لغز الحضارة
الفصل 3 — رحلة إلى أرض الأسرار
بقلم محمد الفاروق
الفصل 3 — رحلة إلى أرض الأسرار
لم تكن مجرد رحلة، بل كانت انطلاقة نحو المجهول، نحو قلب الصحراء التي طالما احتضنت أسرار حضارات قديمة. قرر الأستاذ عبد الرحمن، مدفوعاً بشغفه المتجدد، وبما وجده من دلائل تربط الرموز الغامضة بمنطقة "أرض اللبان"، أن يخوض غمار هذه المغامرة. لم يكن الأمر سهلاً، فالتقدم في السن قد ألقى بظلاله على جسده، لكن روح الباحث عن الحقيقة كانت أقوى من أي إرهاق.
"هل أنت متأكد من هذا القرار يا أبي؟" سألت نورة، وهي تساعده في ترتيب حقائبه. كان القلق يرتسم على وجهها، لكنها كانت تعلم جيداً أن محاولة ثني والدها عن ما يعتقده صواباً هو أمر أشبه بمحاولة إيقاف موج البحر.
"كل تأكيد يا ابنتي." أجاب الأستاذ عبد الرحمن، بابتسامة مطمئنة. "هذه فرصة قد لا تتكرر. هذه الرموز، والمخطوطة، كلها تشير إلى أن هناك شيئاً مهماً ينتظرنا هناك. شيئاً قد يعيد "إرم ذات العماد" إلى الأذهان، وليس فقط كأسطورة."
علي، الذي كان يشعر بحماس شديد، كان يجهز المعدات اللازمة. "لقد قمت بالاتصال ببعض الزملاء في تلك المنطقة، وهم على استعداد للمساعدة. لدينا دليل محلي، رجل كبير السن، يعرف أودية الصحراء كراحة يده."
"هذا جيد جداً يا علي." قال الأستاذ عبد الرحمن. "كل مساعدة ستكون ثمينة. هذه الرحلة تتطلب دقة، وصبر، وإيماناً بما نبحث عنه."
بعد أيام قليلة، ودع الأستاذ عبد الرحمن ابنته نورة، التي أصرت على البقاء في الدار لضمان سير الأمور، ووعدته بالاتصال المستمر. انطلق الأستاذ عبد الرحمن، برفقة علي، في سيارة دفع رباعي متينة، متجهين جنوباً. كانت الصحراء تمتد أمامهما، صفحة واسعة من الرمال الذهبية، تتخللها بعض الجبال الصخرية الشاهقة، وكأنها أضلع جبلية ضخمة.
كانت الرحلة شاقة، لكنها كانت أيضاً مليئة بالجمال. في الليل، كانت السماء تتلألأ بالنجوم، وكأنها ماسات تناثرت على قماش أسود، لا تراها إلا في سكون الصحراء. وفي النهار، كانت الشمس تلف المكان بدفء، ترسم ظلالاً طويلة، وتكشف عن تفاصيل دقيقة في تضاريس الأرض.
عندما وصلوا إلى نقطة الالتقاء المتفق عليها، استقبلهم الدليل المحلي، رجل يدعى "سالم"، ذو وجه نحيل، وعينين ثاقبتين، يرتدي ملابس تقليدية بيضاء، تلف رأسه عمامة. كان سالم يتحدث بلهجة محلية أصيلة، وكلماته تحمل حكمة القرون.
"أهلاً بكم في ديارنا." قال سالم، وهو يصافح الأستاذ عبد الرحمن بحرارة. "وصلتكم الأخبار عن بحثكم، وعن اهتمامكم بأسرار الماضي. قد تكون هذه الأرض تحمل الكثير مما لم يكتشف بعد."
"ونحن نأمل ذلك يا سالم." قال الأستاذ عبد الرحمن. "لقد سمعنا عن هذه المنطقة، عن تاريخها، وعن بعض الأساطير التي تتحدث عنها. هل لك أن تحدثنا عن 'مدينة الأحجار المتكلمة'؟"
ابتسم سالم ابتسامة غامضة. "تلك قصة قديمة جداً. يقال إنها مدينة كانت موجودة في زمن غابر، بناها قوم حكموا الأرض بعلم وفضل. لكنهم اختفوا، ولم يبق منهم إلا أثر، وهمسات في الريح."
"وهل هناك أي مكان يمكن أن يكون فيه هذا الأثر؟" سأل علي.
"هناك بعض الأماكن التي يتجنبها الناس." قال سالم. "يقولون إنها مسكونة، أو أنها تحمل لعنات. لكن ربما، لمن يبحث عن الحقيقة، قد يجد فيها شيئاً."
قادهم سالم إلى قلب الصحراء، عبر مسارات بالكاد يمكن رؤيتها. كانت الشمس تلفحهم، والهواء ساخناً، لكن الأمل كان يمنحهم القوة. كانوا يتوقفون كل فترة، ويقوم الأستاذ عبد الرحمن بإخراج القطعة المعدنية، يتأمل الرموز، ثم ينظر إلى الأفق، وكأنه يبحث عن إشارة، عن دليل.
"أبي، هل أنت متعب؟" سأل علي، عندما وجد جده يتوقف لالتقاط أنفاسه.
"التعب جسدي يا بني، لكن الروح ترفرف." أجاب الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه تتطلعان إلى الأمام. "أشعر بأننا على وشك اكتشاف شيء عظيم. أشعر بأن الأرض هنا تتحدث إلينا."
بعد يومين من السير، وصلوا إلى منطقة جبلية وعرة، ذات تشكيلات صخرية غريبة. قال سالم: "هنا، في هذه المنطقة، يقال إن هناك كهوفاً قديمة، ومنحوتات لم يعرف أحد من صنعها."
بدأوا بالاستكشاف، يتسلقون الصخور، ويدخلون الكهوف. الأستاذ عبد الرحمن، رغم تقدمه في السن، كان يظهر مرونة ملحوظة، مدفوعاً بما كان يشعر به من اقتراب.
وفي أحد الكهوف، الذي كان عميقاً ومظلمًا، وجد علي نحتاً صخرياً قديماً، يمثل رسماً هائلاً، فيه كائنات غريبة، ورموز لا تشبه ما رآه من قبل.
"يا إلهي!" صاح علي. "انظروا إلى هذا!"
هرع الأستاذ عبد الرحمن إلى المكان. تأمل النحت بعمق، وعيناه لا تصدق ما تراه. كانت هناك رموز، متشابهة مع رموز القطعة المعدنية، لكنها أكبر، وأكثر تفصيلاً.
"هذه هي!" قال الأستاذ عبد الرحمن، بصوت يرتجف من الإثارة. "هذه هي نفس الرموز! لقد وجدنا دليلاً!"
ثم، لاحظ شيئاً آخر. في وسط النحت، كان هناك شكل دائري، وكأنها علامة، أو بوابة. وبجانبها، كانت هناك نقوش أخرى، تشبه الخريطة.
"هذه خريطة!" قال الأستاذ عبد الرحمن. "خريطة تقود إلى مكان ما!"
بدأ الأستاذ عبد الرحمن، بمساعدة علي وسالم، في محاولة فك رموز الخريطة. كانت النقوش معقدة، لكنها كانت تحمل منطقاً خاصاً بها. بعد ساعات من العمل الشاق، تمكنوا من تحديد اتجاه.
"إلى الشمال الشرقي." قال الأستاذ عبد الرحمن، مشيراً إلى اتجاه معين. "يبدو أن هذا المكان هو مدخل، أو نقطة بداية، لشيء أكبر."
استعدوا للانطلاق مرة أخرى، قلوبهم تخفق بالأمل. كانت القطعة المعدنية، التي بدأت كل شيء، تبدو وكأنها تنبض في جيب الأستاذ عبد الرحمن، دليلاً صامتاً، ولكنه قوي.
بعد يوم إضافي من السير، وصلوا إلى وادٍ عميق، لم يكن ظاهراً من بعيد. في وسط الوادي، كانت هناك تشكيلات صخرية غريبة، تشبه أعمدة ضخمة، ولكنها منحوتة بدقة متناهية.
"هذا هو المكان!" قال سالم، بصوت يرتعش. "يسمونه 'أعمدة الحكمة'. يقال إنها بناء، ولكنه ليس من صنع البشر."
تقدم الأستاذ عبد الرحمن نحو أحد الأعمدة. كان سطحه أملساً، وعليه نقوش أخرى، أكثر وضوحاً من تلك التي رأوها في الكهف. بدأ يتلمس النقوش، ويقارنها بالرموز التي يعرفها.
"هذه الرموز..." تمتم. "إنها تصف النجوم، والكواكب، وحركة الكون. إنها لغة علمية، وليست مجرد لغة دينية."
"علم؟" سأل علي، بدهشة. "كيف يمكن لحضارة قديمة أن تمتلك علماً كهذا؟"
"ربما كانت حضارة تفوق ما نتخيل." قال الأستاذ عبد الرحمن. "ربما كانت حضارة فهمت أسرار الكون، ووصلت إلى معرفة لم نصل إليها بعد."
وفي قاعدة أحد الأعمدة، وجدوا مدخلاً صغيراً، شبه مخفي. كان المدخل مظلماً، ويؤدي إلى ما يبدو أنه نفق.
"هل هذا هو 'المدخل' الذي تشير إليه الخريطة؟" سأل علي.
"لا بد أنه كذلك." قال الأستاذ عبد الرحمن. "علي، سالم، هل أنتما مستعدان؟"
نظر علي إلى سالم، ثم إلى الأستاذ عبد الرحمن. كان هناك خوف، ولكنه ممزوج بشجاعة نادرة.
"مستعدون يا عمي." قال علي.
"فلنذهب." قال الأستاذ عبد الرحمن، وبدأ بالنزول إلى النفق المظلم، والقطعة المعدنية في يده، كأنها شعلة تضيء لهم الطريق نحو أعماق التاريخ، ونحو لغز حضارة طواها الزمن.