قمت بفحص المعدن نفسه؟ ربما تكشف عن مصدره؟"
"لم أستطع ذلك بعد." قال الأستاذ عبد الرحمن. "لكنني سأقوم بذلك فوراً. ربما يحتاج الأمر إلى معدات خاصة."
عاد الأستاذ عبد الرحمن إلى مكتبه، تاركاً نورة وعلي يتأملان الصندوق الفارغ. كان قلبه يخفق بشدة، ليس خوفاً، بل شوقاً للمعرفة. هذه القطعة الصغيرة، التي لم تكن تبدو ذات قيمة مادية، كانت تحمل في طياتها وعداً أكبر بكثير. وعداً بإعادة كتابة جزء من التاريخ.
في الأيام التالية، غرق الأستاذ عبد الرحمن في بحر من الأبحاث. أمضى ساعات طويلة في مكتبته، يبحث في كل كتاب، كل مخطوطة، كل خريطة قديمة، أملاً في العثور على أي تشابه مع الرموز المنحوتة على القطعة المعدنية. كان علي، بشغفه الجديد، يشاركه البحث، ويقوم بإجراءات مادية لتحديد تركيبة المعدن، بينما نورة، رغم انشغالها بعملها، كانت تمنح والدها الدعم المعنوي، وتشجعه على عدم اليأس.
"أبي، هل وجدت شيئاً؟" سألت نورة في إحدى الأمسيات، حين وجدته جالساً على كرسيه، وعيناه مثبتتان على ورقة رسم فيها الرموز بدقة.
"لا شيء مؤكد." أجاب الأستاذ عبد الرحمن، وعلامات الإرهاق بادية على وجهه. "الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. هذه الرموز فريدة من نوعها، ولا تشبه أي شيء في الحضارات المعروفة. لكن هناك شعور قوي لدي بأنها مرتبطة بالحضارات القديمة في الجزيرة العربية، وتحديداً تلك التي ذكرتها الكتب السماوية."
"تقصد إرم ذات العماد؟" سأل علي، الذي كان قد دخل المكتب للتو.
"نعم." أكد الأستاذ عبد الرحمن. "كلما تعمقت، زاد إيماني بأن هذه القطعة، وهذه الرموز، هي جزء من لغز كبير يتعلق بتلك الحضارة المفقودة."
"لكن كيف؟" تساءلت نورة. "الكثيرون اعتبروها أسطورة، أو مجرد قصة."
"الأساطير غالباً ما تحمل في طياتها حقيقة، يا ابنتي. حقيقة مشوهة بفعل الزمن، أو مبالغ فيها، لكنها في جوهرها حقيقة." قال الأستاذ عبد الرحمن، بلهجة تحمل إقناعاً شديداً. "لقد تم اكتشاف العديد من الحضارات العظيمة بناءً على قصص وأساطير. وها هي 'بومبي' تعود للحياة من رماد البركان، و'تروي' تظهر من جديد بعد أن ظلت مجرد حكاية."
واصل الأستاذ عبد الرحمن بحثه، وفي أحد الأيام، بينما كان يتصفح مخطوطة قديمة جداً، كتبها عالم رحالة عاش في القرن السابع الميلادي، وجد شيئاً أثار فضوله بشدة. كانت المخطوطة تتحدث عن "أرض اللبان"، وعن قبائل سكنت جنوب الجزيرة العربية، وعن معتقداتهم وطقوسهم. وفي أحد الصفحات، كان هناك رسم صغير، يمثل تميمة، أو حجر حماية، عليها رموز متشابهة إلى حد كبير مع رموز القطعة المعدنية.
"يا إلهي!" صرخ الأستاذ عبد الرحمن، بصوت ارتفع عن المعتاد.
هرع علي ونورة إلى المكتب. "ما الأمر يا عمي؟ هل وجدت شيئاً؟"
"نعم! نعم!" قال الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه تلمعان. "انظروا إلى هذا الرسم. إنها رموز مشابهة جداً لتلك الموجودة على القطعة المعدنية."
أخذت نورة المخطوطة، وتأملت الرسم. "بالفعل، هناك تشابه كبير. لكنها تبدو أقل تعقيداً."
"لأنها نسخة قديمة، أو ربما تمثيل مبسط." قال الأستاذ عبد الرحمن. "هذا العالم الرحالة، الذي كتب هذه المخطوطة، كان يسافر عبر الجزيرة العربية، ويسجل كل ما يراه. وربما شاهد هذه الرموز في مكان ما، أو سمع عنها."
"لكن ماذا تعني هذه الرموز؟" سأل علي.
"هذا هو السؤال الأهم." قال الأستاذ عبد الرحمن. "المخطوطة تشير إلى أن هذه الرموز كانت تستخدم كعلامات مقدسة، مرتبطة بـ 'حراس الأرض' و'نور الحضارات'. إنها لغة لا يفهمها إلا القليلون."
شعر الأستاذ عبد الرحمن بقشعريرة تسري في جسده. "حراس الأرض؟ نور الحضارات؟ هذا الوصف يثير التساؤلات. هل كانت هناك حضارة متقدمة تحرس أسرار الأرض؟"
بدأ الأستاذ عبد الرحمن يركز بحثه على "أرض اللبان" والقبائل التي سكنتها. بدأ يقرأ عن التاريخ القديم لليمن، وعن مملكة سبأ، وعن قصص الأنبياء الذين زاروا هذه المنطقة. وفي إحدى الكتب، وجد إشارة إلى "مدينة تحت الأرض"، كانت معروفة بـ "مدينة الأحجار المتكلمة"، وأنها كانت مركزاً دينياً وعلمياً لحضارة قديمة.
"مدينة تحت الأرض؟ أحجار متكلمة؟" قال علي، وهو يحاول استيعاب هذه المعلومات.
"قد يكون ذلك مجازاً، أو قد يكون وصفاً حرفياً لمكان ما." قال الأستاذ عبد الرحمن. "لكن هذه الكلمات، بالإضافة إلى الرموز، تشير إلى أننا نقترب من شيء مهم."
في تلك الليلة، لم ينم الأستاذ عبد الرحمن كثيراً. كان قلبه مليئاً بالتساؤلات، وعقله يتخيل صوراً لحضارات قديمة، وأسرار دفنتها الرمال. شعر بأن القطعة المعدنية ليست مجرد أثر، بل هي دعوة، دعوة لرحلة استكشافية، رحلة للكشف عن لغز الحضارة، وعن "إرم ذات العماد".
في الصباح، وجد نورة وعلي الأستاذ عبد الرحمن في مكتبه، وهو يرتدي ملابسه. كان يبدو مصمماً، وكأنه اتخذ قراراً حاسماً.
"إلى أين يا عمي؟" سأل علي.
"إلى الجنوب." أجاب الأستاذ عبد الرحمن. "إلى حيث تتنفس الأرض أسرارها. إلى 'أرض اللبان'. ربما تكون هناك، بين تلك الجبال والوديان، مفاتيح أخرى لهذا اللغز."
نظرت نورة إلى أبيها، ثم إلى علي. كان هناك قلق في عينيها، لكنه كان ممزوجاً بتشجيع. "أبي، أنت متأكد؟ هذه رحلة طويلة، وربما خطيرة."
"الحقيقة لا تأتي بسهولة يا نورة." قال الأستاذ عبد الرحمن. "ولكن، عندما تكون على وشك اكتشاف شيء سيغير نظرة العالم للتاريخ، فإن المخاطر تصبح هينة."
وبينما كانوا يستعدون، شعرت نورة بقوة غريبة، قوة تتجاوز مجرد البحث الأكاديمي. كانت قوة تدفعهم نحو المجهول، نحو كشف ما هو مخفي، نحو استعادة مجد حضارة ضاعت في غياهب الزمن. كانت القطعة المعدنية، التي بدأت كل شيء، تشع في يد الأستاذ عبد الرحمن، وكأنها تنبض بالحياة، وبوعدٍ لغدٍ مليء بالاكتشافات.