الفصل 4 / 25

لغز الحضارة

الفصل 4 — دهاليز الماضي وصدى الحضارة

بقلم محمد الفاروق

الفصل 4 — دهاليز الماضي وصدى الحضارة

كان الهواء داخل النفق بارداً ورطباً، يحمل رائحة الأرض العتيقة والغبار المترسب عبر القرون. أشعل الأستاذ عبد الرحمن مصباحاً يدوياً، وبدأ الضوء يتسلل عبر الظلام، كاشفاً عن جدران منحوتة بدقة لا تزال تحتفظ بجمالها، رغم آثار الزمن. كانت الرموز المنحوتة على الجدران، شبيهة بتلك التي رأوها في الكهف، لكنها كانت أكثر تفصيلاً، وأكثر غموضاً.

"انظروا إلى هذه الرسومات." قال الأستاذ عبد الرحمن، موجهاً ضوء المصباح نحو أحد الجدران. "إنها ليست مجرد رسومات، بل هي تمثيل لقصص، لأحداث. يبدو أنها تحكي عن بناء هذه المدينة، وعن علمهم، وعن علاقتهم بالكون."

علي، بعينيه المدربتين، كان يتأمل النقوش بذهول. "إنها تبدو وكأنها سجل تاريخي. لم أر شيئاً كهذا من قبل. كيف يمكن لهذه الحضارة أن تنحت هذه التفاصيل بدقة متناهية، في عمق الأرض؟"

سالم، الذي كان يسير خلفهما، كان يتأمل كل شيء بصمت، وعيناه تعكسان مزيجاً من الخوف والرهبة. كان يعلم قصص الأجداد عن هذه الأماكن، عن الجن والأساطير التي تحيط بها، لكنه لم يكن يتخيل أبداً أن يجد نفسه داخلها.

"هذه 'مدينة الأحجار المتكلمة' التي سمعنا عنها؟" سأل بصوت خافت.

"ربما." أجاب الأستاذ عبد الرحمن. "أو ربما هي جزء من مدينة أكبر، وأن هذا النفق هو مجرد مدخل إليها."

واصلوا السير في النفق، الذي كان يتسع تدريجياً. وجدوا أمامهم قاعة واسعة، تشبه المسرح، أو مكان للاجتماعات. في وسط القاعة، كانت هناك منصة حجرية، وعليها جهاز غريب، مصنوع من معدن لامع، يشبه الكرة البلورية، محاطة بحلقات معدنية.

"ما هذا؟" سأل علي، مندهشاً.

"لا أعرف." قال الأستاذ عبد الرحمن. "لكنه يبدو جهازاً معقداً. ربما كان يستخدم للعلم، أو للتواصل."

اقترب الأستاذ عبد الرحمن بحذر من الجهاز، وهو يمسك بالقطعة المعدنية. عندما اقتربت القطعة من الجهاز، بدأت الرموز المنحوتة عليها تتوهج بضوء خافت.

"هل رأيت ذلك؟" صرخ علي. "القطعة المعدنية تتوهج!"

"نعم." قال الأستاذ عبد الرحمن، بذهول. "يبدو أن هناك علاقة بين هذه القطعة والجهاز."

وضع الأستاذ عبد الرحمن القطعة المعدنية في مكان مخصص على الجهاز. في تلك اللحظة، انبعث ضوء قوي من الجهاز، وملأ القاعة. بدأت الرموز المنحوتة على الجدران تتوهج أيضاً، وكأنها تستجيب لشيء ما.

ظهرت أمامهم صورة ثلاثية الأبعاد، تشبه مجسمات النجوم والكواكب، تدور ببطء. ثم، بدأت هذه المجسمات تتغير، وترسم خرائط، ورسومات، وأنماط معقدة.

"إنها تعرض لهم علم الفلك!" صاح الأستاذ عبد الرحمن، وعيناه تلمعان. "إنهم كانوا يدرسون الكون، ويحللون حركة النجوم والكواكب!"

ثم، تغيرت الصورة، لترسم خريطة معقدة، تظهر فيها الأرض، ومواقع حضارات مختلفة. في وسط الخريطة، كان هناك موقع واحد يضيء بشكل ساطع، يبدو أنه كان المركز.

"هذه هي 'إرم ذات العماد'." قال الأستاذ عبد الرحمن، بصوت مليء باليقين. "هذا هو موقعها. لم تكن مجرد أسطورة. لقد كانت حقيقة!"

شعر علي بالذهول. "لكن، لماذا اختفت؟ لماذا لم يبق منها أثر؟"

بينما كان الأستاذ عبد الرحمن يتأمل الخريطة، بدأ الجهاز يعرض صوراً أخرى. صور لأشخاص يرتدون ملابس غريبة، ويستخدمون تقنيات متقدمة. صور لسفن فضائية، تتحرك بين الكواكب.

"هل كانوا...؟" قال علي، غير قادر على إكمال الجملة.

"مسافرين عبر النجوم؟" أكمل الأستاذ عبد الرحمن، بابتسامة خفيفة. "يبدو أنهم كانوا أكثر تقدماً مما نتخيل. ربما كانوا حضارة تسعى للمعرفة، وللتوسع."

لكن، فجأة، تغيرت الصور. بدأت تعرض مشاهد لكوارث طبيعية، زلازل، براكين، وتغيرات مناخية قاسية. ثم، ظهرت صور لحروب، وصراعات.

"ما هذا؟" سأل سالم، بخوف.

"يبدو أن حضارتهم لم تسلم من المصاعب." قال الأستاذ عبد الرحمن. "لقد واجهوا تحديات كبيرة، ربما أدت إلى نهاية حضارتهم."

وبينما كان المشهد الأخير يعرض، ظهرت صورة لجهاز مشابه للجهاز الموجود أمامهم، لكنه كان أكبر، وأكثر تعقيداً. ثم، ظهرت صور لأشخاص يدخلون هذا الجهاز، ويختفون.

"إنها... آلة سفر؟" قال علي. "ربما سافروا إلى مكان آخر، أو إلى زمن آخر."

"ربما." قال الأستاذ عبد الرحمن. "ربما لم تنته حضارتهم، بل انتقلت. ربما رحلت إلى مكان آخر، لتحافظ على أسرارها."

بعد أن انتهى عرض الصور، عاد الجهاز إلى وضعه الأصلي، والضوء خفت. ساد صمت عميق في القاعة، لم يكسره سوى صوت أنفاسهم.

"لقد وجدنا." قال الأستاذ عبد الرحمن، بضعف. "وجدنا دليلاً على وجود 'إرم ذات العماد'. لقد كانت حضارة عظيمة، متقدمة، اختفت تاركة وراءها ألغازاً."

شعر علي بالإعجاب والتقدير لوالده. "لقد حققت حلم حياتك يا عمي. لقد أثبت للعالم أن هذه الحضارة لم تكن مجرد أسطورة."

"لم أحقق شيئاً بمفردي." قال الأستاذ عبد الرحمن، وهو ينظر إلى علي وسالم. "لقد كان تعاونكم، وشجاعتكم، دليلي. لقد كان هذا اكتشافاً لنا جميعاً."

قرروا أن يأخذوا بعض الصور للنقوش، وللجهاز. لم يرغبوا في إزالة أي شيء، احتراماً لقدسية المكان، ولتجنب أي ضرر قد يلحق به.

عندما عادوا إلى الخارج، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ملونة السماء بألوان برتقالية وحمراء. شعر الأستاذ عبد الرحمن بشعور غريب، مزيج من الرضا، والإرهاق، والحزن على حضارة عظيمة اختفت.

"ماذا سنفعل الآن؟" سأل علي.

"سنعود إلى الديار." قال الأستاذ عبد الرحمن. "وسنشارك ما اكتشفناه مع العالم. ولكن، يجب أن نفعل ذلك بحذر، وباحترام. يجب أن نحافظ على هذا الإرث، وأن نتعلم منه."

شعر الأستاذ عبد الرحمن بأن رحلته لم تنته بعد. بل إنها بدأت للتو. لقد كشف عن لغز، لكن هناك ألغازاً أخرى تنتظر. ألغاز تتعلق بمعنى وجود هذه الحضارة، وبما تعلموه، وبما يمكن أن نتعلمه نحن منهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%